النظام القانوني لإجراءات الضبط القضائي في جرائم الأنترنت

المقدمة

إن عمل سلطة التحقيق شائك جداً ويختلف عن عمل السلطات العامة الأخرى التي تتعامل ضمن خطوط بيضاء وسوداء إلى حد ما، ألوان معروفة، فهي تتعامل مع الانسان وظروفه، وأحياناً قد يصدر منها قراراً اجتهادياً من شأنه المساس بحرية إنسان ما كان يجب أن تمس أو قد ينتج عنه ضياع لتلك الحرية، فكل السلطات العامة تتعامل مع الانسان، لكن سلطة التحقيق تتعامل مع ذات الانسان، لذا وجب على هذه السلطة أن تعمل في حدود مرسومة تقرها القوانين، ضماناً لمشروعية تصرفاتها ودرءً لاحتمالات التعسف وسوء استخدام السلطة، فأينما تمنح السلطة يولد الخوف من سوء استخدامها.

فإن وقوع أي جريمة يعطي للمجتمع الحق في الاقتصاص ممن أخل بأمنه وسلامته، وهذا الأمر يستوجب مباشرة سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى كشف ملابسات الجريمة ومعرفة ظروف ودوافع ارتكابها، والبحث عن الآثار المادية التي تثبت وقوعها، وهذا ما تقوم به الضابطة العدلية في مرحلة التحقيق الأولي.

علماً أنه قبل الشروع بالمحاكمة لابد من القيام بأعمال تحضيرية، وهذه الأعمال تدخل ضمن مرحلة التحقيقات الأولية، وتهدف إلى استقصاء الجرائم وضبطها بغية إلقاء القبض على الفاعلين والمساهمين في ارتكاب الجريمة وسوقهم أمام القضاء، ويتولى القيام به مجموعة من الأشخاص منحهم القانون صفة الضابطة العدلية.

وإذا كان لابد من الإفادة من المنجزات العلمية والتكنولوجية في مكافحة الجريمة والوقاية منها وفي الكشف عن فاعليها وملاحقتهم وضبطهم وإقامة الدليل الحاسم عليهم، يغدو التأكيد على إتباع الإجراءات الأصولية التي تضفى عليها المشروعية ضرورياً بحيث لا تتعارض مع حقوق المتهم في الدفاع عن نفسه، كي تكون منسجمة ومتوافقة مع روح القانون والعدالة، وهذا يتطلب بالضرورة طرق إثبات قادرة على التمييز والتفرقة بين الحق والباطل، تستعملها بكفاءة اعتماداً على المنهج العلمي سلطة تحقيق تحرص على حرية المتهم كحرصها على التوصل إلى الحقيقة.

حيث شكلت ثورة المعلوماتية التي عرفتها البشرية خلال القرن الواحد والعشرين نقلة نوعية في تاريخ البشرية، لما واكبها من تطور في وسائل الاتصال، بحيث أضحى الحاسوب وبرمجياته يمثل بالنسبة للعقل البشري ما مثلته الآلة بالنسبة لعضلات أسلافنا في القرن السادس عشر وما قبله، إذ تخطى الحاسوب، والذي هو من ابتكار العقل البشري، قدرات مبتكره من حيث السرعة في إجراء العمليات الحسابية المنطقية، كما بقدرته على حفظ وتحليل المعلومات، وبتوفره على المستويات الفردية، أتاح للأفراد الاستفادة من خصائصه، وقدراته على معالجة الكثير من الأمور التي كانت تكبدهم العناء والتعب والوقت، وربما يعجز الفرد من دونه عن إنجاز الكثير منها، بالإضافة إلى إتاحته المجال أمام الأفراد للاتصال والتواصل عن بعد، بسرعات كبيرة تكاد تلامس سرعة الضوء، كما أتاحت تلك البرمجيات له القيام بعمليات لم تكن تخطر على باله، ولم تكن لتدور في خلده، لولا الحاسوب وبرمجياته وشبكاته.

وإذا كان القانون قد منح سلطة التحقيق، حق اتخاذ العديد من الإجراءات الجزائية من قبض وتوقيف وتفتيش واستجواب، والتي من شأنها المساس بشكل مباشر بحريات وحقوق المواطنين واستقرارهم في حياة اجتماعية كريمة، يجب أن يفهم إنها قد منحت ذلك من أجل ممارسته على خير وجه، لأن الهدف منها تحقيق العدالة، والعدالة لا تتحقق بخرق الحقوق والتضييق على الحريات من دون مسوغ قانوني، لذا وجب أن تكون تلك الإجراءات وليدة تدبير عميق عند وضعها لتكون عند التطبيق دستوراً حقيقياً يحفظ لسلطة التحقيق رغبتها المشروعة في تتبع الجريمة كما يحفظ للمتهم البريء رغبته المشروعة في ألا يناله من تتبعها عنت أو إرهاق، واذا  كان لشيء من ذلك بد فلا بد أن يكن في أضيق نطاق ممكن وبحافز البحث عن الحقيقة وحدها بغير التواء قصد أو انحراف غاية.

وعليه لا بد من اللجوء إلى الأساليب العلمية الحديثة في مواجهتها، هذا وإن كشف الستار عن هذا النوع من الجرائم يحتاج إلى طرق تقنية حديثة تتناسب وطبيعتها، فظهر ما يسمى ” بالدليل الإلكتروني ” بوصفه أحد أنواع الأدلة الجنائية الحديثة على نظم العدالة، وبهذا يتضح أثر الدليل الإلكتروني في تحجيم الجريمة المستحدثة والحد من خطورتها، هذا الأثر الذي لا تستطيع الأدلة التقليدية أن تقوم به([1]).

إذ تحظى الأدلة الجنائية التقليدية بشكل عام والأدلة الإلكترونية بشكل خاص بأهمية كبيرة في الإثبات الجنائي أثناء مرحلة التحقيق، حيث إنها الأداة أو الوسيلة التي يبني عليها القاضي حكمه في إدانة أو براءة المتهم المنسوب إليه الجريمة، وبناءً عليه، فإن هذا النوع من الأدلة فقد حظي باهتمام المشرع في مختلف النظم القانونية، من ناحية تحديد شروط شرعيته وتقييم قيمته الاستدلالية كدليل موثوق به.

لذلك يتطلب التعامل في مسرح الجريمة سواء أكان مسرحا اعتيادياً أم مسرحاً إلكترونياً، إجراءات روتينية معينة متفق عليها لحماية الدليل وإبراز قيمته الاستدلالية، إلا أن هذه الإجراءات تختلف من مسرح الجريمة المادي إلى مسرح الجريمة الإلكتروني بالأسلوب المتبع في كلا المسرحين، ذلك إنّ التطبيقات أو البرامج والبيانات الرقمية عنصران أساسيان يتحتم على أجهزة إنفاذ القانون وخبراء الأدلة الجنائية جمعها واستخلاصها، فمن المعلوم أن جهات التحري والتحقيق اعتادت الاعتماد في جمع الأدلة على الأساليب المعتمدة للإثبات المادي للجريمة؛ ولكن الأمر في محيط الإلكترونيات مختلف، لأن جهات التحقيق قد تجد صعوبة في إتباع نفس الأساليب التقليدية لضبط هذا الدليل، فالحقيقة تحتاج دائما إلى دليل، وإذا كانت هذه الحقيقة قابلة للتطور فإن الدليل الذي تقوم به هذه الحقيقة لابد أن يكون متطوراً، وليس المقصود بتطور الدليل اكتشاف أدلة جديدة، وإنما المقصود بذلك تطور أساليب الحصول على الدليل الإلكتروني بما يتفق مع طبيعة هذا الدليل.

أولاً: أهمية الدراسة.

إن من أدق ما قد يثار في إجراءات التحقيق الجنائي ومدى الضمانات التـي تمنح للمتهم أثناءها هو مشروعية تلك الإجراءات، ذلك أن القاعـدة المعمـول بهـا أن للمحقق أن يتخذ ما يشاء من الإجراءات في سبيل الحصول على الحقيقة ما دامـت هـذه الإجراءات مشروعة.

 إن هذه القاعدة بالرغم من بساطتها تلقى في العمل صعوبات كبيرة عند وضـعها موضع التطبيق إلا أن هذا الأمر يقتضي وضع معيار لما يعـد مباحـاً مـشروعاً مـن الإجراءات وما لا يعد كذلك.

فمشروعية إجراءات التحقيق الجنائي تستلزم عدم قبول أي دليل يكون البحث عنه أو الحصول على أدلة الجريمة لا تعني اتباع أي إجراء يوصل إليها بل إن البحث مقيـد باحترام مقتضيات الحفاظ على كرامة الإنسان من جهة، واحترام حقوق الدفاع من جهـة ثانية وقيم العدالة وأخلاقياتها من جهة أخيرة.

كما تستلزم مشروعية إجراءات التحقيق الجنائي أيضا عدم قبول أي إجراء ومن ثم دليـل إثبات تم الحصول عليه من خلاله إذا جاء بالمخالفة للقانون، فإذا كان القانون قـد زود الجهات القضائية التي تتولى أمر التحقيق الجنائي بسلطات في مجـال ” جمـع الأدلـة (ضباط الشرطة القضائية) أو ” البحث عنها” (سلطة التحقيق) أو تقديرها (سـلطة الحكـم) فإنه يجب احترام سائر القواعد الجوهرية والإجراءات الشكلية المنـصوص التـي نـص عليه.

ثانياً: أهداف البحث.

تتجلى أهداف موضوع مشروعية إجراءات التحقيق الجنائي في أنه يعد أحد أهم الضمانات الأساسية التي تقيد من سلطة التحقيق وتمنع تعسفها وتلزمها بالتصرف مع المتهم باعتبارها أداة اجتماعية جزائية مهمتها البحث عن الحقيقة دون ظلم، حيدة أو تعسف، كما إن موضوع البحث له أهمية خاصة في مجال الدراسات المقارنة ذلك إنه يعـرض للمناقشة العديد من الأفكار، ثم انتقاء أفضل الحلول التي تساعد على توفير حماية شـاملة للمتهم أثناء مرحلة التحقيق الجنائي.

فضلاً عن تسليط الضوء على مدى احترام سلطات التحقيق للنصوص القانونية المنظمة لإجراءات التحقيق الجنائي، وما تتضمنه من شكليات وقواعد محددة وجب اتباعها لتتسم هذه الإجراءات بالمشروعية، الوقوف عند الإجراءات والوسائل العلمية الحديثة سواءً كانت إجراءات ظاهرة أو خفية، وبحث مدى اعتدائها على مبدأ المشروعية في مباشرة إجراءات التحقيق الجنائي.

كما نهدف لاستعراض ما جاءت به التقنية الحديثة المتقدمـة، وما أفرزته من إجراءات جديدة في ميدان التحقيق الجنائي تستدعي الوقوف أمامها، وتحديد مدى أمانتها في نقل الحقيقة ومدى مشروعية اللجوء إليها في غياب النصوص.

ثالثاً: إشكالية الدراسة:

تعدّ الجريمة الالكترونية واحدة من أكبر التحدّيات التّي نواجهها في عالمنا المعاصر، فضلاً عن صعوبة كشف مرتكبيها والحصول على دليل الإدانة، إذ يشترط لصحة الدليل أن يكون مستمداً من إجراء تفتيش صحيح كما أن إجراءات الضبط القضائي وجمع الأدلة في جرائم الإنترنت يتطلب مهارات فنية معينة في المحقق يجب أن يمتاز بها حتى يتمكن من العمل بسرعة من أجل الحفاظ على الأدلة من الإتلاف أو الشطب أو التعديل وذلك لسرعة تغير الأدلة الرقمية.

وحتى يتمكن المحقق من القيام بالتفتيش لابد وأن يستعين بالفنيين المختصين بالحاسوب والإنترنت وعلى الجهة المختصة أن تعطيهم الإذن بالتفتيش والتحقيق ولهذا فمن الضروري أن تضم سلطات التحقيق المختصة أعضاء مختصين فنياً بالحاسوب والإنترنت والأنظمة الإلكترونية، ومن هذا المنطلق تشكل لدينا السؤال الرئيسي التالي: ما هو النظام القانوني لإجراءات الضبط القضائي في جرائم الانترنت؟

والذي يتفرع عنه عدة تساؤلات على النحو التالي:

1_ ما هو التنظيم القانوني لأعضاء الضبط القضائي وتنظيم سلطاته؟

2_ ما هي القيمة القانونية للدليل الالكتروني في الإثبات الجنائي؟

3_ ما هي خصوصيات إجراء الضبط القضائي؟

4_ ما هي آليات السياسة الجنائية تجاه جرائم الانترنت؟

رابعاً: منهجية الدراسة.

حرصاً مني على بلوغ الغاية المتوخاة من هذه الدراسة، ومن أجل الوقوف على أهم النقاط المهمة في هذا البحث ومعالجتها معالجة وافية، فسوف اعتمد على:

1_ المنهج التحليلي من خلال تحليل النصوص التشريعية الجزائية ذات العلاقة بالموضوع والوصول بها إلى النتائج المطلوبة.

2_ المنهج المقارن وذلك من أجل أن اقوم بالمقارنة بين القوانين العربية والأجنبية، كما سوف أوضح موقف القانون العراقي من خلال قانون أصول المحاكمات الجزائية.

خامساً: خطة الدراسة.

فيما يلي سوف نقوم بالاعتماد على التقسيم الثنائي اثناء الدراسة، حيث نقوم بتقسيم الدراسة الى فصلين، نتناول في الفصل الأول التنظيم القانوني لعمل أعضاء الضبط القضائي في جرائم الانترنت، فيما أمكننا ذلك من تقسيمه الى مبحثين، نتناول في المبحث الأول التنظيم القانوني لأعضاء الضبط القضائي وتنظيم سلطاته، بينما في المبحث الثاني خصوصية إجراءات الضبط القضائي والتفتيش في جرائم الانترنت.

بينما في الفصل الثاني نتناول البنيان القانوني للدليل الالكتروني في التحقيق الجنائي، والذي بدوره سوف نقوم بتقسيمه إلى مبحثين، نتناول في المبحث الأول حجية للدليل الالكتروني في الإثبات الجنائي، بينما في المبحث الثاني آليات السياسة الجنائية الدولية تجاه جرائم الانترنت.

الفصل الأول

 التنظيم القانوني لعمل أعضاء الضبط القضائي في جرائم الانترنت

من أهم خصائص الجريمة الإلكترونية أنها غالباً جريمة دولية وعابرة للحدود، لا تعرف إقليم أو حدود تمنع انتشارها، وهي ذات فعالية سريعة في تحقق السلوك والنتيجة الجرمية، كما أنها لا تعرف نطاقاً معيناً لمسرح الجريمة، ولا يشترط فيها أن يكون الجاني أو السلوك الجرمي أو النتيجة متحققة في ذات البلد، أو الموقع الذي ارتكب فيه الجاني فعله.

ونظراً لطبيعة الجريمة الإلكترونية ثار الخلاف حول تحديد القضاء المختص بنظر الجريمة، فيذهب البعض إلى انعقاد الاختصاص في الجرائم الإلكترونية إلى قضاء الدولة التي تم فيها تحميل البيانات، كون عملية جمع البيانات والأدلة ستكون ميسورة لكونه قضاء دولة المصدر، كما أن بنك المعلومات محل التحميل أكثر ثباتاً من غيره.

وذهب البعض الآخر إلى انعقاد الاختصاص لمكان وقوع النتيجة الجرمية، وأنتقد هذا الرأي لكونه لا يأخذ بالاعتبار مصلحة المدعى عليه بأن تطبق عليه قوانين دولته، مما يزيد من نفقات المحاكمة في هذه الجرائم، وإطالة اجراءات المحاكمة([2]).

وذهب رأي ثالث إلى إيلاء الاختصاص لمكان إقامة المجني عليه، فهو المكان الذي تحققت فيه النتيجة الجرمية التي أضرت بالمجني عليه، ولم يسلم هذا الرأي من الانتقادات كذلك، وقد حسم المشرع اللبناني مـوضـوع الاختصاص القضائي اللبناني، إذ هو ذاته الاختصاص الذي ينعقد لقانون العقوبات اللبناني، فكل جريمة يسري عليها قانون العقوبات يختص بها بالضرورة القضاء اللبناني،

ويعني ذلك أن القضاء اللبناني يختص وطنياً في جميع الجرائم أياً كانت تسميتها إذا ما ارتكبت في الإقليم اللبناني كلياً أو جزئياً ودون اعتبار لجنسية مرتكبيها أو المجني عليه فيها([3]).

انطلاقاً من هذه المهمـة التـي أوكلت إليهـا، والتـي تتمثـل بقيـام أعضـاء الضبط القضـائي بالبحث عن الجرائم ومرتكبيهـا وجمـع الاستدلالات اللازمة للبدء في التحقيق، بهدف الوصول إلى الحقيقة تحقيقاً للعدالة التي يرعاهـا القانون، والضبط القضائي نظام معروف في كافة التشريعات المعاصرة، وهـو وليـد الضـرورة، فالادعاء العام لا يملك القدرة الفعلية على القيام بالتحري عن الجرائم وجمع المعلومات اللازمة عنها وعن مرتكبيها، وهذا ما دفع إلى إسناد هذه المهمة إلى جهة أخرى تساعد النيابة العامة في عملها وهو ما يعرف بالضبط القضائي.

ومن المـعـلـوم أنـه عنـدما تقع جريمـة مـا، مهمـا كـان نوعهـا ومهمـا كـانـت جسـامتها، ولا فـرق إذا كانـت مشهودة أو غيـر مشـهودة، فإن ثمـة أشخاص يقومـون بـإجراءات فوريـة لكشـف هـذه الجريمـة وجمـع المعلومات والأدلة المتعلقة بهـا، وتعقـب الفاعـل لمعرفـة هويتـه إذا كانـت غيـر معروفـة، وإلقـاء القبض عليـه تمهيـداً لتقديمـه إلـى المحكمـة، لينـال الـجـزاء الـذي يستحقه.

 وإن هـذا التحقيـق يسـمى التحقيق الأولـي، لأنـه أول تحقيـق يحصـل بعـد وقـوع الجريمـة، والأشخاص الذين يقومـون بـه هـم مـن رجـال الشرطة المكلفين، والمخصـص لهـم، ويحملـون اسـم الضابطة العدلية لارتبـاط عملهـم بالقضـاء، فهـم مـن مسـاعدي النائب العام، يقومون بعملهـم العـدلي بإشرافه، وهـذا مـا يميـزهـم عـن ضابطة أخـرى هـي الضابطة الإداريـة، فـدور الضابطة الإداريـة هـو دور وقائي، أي منـع وقـوع الجريمـة، فـي حـين أن دور الضابطة العدليـة يـأتها بعـد حـصـول الجريمـة، ولهـذا قيـل أن الضابطة العدلية تبحث عن الجرائم التي لم تستطع الضابطة الإدارية منع وقوعها.

 ويشكل قانون الإجراءات الجزائية الإطـار القانوني الذي يحدد اختصاصـات كـل مـن القضـاة والنيابة العامة ومأموري الضبط القضـائي، حيث تتمحور مهمتهم بالكشـف عـن عناصر الجريمـة حال وقوعها، ولهـم فـي سبيل تحقيق ذلك التوسل إلى مختلف الطرق التي حددها القانون، يهـدف الأدلة والقرائن المفيدة في إظهار الحقيقة، إلى جانب البحـث في جميع الأماكن التي يمكن جمع العثور فيها على أشياء يكون اكتشافها مفيداً للتحقيق([4]).

وبناءً على ما تقدم، سيتم تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين حيث سيتم الحديث في المبحث الأول عن التنظيم القانوني لأعضاء الضبط القضائي وتنظيم سلطاته، بينما سيتم الحديث في المبحث الثاني عن خصوصية إجراءات الضبط القضائي والتفتيش في جرائم الانترنت.

المبحث الأول

 التنظيم القانوني لأعضاء الضبط القضائي وتنظيم سلطاته

ينطوي تعريف الضابطة العدلية على عدة مفاهيم، حيث تتولى الضابطة العدلية في مجال الجريمة المشهودة القيام بالإجراءات التي يقوم بها النائب العام عندما يتعذر عليه مباشرتها بنفسه، أما في إطار الجريمة غير المشهودة، فتتولى الضابطة العدلية، بناء على تكليف من النيابة العامة القيام باستقصاء الجرائم، من نوع الجناية أو الجنحة، موضوع الشكاوى والإخبارات التي تحيلها إليها النيابة العامة، وجمع المعلومات عنها والقيام بالتحريات الرامية إلى کشف فاعليها والمساهمين في ارتكابها وجمع الأدلة عليهم، فضلاً عن  أن تقنين التحقيقات الأولية في الجرائم غير المشهودة هو مستحدث.

إن أعمال الضابطة العدلية ليس لها اتصال مباشر بالقضاء، ذلك أن دورها يقتصر على جمع المعلومات وتوضيح الأمور لسلطة التحقيق لكي تتصرف على وجه معين، أي أن أعمال الضابطة العدلية لا تتناول توضيح عناصر الدعوى التي تمكن القاضي من الحكم على نحو معين، فعناصر الدعوى تكونها أعمال التحقيق الابتدائي التي تعتبر ات طابع قضائي نظراً لكونها مرحلة أساسية من مراحل الدعوى الجزائية وليس أعمال الضابطة العدلية التي لا تدخل في مرحلة من مراحل الدعوى العامة، بل هي مرحلة سابقة لها، وسابقة على تحريكها، وإذا حدث أن قامت الضابطة العدلية، أثناء التحقيق الابتدائي، بالبحث عن الأدلة الجرمية فهي تقوم بذلك بتكليف من المرجع القضائي، وليس بإرادة منفردة([5]).

وبناءً على ما تقدم، سيتم تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين حيث سيتم الحديث في المطلب الأول مفهوم الضبط القضائي وأشخاصه القانونية، ينما سيتم الحديث في المطلب الثاني عن صلاحيات أعضاء الضبط القضائي في الكشف عن جرائم الانترنت.

المبحث الثاني

خصوصية إجراءات الضبط القضائي والتفتيش في جرائم الانترنت

الضبط هو وضع اليد على شيء يتحصل بجريمة وقعت ويفيد في كشف الحقيقة فيها سواء عن مرتكبها أو عن الجريمة نفسها ويمكن أن تطبّق قواعد الضبط على المكونات المادية للجهاز المعلوماتي لسهولة ضبط المكونات المادية، فيمكن أن تضبط المستندات الورقية، والاشكالية التي تثور بهذا الصدد تثور حول إمكانية تطبيق قواعد الضبط على المكونات المعنوية للأجهزة المعلوماتية([1]).

بالنظر لما بين مصطلحي التفتيش والضبط من ارتباط إجرائي وثيق في أغلب الأحوال، باعتبار أن الضبط هو غاية التفتيش التحقيقي، لذا يلحظ بأن أغلب شراح القانون يوردون هذين المصطلحين معاً في أغلب الأحوال.

لكن كلا المصطلحين يستقلان في الحقيقة عن بعضهما البعض في الواقع العملي، فالضبط مثلما يمكن أن يكون أثراً للتفتيش فإنّه يمكن أن يكون أيضاً الأثر المنطقي للمعاينة، كما وأنّ الضبط قد يرد كإجراء مستقل مثلاً كحالة ضبط الأشياء التي يقدمها الشاهد أو المتهم طواعية وسواء أتم ذلك بناء على طلب سلطات التحقيق والاستدلال (الضبط القضائي) أم بغيره([2]).

إن إجراءات الحصول على الأدلة خصوصاً الإلكترونية منها، هي من المسائل التي تثير عدداً لا يستهان به من المشاكل القانونية والفنية في مجال التحقيق في الجرائم المعلوماتية، وهذه الإجراءات بعضها إجراءات تقليدية تستخدم لجمع الأدلة بكافة أشكالها والتي تقسم بدورها إلى إجراءات تقليدية مادية وإجراءات تقليدية شخصية، وبعضها الآخر إجراءات حديثة خاصة بجمع الأدلة الإلكترونية.

استناداً لما سبق، سوف نقوم بتقسيم هذا المبحث الى مطلبين، سنتحدث في المطلب الأول عن إجراءات ضبط المعلومات في وسائل التقنية الحديثة، ومن ثم سنتحدث عن الحدود المكانية والزمانية للحق في التفتيش الالكتروني في المطلب الثاني.

الفصل الثاني

البنيان القانوني للدليل الالكتروني في التحقيق الجنائي

تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن الأدلة المتحصلة من الوسائل الالكترونية تخضع للسلطة التقديرية للقاضي الجزائي، فإن اقتنع بها ضميره ووجدها كافية ومنطقية، أمكنه أن يستمد اقتناعه منها، ويعول عليها في الحكم الذي ينتهي إليه([1]).

إن الإثبات هو إقامة الدليل على وقوع الجريمة وعلى نسبتها إلى المتهم لدى السلطات المختصة بالإجراءات الجنائية على حقيقة واقعة بأشخاصها ذات أهمية قانونية، وذلك بالطرق التي حددها القانون وفق القواعد التي أخضعها لها.

تكمن أهمية الإثبات في أن حق الدولة في العقوبة سيتجرد من قيمته ما لم يثبت الدليل أمام القضاء على تعين مكان وقوع الجريمة وحقيقة ارتكابها من قبل المتهم، وحقيقة تحمل المتهم مسؤوليتها الجزائية.

كما أن الأدلة هي عناصر الإثبات وما تنهض به الحجة لثبوت قضية، فالدليل الوسيلة التي يستعين بها القاضي للوصول إلى الحقيقة التي ينشدها، إذ يقصد بالحقيقة هنا كل ما يتعلق بالوقائع المعروضة عليه لإعمال حكم القانون عليها، فهـو كـل مـا يسمح (مادياً ومعنوياً) في إطار الشرعية الإجرائية بتكوين قناعة القاضي في واقعة محل خلاف من خلال إثبات صحة الافتراضات المتولدة عنها أو عدم صحتها ([2]).

إذ تنقسم الأدلة الجنائية بشكل عام إلى عدة اقسام منها الأدلة المباشرة، وهي التي تركز على الواقعة بشكل مباشر وهي أما أن تكون (مادية أو لفظية أو فنية)، أما الأدلة غير المباشرة فإنها لا تشير بحد ذاتها الى تلك الواقعة وإنما تحتاج إلى أعمال الاستدلال العقلي والفحص العميق (كالقرائن والادلة).

ولبيان ما تقدم سوف نقوم بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين نتناول في المبحث الأول حجية للدليل الالكتروني في الإثبات الجنائي، ونخصص المبحث الثاني لدراسة آليات السياسة الجنائية الدولية تجاه جرائم الانترنت.

المبحث الأول

حجية الدليل الالكتروني في الإثبات الجنائي

لقد توجس الفقه والقضاء خيفة من الدليل الرقمي، وذلك لإمكانية عدم تعبيره عن الحقيقة، نظرا لما يمكن أن تخضع له طرق الحصول عليه من التزييف والتحريف والعبث مما أثيرت مسألة مشروعية الأخذ به حيث يشترط في الدليل الجنائي بوجه عام أن يكون مشروعا من حيث وجوده ومن حيث الحصول عليه.

كما أثيرت أيضا مسألة مصداقية أو حجية الدليل الرقمي في تعبيره عن الحقيقة التي تهدف إليها الدعوى الجزائية، خاصة إذا أخذنا بعين الإعتبار الصعوبات التي تصاحب استخلاص هذا الدليل، فضلا عن التطور في مجال المعلوماتية الذي قد يتيح العبث بهذا النوع من الأدلة مما يجعل مضمونه مخالفاً للحقيقة، وعلى ذلك كيف يمكن ضمان مصداقيته ومن ثم تكون له الحجية في الإثبات.([3])

لذلك فإن مجرد وجود دليل يثبت وقوع الجريمة ونسبتها إلى شخص معين لا يمكن التعويل عليه، إذ يلزم أن تكون لهذا الدليل قيمة قانونية، وقيمة الدليل الجنائي تتوقف على مسألتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بمشروعية الدليل والثانية مرتبطة بحجية أو يقينية الدليل على الوقائع المراد إثباتها

إن مسألة تقدير الدليل الجنائي في إثبات الواقعة الجرمية هي مسألة موضوعية محضة، للقاضي أن يمارس سلطته التقديرية فيها، لأجل هذا فالسائد في الفقه الجنائي أن القاضي الجزائي له الحرية في تقدير الأدلة الجنائية وتكوين قناعته، وأن يبني حكمه على أي دليل متى اطمأن إليه حتى ولو كان هذا الدليل مستمداً من محاضر جمع الإستدلالات.

ومما لا شك فيه أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يستقيم عليه بنيان القانون الجنائي الموضوعي ينعكس على قواعد الإثبات الجنائي، ويفرض خضوعها هي الأخرى لمبدأ الشرعية، والتي تستلزم عدم قبول أي دليل يكون البحث عنه أو الحصول عليه قد تم بطريقة غير مشروعة.

ومن هنا سوف نقوم بتقسيم هذا المبحث الى مطلبين حيث سنعالج في المطلب الأول شرعية الدليل الالكتروني اما في المطلب الثاني سوف نتطرق الى مدى قبول الدليل الالكتروني في الاثبات الجنائي.

المبحث الثاني
آليات السياسة الجنائية الدولية تجاه جرائم المعلوماتية

تتسم الجرائم ذات الصلة بالنظام المعلوماتي، بحداثة أساليب ارتكابها، وسرعة تنفيذها، وسهولة إخفائها، ودقة وسرعة محو آثارها، ومن ثم يقتضي أن تكون جهات التحري والتحقيق بل والمحاكمة، على درجة كبيرة من المعرفة بأنظمة الحاسبة الالكترونية وطريقة تشغيلها، وأساليب ارتكاب الجرائم عليها او بواسطتها، مع القدرة على كشف غموض هذه الجرائم وسرعة التصرف بشأنها من حيث كشفها وضبط الأدوات التي استخدمت في ارتكابها والتحفظ على البيانات أو الأجهزة التي استخدمت في ارتكابها او تلك التي تكون محلاً للجريمة.

 حيث وجدت أجهزة الشرطة والتحقيق صعوبات جمة منذ ظهور هذا النوع المستحدث من الجرائم، سواء في كشف غموضها أو إجراء التفتيش والضبط اللازمين، أو التحقيق فيها، هذا ما حذا بالسياسة الجنائية الدولية الى وضع خطط تقنية متطورة تهدف الى فك غموض وتعقيد هذه الجرائم، فعملت من اجل ذلك على اتباع منهج موحد يمثل قاعدة إسناد جمعية، يمكن للنظم المحلية الوطنية اتخاذها كوسيلة دفاع رادع، تهدف لكشف اخطار وخفايا هذه الجريمة اللامادية.

  أدى ذلك الى ضرورة تفعيل الوسائل الإجرائية المرتبطة بأهداف هذه السياسة، عن طريق إعداد برامج تدريب وتأهيل لكوادر متخصصة، متمرسة من الناحية الفنية على نحو يمكنها من تحقيق المهمة المطلوبة منها وبالكفاءة المطلوبة، ففي الفترة الأولى لظهور هذا النوع من الجرائم، ارتكبت أخطاء جسيمة أدت إلى الإضرار بالأجهزة او الملفات، أو الأدلة الرقمية الخاصة بإثبات الجريمة([1]).

على ضوء ما تقدم، قمنا بتقسيم مبحثنا محل الدراسة الى مطلبين اثنين، نتحدث في المطلب الأول عن خصوصية التحقيق الجنائي في الجرائم المعلوماتية، بالمقابل نستعرض في المطلب الثاني، خصوصية المحاكمة في معرض النظر بجرائم المعلوماتية.

الخاتمة

لقد حاولنا من خلال هذه الدراسة، أن نسلط الضوء على واحدة من أهم المراحل التي تمر بها الدعوى العمومية ألا وهي التحقيق القضائي الابتدائي والأولي، وإجراءات الضبط القضائي، وذلك عبر اهتمامنا بمختلف السلطات المخولة للقاضي الجزائي المختص بها كونه أحد المحاور التي يدور حولها القضاء، وبيان مدى قدرته على الاستعانة بالدليل الالكتروني في اثبات الأفعال الجرمية.

وما يمكن قوله، أن مهمة قاضي التحقيق تبعد بما كان عن السهولة، فتراه يقتفي آثار الجريمة المتلبس بها ويحرر بها محاضر مثل أي ضابط شرطة قضائية، وتراه يتخذ الإجراءات والأوامر التي تساعده إلى كشف الحقيقة في الدعاوى التي يخطر بها من قبل وكيل الجمهورية أو المدعي المدني المضرور من الجريمة، وتراه قاض يفصل بأوامر مسببة في مسائل قانونية تكون لهذه الأوامر الطابع القضائي مثل الأحكام القضائية.

ويستعين قاضي التحقيق في سبيل أداء مهامه على أحسن وجه بما يعد فتيلة نور في ظلام حالك، بقانون الإجراءات الجزائية والذي تجدر الإشارة إلى أنه لا يعطي دائماً كل الحلول لكل الإشكالات التي تعترض طريق القاضي، فيلجأ إلى الاجتهاد القضائي ليكمل النقص الموجود في النصوص القانونية.

غير أن قاضي التحقيق كثيراً ما يؤاخذ عليه أنه غير حيادي ولا يتمتع بكل الاستقلالية التي ينص المشرع على أنه منحه إياها ولا يرجع لنقص في إرادة القاضي بل يعود إلى انعدام نصوص فعالة تدعم هذا الحياد والاستقلال الذي نتمنى أنه سيجسد في تعديلات قانون الإجراءات الجزائية الساري.

أولاً: الاستنتاجات:

1_ إن المشرع العراقي قد اعتمد عدة جهات لتتولى التحقيق في الجرائم  رغم اختلاف طبيعة الوظيفة التي تشغلها كل جهة من تلك الجهات فهو في الوقت الذي حدد الجهة المختصة بصفة أصلية لتولي التحقيق ممثلة بقضاة التحقيق والمحققين المعينين بأمر من وزير العدل والعاملين تحت إشراف أولئك القضاة، منح تلك السلطة الى أعضاء الادعاء العام وأعضاء الضبط القضائي، وان كانت بصفة استثنائية، إلا أن الواقع العملي يشير الى أن هذا الاستثناء توسع وأصبح هو الأصل، بدعوى قلة القضاة والمحققين، وضغط وزخم العمل، وكأن ضباط الشرطة ومفوضيها ليس لهم أعمال أصلية تفرضها عليهم قوانينهم وأنظمتهم، ليكون بذلك قد تم معالجة أمر التحقيق من جانب، وانفلات الجانب الآخر المتمثل بالضبط الاداري الواجب الأساسي لهؤلاء، ومما أدى الى توسع هذا الاستثناء، منح المشرع سلطة تقديرية للمحقق في إصدار الأمر الى المسؤول في مركز الشرطة للقيام بالتحقيق في اية جريمة، بموجب المادة “50/أ ” من قانون الأصول الجزائية.

2_ أجازت المادة “74” من قانون الاصول الجزائية، لقاضي التحقيق دون المحقق، إذا تراءى له وجود اشياء او اوراق، تفيد التحقيق، لدى شخص، ان يأمر كتابة بتقديمها في ميعاد معين، وهذا الحصر قد يتعارض احيانا مع موجبات السرعة في انجاز الاجراءات التحقيقية، خاصة عندما يظهر للمحقق وجود مثل هذه الاشياء او الاوراق لدى شخص معين، كما ان هذا الاجراء لا ينطوي على تقييد خطير للحرية الشخصية، بل أنه اقل شدة من إجراءات تحقيقية اخرى تدخل أصلاً ضمن صلاحيات المحقق.

3_ بالرغم من ان الاوامر الصادرة من سلطة التحقيق بالقبض او التوقيف أو تفتيش الاشخاص أو تفتيش المنازل او مراقبة المراسلات البريدية او البرقية، تعد من الاجراءات الخطيرة لمساسها بالحرية الشخصية للأفراد، مما يقتضي توافر ضمانات شكلية، ينبغي مراعاتها عند مباشرة أي منها تضمن للمتهم حقه في الحرية، وفي مقدمتها تسبيب تلك الأوامر، لان الامر المسبب يكفل الروية والتحقق من مبررات الاجراء قبل اتخاذه، ولا يكفي مجرد ذكر الاسباب في عبارة عامة مبهمة، وانما يجب ان تتضمن ما يشير إلى اهمية هذا الاجراء في التحقيق الابتدائي، ومع ذلك وجدنا تشريعنا وبالأخص قانون الأصول الجزائية، خاليا في معظم النصوص التي نظمت الاجراءات أعلاه من التسبيب، لاسيما عند صدورها من قاضي التحقيق، بل ان المشرع قد اشترط تسبيب أمر القبض أو التوقيف الصادر من المحكمة وفق المادة “157” من القانون أعلاه، في الوقت الذي سكت عن اشتراط تسبيب الامر الصادر من قاضي التحقيق مع أن ضمان حرية المتهم يتطلب أن يكون التسبيب للثاني من باب أولى. 

4_ وقد توصلنا في بحثنا عن الطبيعة القانونية للدليل الالكتروني، بأنه دليل ذو طبيعة تقنية خاصة، من جهة الوسط الذي ينشأ فيه، ومن البيئة التي يوجد فيها الدليل الالكتروني عادة ما يوجد في الأقراص المرنة وأشرطة تخزين المعلومات وأجهزة المودم، وأجهزة التصوير ومواقع البريد الالكتروني وأجهزة الكمبيوتر وملحقاتها ذات الأثر المعنوي، وهذا ما يميز الدليل الالكتروني عن الأدلة الجنائية التقليدية التي تعتمد على الأثر المادي في الاثبات.

5_ إن المشرع العراقي لم يتطرق الى الدليل الالكتروني، فالمادة (213) من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد حددت الأدلة التي يمكن للقاضي الجزائي الاخذ بها وليس من ضمنها الدليل الالكتروني، ويترتب على ذلك عدم القدرة على الاخذ بهذه الأدلة في ظل هذا النص الحالي.

6_ إنّ جهات الضبط القضائي تعاني عموماً ضعفاً في الثقافة القانونيّة اللازمة للتعرّف على الجرائم المعلوماتيّة وتقدير خطورتها، ومثل هذه الإشكالية تتضاعف أضعافاً في الدول التي لا تمّلك قانوناً خاصاً بمكافحة الجرائم المعلوماتيّة؛ فهو ضرورة لا غنى عنها لتعريف المجتمّع عموماً وجهات الضبط القضائي خصوصاً بخطورة هذه الجرائم، ولتحديد الأفعال التي تشكل هذه الجرائم من عدمها.

7_ إن الاستعانة بالخبراء في الحصول على الدليل الجنائي في الجرائم المعلوماتيّة أمر صعب أيضاً في ضوء نقص الخبراء والفنيّين، ذلك أنّ الخبرة في مجال تكنولوجيا المعلومات تتميّز عن الخبرة في أيّ فرع آخر من الفروع التي يمكن أن تكون محلّاً للخبرة أمام القضاء.

8_ إنّ من الصعوبات التي تواجه جهات التحقيق في الحصول على الدليل الجنائي في الجرائم المعلوماتيّة هو ضعف التعاون الدولي في مكافحة الجرائم المعلوماتيّة لعدم وجود نموذج موحّد للنشاط الإجرامي؛ أي نسبيّة هذه الجرائم لاختلاف البيئات والعادات والديانات والثقافات، كما أنّ اختلاف النظم القانونيّة الإجرائيّة، وعدم وجود معاهدات ثنائيّة أو جماعية، وعدم وجود قنوات اتّصال بين الدول يساهم في عدم اكتشافها وعدم الحدّ منها، بل إن مشكلة تطبيق القانون من حيث المكان وما به من إشكالات فاقمت من عملية عدم الاكتشاف.

ثانياً: المقترحات:

1_ تعديل نص المادة ” 50/أ ” من قانون الاصول الجزائية، وعلى النحو الآتي: “استثناء من الفقرة الاولى من المادة “49” يقوم المسؤول في مركز الشرطة بالتحقيق في اية جريمة، إذا صدر إليه أمر من قاضي التحقيق، أو إذا اعتقد أن إحالة المخبر على القاضي أو المحقق، تؤخر به الاجراءات مما يؤدي إلى ضياع معالم الجريمة أو الأضرار بسير التحقيق أو هرب المتهم، على أن يعرض الأوراق التحقيقية على القاضي حال فراغه منها”.

2_ تعديل نص المادة “52/أ” من قانون الأصول الجزائية، وجعله على النحو الآتي:

“يقوم قاضي التحقيق بالتحقيق في جميع الجرائم بنفسه او بواسطة المحققين، وله ان ينيب أحد اعضاء الضبط القضائي لاتخاذ اجراء معين، على أن يبين في قرار الإنابة الأمور المطلوب القيام بها، وللعضو المناب إذا خشي فوات الوقت، ان يتخذ أي اجراء يتصل بما انيب فيه، أو يراه لازماً لظهور الحقيقة”.

3_في سبيل الحدّ من الجرائم المعلوماتيّة، وضبط الأدلّة التي تثبت تورّط القائمين بها يجب تفعيل دور الضبط الإداري، ومنحه الصلاحيات اللازمة للوقاية من صور الإجرام كافّة، حيث يقوم الضبط الإداري بدور فعال في مكافحة الجرائم المعلوماتيّة، وذلك من خلال اتّخاذ كافة الإجراءات والوسائل للحيلولة دون وقوع تلك الأخيرة، عن طريق حفظ النظام بعناصره الثلاثة (الأمن العام والسكينة العامّة والصحة العامّة).

4_ نقترح على المشرع العراقي ضرورة استيعاب هذا النوع الحديث من الدليل ومواكبة التطور الحاصل في وسائل الإثبات ويمكن أن ينتهج هنا أحد الطريقين، أما بالنص صراحة على هذا الدليل من خلال تعديل بعض النصوص الخاصة بقانون أصول المحاكمات الجزائية، على نحو يمكن من خلال هذا التعديل تنظيم موضوع الدليل الالكتروني بالقدر الذي يسمح ببيان الأحكام اللازم اتباعها عند تفتيش الحواسيب الشخصية والهواتف النقالة وعند ضبط المعلومات التي تحتويها.

5_ ضرورة تأهيل وتوعية الجهات العاملة في مجال التحقيق والقضاء والمحاماة على كيفية التعامل مع الدليل الالكتروني المتطور، ومواجهة الصعوبات التي تواجههم في أثناء عملية التفتيش عنه، وذلك لتجنب الوقوع في الأخطاء الشائعة، لأن أي خطأ يقع فيه القائم بالتفتيش أو الخبير حتى لو كان غير متعمد قد يؤدي إلى إتلاف هذا الدليل وفقدانه، ومن ثم عدم الاستفادة منه كدليل له قيمته في الاثبات أمام سلطات التحقيق.

6_ نقترح اتّخاذ خطوات جادّة بصدد التعاون الدولي في مكافحة الجريمة المعلوماتيّة من خلال رسم سياسة جنائيّة متناسقة عن طريق التدخّل بالتقويم للأنشطة الإجرامية المعلوماتيّة والقضاء على التناقضات الموجودة في سياسة التجريم، على أن تؤخذ في الاعتبار ضرورة الموازنة بين واجب حماية الحقّ في الإعلام والاتّصال من ناحية وأهمّية مقاومة الإجرام المعلوماتي والقضاء عليه، من ناحية أخرى.

7_بالإضافة إلى ما تقدّم، وفي سبيل الحدّ من الجرائم المعلوماتيّة، وضبط الأدلّة التي تثبت تورّط القائمين بها يجب تفعيل دور الضبط الإداري، ومنحه الصلاحيات اللازمة للوقاية من صور الإجرام كافّة، حيث يقوم الضبط الإداري بدور فعال في مكافحة الجرائم المعلوماتيّة، وذلك من خلال اتّخاذ كافة الإجراءات والوسائل للحيلولة دون وقوع تلك الأخيرة، عن طريق حفظ النظام بعناصره الثلاثة (الأمن العام والسكينة العامّة والصحة العامّة).


([1]) علي عدنان الفيل، إجراءات التحري وجمع الأدلة والتحقيق الابتدائي في الجريمة المعلوماتية، مرجع سابق، ص19.


([1]) محمد احمد المنشاوي، سلطة القاضي الجنائي في تقدير الدليل الالكتروني، بحث منشور في مجلة الحقوق، الكويت، العدد 2، 2012، ص517.

([2]) احمد فتحي سرور، الوسيط في شرح الاجراءات الجنائية، الجزء الأول، الطبعة الأولى، مطبعة القاهرة، مصر، 2009، ص 373.

([3]) سعيداني نعيم، الحماية القانونية للحق في الخصوصية المعلوماتية، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2022، ص 801.


([1])  حنان ريحان مبارك المضحكي، الجرائم المعلوماتية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2014، ص 368.

([2])  جلال ثروت، نظم الإجراءات الجنائية، دار الجامعة الجديدة، القاهرة، 2003، ص 431.


([1]) رفاه خضير جياد العارضي، الدليل الالكتروني وأثره في مجال نظرية الإثبات الجنائي، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2019، ص9.

([2]) يوسف شحادة، الضابطة العدلية وعلاقتها بالقضاء ودورها في سير العدالة الجزائية، مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع، بيروت، 2000، ص103.

([3]) علي عبد القادر القهوجي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، دراسة مقارنة، الكتاب الثاني، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2002، ص 7.

([4]) صالح عبد الزهرة الحبسون، الموسوعة القضائية، الجزء الأول، دار الرائد العربي، بيروت، بلا سنة طبع، ص 519.

([5]) سامر توفيق عزيز، التحقيق الجزائي الاولي، ماهيته وضماناته، الطبعة الاولى، منشورات زين الحقوقية، 2013، ص 33 وما بعدها.