تنازع القوانين في إطار عقد التنقيب عن النفط الدولي

المقدمة

تشكل الطاقة على الصعيد الإقتصادي برأي علماء الإقتصاد المحدثين، عاملاً أساسياً من عوامل الإنتاج إلى جانب الأرض والعمل ورأس المال والتنظيم، إذ يرتبط الإقتصاد العالمي الحديث في تقدمه وتطوره أشد الإرتباط بتوافر الطاقة بأي شكل من أشكالها المتعددة، فالإزدياد المستمر لعدد سكان العالم، وإرتفاع مستوى المعيشة في الدول الصناعية المتقدمة، وتطوير البلدان النامية وتصنيعها، كل ذلك يتطلب مزيداً من الطاقة، وتعد الطاقة النفطية حتى الآن أوفر وأسهل وأفضل أنواع الطاقة المستعملة لتشغيل الصناعات الحديثة، وتأمين المواصلات المعتمدة على السرعة إلى جانب دورها في تحديث القطاع الزراعي وتنمية القطاع التجاري، إن تبعية المجتمع العصري حيال النفط قد أصبحت وثيقة جداً، إلى حد أصبح إستهلاك النفط معياراً للتقدم الإقتصادي في أي بلد من بلدان العالم.

والنفط احتل مكان الفحم كمصدر أساس للطاقة منذ ازدهار الثورة الصناعية في بداية القرن العشرين، فجميع الآلات التي تتجسد فيها التكنولوجيا الصناعية الحديثة والتي يستوردها العالم بكثافة، تحتاج إلى كميات ضخمة من النفط ذات القدرة الحرارية العالية والتي لا تتوافر في غيره من مصادر الطاقة، بإستثناء الطاقة النووية المحدودة الإستعمال، لذلك يعد النفط الوقود الأساس لتشغيل الصناعة وتحريك الآلات في المصانع والمعامل التي تُشغل البشر وتصنع المنتجات.

وكما هو معروف أن توزيع الثروة النفطية في مكامنها تحت سطح الأرض هو توزيع غير متساوٍ، فهناك بلدان صغيرة من حيث المساحة والسكان، ولا تمتلك قوة سياسية أو عسكرية ولكنها تمتلك إحتياطياً هائلاً من هذه الثروة، في حين أن معظم الدول الصناعية الكبرى، بإستثناء الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الإتحادية، محرومة منها، هذا الواقع جعل من النفط وكيفية الحصول عليه هدفاً من أهداف التخطيط السياسي والإستراتيجي لدول العالم الصناعي وأصبحت المناطق الغنية بهذه المادة الحيوية كالشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحتل مركز الصدارة في العلاقات الدولية منذ منتصف القرن العشرين ولحد الآن.

لقد صدق من قال “بأن تأريخ الشرق الأوسط يكاد يقرأ حرفاً حرفاً من خلال عمليات إستثمار النفط”([1])، ولا مبالغة فيما قيل ويقال عن التاريخ السياسي للنفط، فهو تأريخ حافل بالأحداث والصراعات والمساومات السياسية، فالحروب التي نشبت منذ منتصف القرن التاسع عشر بين الدول الإستعمارية الكبرى لإقتسام ميراث الدولة العثمانية كان هدفها السعي وراء نفط الشرق الأوسط، ولم تكن التسويات والإتفاقيات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، خصوصاً تسوية مسألة الموصل، بعيدة عن هدف السيطرة على منابع النفط.

لقد أوجد النفط بحكم توزيعه غير المتساوِ، وصفته الدولية، شبكة معقدة من المصالح الإقتصادية والسياسية في العالم، وتوزعت هذه المصالح بين الدول التي تملك النفط، والدول المستهلكة له والدول التي ينقل عبر أراضيها، ثم بينها وبين الشركات النفطية الكبرى التي تحتكر هذه الصناعة بمختلف مراحلها.

كل ذلك جعل النفط ملازماً للعلاقات الدولية، لا بل جزءً منها، ليس في حالات الإستقرار والسلم فحسب، بل في حالات الأزمات الحادة والحرب أيضاً، فالنفط يعني الحياة أو الموت، في السلم أو الحرب، ففي السلام لا تدور عجلة الحياة العصرية بلا نفط، وفي الحرب لا تستطيع دولة أن تقاتل وتنتصر دون توفير هذه المادة الحيوية لآلتها العسكرية، ولا تكمن أهمية النفط على الصعيد العسكري في إعتباره الطاقة المحركة لآلات المصانع الحربية فحسب، بل يتعاظم دوره عسكرياً لأن النفط هو الوقود الضروري لآلة الحرب الميكانيكية، وأحد أهم التجهيزات العسكرية في ميدان القتال، وعامل مهم من عوامل الإنتصار في الحروب كما قد يكون هدفاً أو سبباً لإشتعالها.

لا شك أن عقود التنقيب عن النفط تمثل أهم أنواع العقود التي تبرمها الدولة المنتجة للنفط مع الأشخاص الخاصة الأجنبية، والتي تُطلق عليها عقود الدولة. وتظهر أهمية هذه العقود في نواحي كثيرة، اذ أنها تعد الركن الركين الذي تبنى عليه الميزانية السنوية في غالبية الدول المنتجة للنفط الشرق الأوسط. كما وأن موضوعها، وهو النفط ومشتقاته كان ولا يزال السبب الرئيس للتطور الحاصل في جميع جوانب الحياة المختلف.

ولما كانت عقود النفط هي الوسيلة التي تحاول الشركة الخاصة الأجنبية أن تحصل من خلالها على أكبر قدر ممكن من الأرباح، في حين تسعى الدولة المتعاقدة إلى أن تحصل على أكبر نسبة ممكنة من التنمية والرفاهية للمجتمع، مما يجعل منها مجالاً خصباً لنشوب المنازعات بشأنها. لذا فإن ذلك يحتم أن يكون هناك قانون واجب التطبيق ينظم حقوق والتزامات أي من الأطراف. وقد ظهرت آراء وإتجاهات مختلفة بشأن القانون الأكثر ملاءمة للتطبيق على مثل هذه العقود. فعلى الرغم من أن غالبية عقود النفط الأوائل كانت خالية من تحديد القانون الواجب التطبيق عليها بشكل صريح، إلا أن جميع المؤشرات الموجودة في تلك العقود كانت تدل على أن قانون الدولة المتعاقدة هو الواجب التطبيق عليها ولما حدثت المنازعات بشأن بعضها،([2]) فإن هيئات التحكيم التي نظرت فيها لم تستطع إنكار ذلك، بل اعترفت غالبيتها بأن قانون الدولة المتعاقدة هو الواجب التطبيق. إلا أنها، في الوقت نفسه، حاولت نزع هذا الإختصاص من هذا القانون ومنحه لقوانين أو قواعد أخرى. فاقترح بعضهم أن يتم إخضاع عقود النفط للقانون الدولي العام، وابتدعوا أسساً ومعايير متعددة في سبيل ذلك. بينما اقترح بعض آخر أن يتم إخضاعها للمبادئ العامة للقانون المعترف بها في الدول المتحضرة كما أتى هؤلاء بأسس ومعايير في هذا الخصوص، وقد تطرقنا إلى كل منها وبينا ما لها وما عليها، ومن ثم أبدينا رأينا فيها.

وقد أخذت عقود التنقيب عن النفط وإنتاجه وإستغلاله أشكالاً عديدة منذ أن بدأ إكتشاف النفط من قبل الشركات الأجنبية في الدول النامية، وتعبر الأشكال القانونية المختلفة للعقود النفطية عن مراحل التطور التي مرت بها، فكل شكل من أشكالها يحمل بين طياته أفكاراً قانونية مختلفة ويعكس مدى ما حدث من تطور قانوني في الدول المستثمر فيها.

منذ العام 1934 بدأ تاريخ إنتاج النفط في العراق للأغراض التجارية، فأصبح النفط يلعب دوراً كبيراً في صناعة تاريخ العراق السياسي والاقتصادي رغم تعاقب أشكال مختلفة للنظم السياسية، فخلال الحكم الملكي (1921-1958) ظلت السياسة النفطية تدار من قبل الشركات المستثمرة فيه بعيداً عن تأثير الحكومة. وما أن حل عام 1951 حتى بدأت بوادر تأثير النفط في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إذ كان لاتفاقية مناصفة الأرباح في العام 1952 الأثر البالغ في حياة البلاد الاقتصادية والاجتماعية حيث أصبح النفط ذو حضور فاعل وواضح في تمويل الموازنة.

شكل إعلان الجمهورية انعطافة حقيقية في حياة البلاد، إذ بدأ الحكام الجدد يتطلعون أكثر فأكثر لهذا المورد ليشكل أداة فاعلة لإدامة حكمهم وتعزيز سلطانهم وفرض هيمنتهم على توجهات وتطلعات المجتمع المدني، وهكذا بدأت نظم الحكم المتعاقبة تسعى لتعزيز سيطرة البلاد على هذه الثروة بدءً من سن قانون 80 لسنة 1961 الذي شكل البداية الحقيقية لاستعادة الثروة النفطية إلى السيادة الوطنية، ثم تأسست على أثره شركة النفط الوطنية (1964) لتكون المنقذ الحقيقي للإرادة الوطنية في الاستثمار المباشر لهذه الثروة وما إن حل العام 1968 حتى كان الانقلاب على الجمهوريات السابقة لتبدأ مسيرة جديدة عنوانها الاستثمار المباشر لهذه الثروة، وتأكيداً لهذه السيطرة بدأت موجة تأميم الثروة النفطية، وما أن حل العام 1975 حتى باتت الثروة الوطنية النفطية بالكامل تحت سيطرة الحكومة.

وقد أخذت العقود الأولى للتنقيب عن النفط وإنتاجه وإستغلاله شكل عقود الإمتيازات التقليدية التي يلاحظ سيطرة إرادة الشركات الأجنبية على العقد وقوة مركزها بعكس إرادة الدولة المستثمر فيها التي تكاد تكون معدومة، وبعدما شعرت الدول أن المبالغة في مدة العقد و مساحته وتملك الشركة لكميات النفط المستخرج وغير ذلك تمس بسيادة الدولة وتهدر ثرواتها الوطنية إنتقلت الى المرحلة الثانية وهي مرحلة المشاركة التي هي الأكثر ملائمة من خلال تحسن وضع الدولة مقابل هذه الشركات، ومن ثم أخذت عقود التنقيب عن النفط وإنتاجه أشكال أخرى مثل عقود المقاولة النفطية وعقود إقتسام الإنتاج التي تدل على تمكن الدول النامية من فرض شروطها على الشركات الأجنبية نظراً لتمتعها بمركز تفاوضي أقوى مما كان عليها في السابق، هذا بالإضافة إلى أن الدول النفطية حققت هدفها في السيطرة الكاملة على ثروتها النفطية من خلال تأميم الصناعة النفطية وإستعادتها من سيطرة وهيمنة الشركات الأجنبية كلاً أو جزءً.

وتقوم العلاقة التعاقدية في عقود الإمتياز بين حكومة الدولة المنتجة مباشرة مع الشركة الأجنبية، أما في عقود المشاركة وعقود المقاولة النفطية وعقود إقتسام الإنتاج، فينشأ فضلاً عن العلاقة التعاقدية السابقة، علاقة تعاقدية أخرى بين الشركتين الوطنية والشركة الأجنبية.

أما في مرحلة التأميم، فالأصل أن تقوم الدولة المنتجة للنفط، عن طريق شركتها الوطنية أو أية مؤسسة أخرى بإستغلال نفطها مباشرة والإستغناء بالتالي عن دور الشركات الأجنبية.

ويستتبع بيان أنماط وأشكال العقود النفطية مسألة أخرى في غاية الأهمية وهي مسألة تحديد الطبيعة القانونية التي لا تكون مستقلة عن المراحل التي مرت بها العقود والإتفاقيات النفطية، وتختلف الطبيعة القانونية بإختلاف مراحل هذه العقود.

في الحقيقة تتضمن عقود التنقيب عن النفط وإنتاجه مجموعة من الإلتزامات التي تنشأ عن هذه العقود مباشرة حيث يجب على الشركة الأجنبية أن تلتزم بها تجاه الدولة المضيفة، بالإضافة إلى الإلتزامات التي يجب على الدولة أن تلتزم بها تجاه الشركات الأجنبية.

إن دراسة عقود التنقيب عن النفط وإنتاجه بالإضافة إلى دراسة التشريعات المنظمة لهذه العقود والنشاطات النفطية توضح لنا تطور موازين القوى بين الدول المنتجة للنفط وشركات النفط الأجنبية، ذلك أن أسلوب الإستغلال يعكس لنا مدى سيطرة أحد الطرفين، الدولة أو الشركة الأجنبية، على الأوجه المختلفة للصناعة النفطية وتكشف الدراسة التطور الذي طرأ على أسلوب إستغلال الثروة النفطية، ذلك أن عقود وإتفاقيات النفط مثلها مثل أي عقد آخر، ومثل جميع الظواهر الإجتماعية قد تطورت مع الزمن وإستجابت بشكل كبير لطبيعة الظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية المتغيرة، وذلك في إتجاه تكريس مبدأ سيادة الدول المنتجة للنفط على ثروتها النفطية من جهة، وحفاظ هذه الدول على قدرتها على إنتاج الكميات اللازمة من النفط الخام لتغطية نفقاتها التي لا تتمكن من القيام به دون الإستعانة بالشركات الأجنبية.

أما في لبنان ففي الفترة الممتدة من العام 1953 إلى العام ١٩٦٦، نشطت عمليات البحث والتنقيب في عدة مناطق لبنانية، لكن النتائج لم تأت على مستوى التوقعات، وبالتالي لم تثر شهية الشركات العالمية، فتراجع الإهتمام بالموضوع في حينه، لكنه لم يتوقف، إذ ظلّ مثار جدل بين الحين والآخر.

وبعد إقرار مجلس النواب اللبناني قانون التنقيب عن النفط في  (17/8/2010)، والذي يشكل حدثاً يضع لبنان على الخارطة النفطية، يجب الإسراع في إنجاز آليات التنقيب ومواجهة الضغوط “الإسرائيلية” المتوقعة، والهادفة إلى حرمان لبنان من حقوقه النفطية.

فتحريك الملف، وإقرار القانون، لن يحميا حقوق لبنان في النفط، إذا لم تتخذ الإجراءات العملية لتحقيق ذلك، ولا بد من ترسيم الحدود البحرية.

وعلى الرغم من أن لبنان قطع أشواطاً بعيدة في مجال ترسيم حدوده، فإن الحاجة الآن إلى تسجيل الترسيم لدى الأمم المتحدة من طرف واحد لأنه يتعذر التوافق مع جميع دول الجوار على ذلك. وأولى الخطوات المطلوبة بعد إنجاز المشروع في مجلس الوزراء وإحالته على المجلس النيابي للمصادقة عليه، هي إنجاز تسجيل ترسيم الحدود لدى الأمم المتحدة([3])، إلا أنه مؤخراً تم التوصل لاتفاق لترسيم الحدود البحرية نأمل أن يكون له أثره على التنقيب ةوإنتاج النفط في لبنان.

إن افتقار قيام الشركات الأجنبية بالاستثمارات النفطية خاصةً المتعلقة منها بالتنقيب أدى إلى تزايد أهمية مسألة تنازع القوانين مع تزايد عدد الدول في المجتمع الدولي وتطور وسائل الاتصال والموصلات التي تربط بين هذه الدول، فضلاً عن تطور وسائل النقل والتي أصبح بمقدورها اختزال الفاصل الزمني الذي يفصل بين الأبعاد المكانية في عالمنا هذا ويهيمن عليها كما تطورت وسائل الاتصال الفوري ولاسيما عن طريق الإنترنت والبريد الإلكتروني فصار العالم الذي نحيا فيه أكثر انفتاحاً وترابطاً وزالت معظم مظاهر الفردية والانعزال وصار من الميسور انتقال الأشخاص والأموال عبر الحدود من دولة إلى أخرى، وقد كان نتيجة لكل ذلك ازدياد عدد العلاقات القانونية المتصلة بأكثر من نظام قانوني واحد أو بأكثر من دولة واحدة، مما أدى إلى تغلغل هذا النوع من العلاقات القانونية في مختلف المجالات بدءً بالعلاقات العائلية والأسرية أي الأحوال الشخصية مروراً بالأموال وانتهاء بالالتزامات بنوعيها التعاقدية وغير التعاقدية.

لقد ظهر تنازع القوانين نتيجة اتصال الدول مع بعضها البعض وتواصل شعوبها وارتباطاتها بعلاقات قانونية مختلفة الجوانب ومتنوعة الأوجه نتيجة للكوامن والنزاعات الإنسانية التي تميل بطبيعتها إلى الاتصال والامتزاج ورفض كل أشكال الحواجز التي تحول دون تحقيق هذا الغرض لذلك فقد اهتم فقه القانون الدولي الخاص وعني بعلاقات الأفراد الخاصة الدولية العابرة للحدود وأطلق عليها مصطلح العلاقات القانونية ذات العنصر الأجنبي أو العلاقات القانونية المشوبة بعنصر أجنبي تمييزاً لها عن العلاقات القانونية الدولية البحتة والتي تنشأ بين أشخاص القانون الدولي العام، ولاسيما الدول والمنظمات الدولية.

ويفترض تنازع القوانين تعدد القوانين محتملة التطبيق في نطاق نزاع يخص علاقة ما، وبالتالي لابد من وجود مجموعة قواعد قانونية تحدد القانون الواجب التطبيق بخصوص علاقة قانونية مشوبة بعنصر أجنبي لأجل اختيار القانون الأكثر ملاءمة من بين القوانين المتعددة التي تنتمي إليها تلك العلاقة القانونية، ولا شك أن موضوع تنازع القوانين يعد من أهم مواضيع القانون الدولي الخاص وخاصة حين يستوجب الأمر بيان القانون أو الجهة ذات التأثير في مختلف مراحل التقاضي ومن قبله صلب هذا القانون، وتحديد اختصاص المحكمة التي تنظر في النزاع بصدد العلاقة القانونية المشتملة على عملية تنازع القوانين ولها الأثر الفاعل في مراحل هذه العملية بجميع مراحلها.

وبالتالي إن عقد التنقيب عن النفط يعتبر من اكثر العقود التي تثار فيها مشكلة التنازع  والتي يثور بسببها مشكلة تحديد القانون الذي يحكمها، وتنبع هذه الطبيعة الخاصة لهذه العقود من طبيعة الأطراف المتعاقدة، حيث أن أحد هذه الأطراف هو دولة أو أحد الوزارات أو الجهات الحكومية والتي تعتبر من أشخاص القانون العام (سواءً الداخلي أم الدولي)، أما الطرف الثاني فيكون من أشخاص القانون الخاص وهو غالباً شركة أجنبية لا تنتمي للدولة المتعاقدة، هذا يؤدي الى بروز فكرة  التنازع في هذه العقود.

ويسعى أطراف العلاقة المتعاقدين عند إبرامهم لعقود التنقيب النفطي إلى تحقيق أهداف معينة، فالدولة المضيفةللتنقيبتهدف إلى تحقيق الصالح العام للمجتمع، والمتعاقد يسعى إلى تحقيق الأرباح، وبالتالي فإن تعارض المصالح أو الأهداف التي ينشدها الأطراف يؤدي دائمًا إلى نشوب نزاع بينهم، فالعلاقة بين المستثمر والدولة المضيفة وإن ظهرت جيدة في بدايتها، إلا أنه من الممكن أن تتحول نتيجة لإخلال أحد الأطراف ببعض الالتزامات المتعلقة بإنشاء المشاريع الاستثمارية في الدولة المضيفة لتؤدي إلى حصول نزاع بينهم وأطراف العلاقة التعاقدية.

لذلك قد تواجه شركات النفط الوطنية عقبات في عمليات الاستثمار، وهذه العقبات تتمثل بالمنازعات التي تنشب بينها وبين المستثمرين الطرف الثاني في العلاقة التعاقدية والتي يمكن تعريفها بأنها تلك المنازعات التي تنشأ بين أطراف العقد المتعاقدين في عقد التنقيب النفطي، والتي تكون نتيجة لانتهاك أحد الأطراف لحقوق الطرف الآخر أو خرقه للالتزامات الواردة في العقد أو إنهاء العقد إنهاء مبتسرًا أو اتخاذ أي إجراء انفرادي من قبل أحد الأطراف مما ينتج عنه أضرار جسيمة للطرف المقابل يستلزم عنها تعويض الطرف المتضرر عما أصابه من أضرار بسبب تلك الانتهاكات أو الإجراءات.

ومن هنا تظهر أهمية البحث في تنازع القوانين الواجبة التطبيق على المنازعات المتعلقة بعقد التنقيب عن النفط كونه ذا طبيعة دولية بين من دافع عن نظرية التوطين في عقود الاستثمار النفطي ومنها عقد التنقيب عن النفط من جهة وبين من رفض نظرية التوطين ودعا إلى تطبيق القوانين غير الوطنية وذلك من خلال الاستناد الى الحجج والمبررات بهدف استبعاد قانون الدولة النفطية وتحقيق مصالح الشركات الأجنبية وبالتالي سوف نسلط الضوء على هذا التنازع بين القوانين في إطار عقد التنقيب عن النفط الدولي في سبيل الوقوف على الإشكاليات التي تطرحها تلك النزاعات بين تطبيق القانوني الداخلي أو تطبيق قانون الدولة الأجنبية التي تمثل الطرف المستثمر من جهة أخرى.

ومن هنا يمكن القول إنه وأمام هذا الصمت التشريعي للمشرع العراقي عن تنظيم آلية حل الإشكاليات المرتبطة بعقود التنقيب عن النفط، ووجود إمكانية كبيرة لتنازع القوانين فيما يخص الإشكاليات الناجمة عن هذا العقد لا بد من البحث في الوسائل القانونية والقواعد العامة في حل المنازعات الناجمة عن هذا العقد طالما أنه من العقود المتشابكة العلاقات والتي يحكمها أكثر من قانون واحد الأمر الذي يمثل الإطار العام لهذا البحث والذي سوفتح تنطلق منه للإجابة عن كافة الإشكاليات المرتبطة به.

وقد توصلنا في المحصلة النهائية بشأن القانون الواجب التطبيق على عقود النفط، إلى أن تلك البدائل المطروحة للقانون الوطني للدولة المتعاقدة، إن هي إلا محاولات هدفت استبعاد تطبيق هذا الأخير على عقود النفط، ولكنها لم تتكلل بالنجاح، لذا فإن غالبية عقود النفط الجديدة تم فيها تثبيت قانون الدولة المتعاقدة ليكون واجب التطبيق عليها([4]).

على أن هذا الإختلاف في الرؤى بشأن القانون الواجب التطبيق، قد انعكس على الجهة التي يُوكل إليها حسم المنازعات التي تنشأ بين الأطراف، فالجانب المناصر لأحقية قانون الدولة المتعاقدة بالتطبيق على عقود النفط يرى أن قضاء هذه الدولة أيضاً بالنظر في النزاع. بينما الجانب المناصر لتدويل عقود النفط يذهب إلى أن القضاء الدولي هو أكثر ملاءمة للقيام بالفصل في النزاع الناشب بين الأطراف المتعاقدة. ومع كل هذه الإختلافات، فقد استقر الأمر أخيراً، في عقود النفط، على تحديد اللجوء إلى الطرق الودية أولاً ، واذا لم يتم حسم الخلاف بموجبها، فيتم اللجوء إلى التحكيم بوصفه وسيلة محايدة لا تخضع لأي من الأطراف.

أولا:أهمية الدراسة:

تأتي أهمية هذا البحث من أهمية موضوعه والمتمثل بالمنازعات المتعلقة بعقود التنقيب النفطي الدولي حيث يُعتبر هذا النوع من العقود الحديثة في مجال التعاقدات النفطية ذلك أنه إذا كان البحث والتنقيب وإنتاج وتكرير النفط يحتاج إلى عدة مراحل، وإمكانيات مهمة وتجهيزات متطورة، وبالتالي فإن الدول النفطية قد اعتمدت هذا النوع الذي يقوم على توزيع مشاق مراحل إنتاج النفط، بحيث نجد أن الدولة صاحبة هذه الثروات تتعاقد في كل مرحلة مع شركة وتثير تلك العلاقات العديد من الإشكاليات لا سيما أن الواقع العملي يشير إلى وقوع الكثير من المنازعات التي هي مثار جدل فقهي وقانوني في تحديد القانون الواجب التطبيق على تلك العلاقة لتشعب العناصر التي تحتويها ولاسيما كون تلك العقود ترتبط بقطاع حيوي من القطاعات الأساسية في بلادنا.

ثانياً: إشكالية الدراسة:

لما كان موضوع هذه الدراسة منصباً على عقود التنقيب عن النفط، وبالذات تحديد القانون الواجب التطبيق عليها والجهة القائمة بتسوية المنازعات التي تنشأ بين أطرافها فإن إشكاليته تثور من نقطة رئيسة وهي أن أطراف عقود النفط ليسوا في مركز قانوني متساو، وإنما ينتمي كل منهما لنظام قانوني مغاير فأحدهم يتمثل في الدولة، والثاني يتمثل في شخص خاص أجنبي. فالطرف الأول (الدولة) شخص من أشخاص القانون الدولي العام، أما الطرف الثاني (شخص خاص أجنبي) فهو شخص من أشخاص القانون الخاص ويكون تابعاً لدولة أجنبية أخرى مما يجعلهما في مركزين قانونيين مغايرين وغير متكافئين، ومن ثم يكون من الصعب قبولهما بنظام قانوني معين يكون واجب التطبيق عليهما معاً، وكذلك قبولهما بوسيلة معينة لتشكل الجهة التي تفصل في المنازعات التي تحدث بينهما، ويخضعان للحكم الصادر عنها معاً.

لذلك، وبناءً عليه فإن موضوع هذه الدراسة يثير الإشكالية التالية:

إلى أي مدى وفق كل من المشرعين العراقي واللبناني في إيجاد الحلول القانونية التي تحافظ على استمرارية العلاقة التعاقدية بين أطراف عقد التنقيب على النفط وذلك لمحاولة التوفيق بين المصالح المتعارضة لأطراف عقد التنقيب في ظل اختلاف الأنظمة القانونية التابع لها كل طرف؟

ثالثاً: سبب اختيار موضوع الدراسة:

إن سبب اختيار دراسة موضوع تنازع القوانين في إطار عقد التنقيب عن النفط الدوليضمن إطار منازعات العقود الدولية يرجع لعدة أمور:

1_ كون هذا الموضوع يمثل دراسة جديدة منبثقة من المواضيع الهامة المتعلقة بتنازع القوانين في إطار عقد من أهم العقود الدولية ألا وهو عقد التنقيب عن النفط.

2_  إن عقود النفطية من العقود الأكثر أهمية على المستوى العالمي نظراً لدورها المحوري في الاقتصاد الوطني والعالمي وكذلك كونها من المواضيع القديمة المتجددة التي ما زالت تطرح الكثير من الإشكاليات على صعيد المنازعات المتعلقة بالقانون الواجب التطبيق على هذا العقد وتنفيذه خاصة أن أطراف العلاقة القانونية الناجمة عن تلك العقود تعود في انتماءها القانوني لأنظمة مختلفة، الأمر الذي يعد مجالاً خصباً لتنازع القوانين التي من الممكن أن تطبق على هذا العقد وفي سبيل إيجاد الحلول القانونية للمشكلات التي يطرحها على صعيد الواقع العملي.

رابعاً: منهجية الدراسة:

اعتمدنا في هذه الدراسة على المنهج التحليلي، حيث قمنا بتحليل نصوص قانون الاستثمار العراقي رقم 13 لعام 2006 وتعديلاته وقانون النفط والغاز العراقي لعام 2007.

كما سنعتمد على المنهج المقارن وذلك لمقارنة هذه الأحكام مع الأحكام الواردة في قانون المواد البترولية اللبناني رقم 132 لعام 2010، كما سنتطرق بشكل ثانوي لبعض الأحكام المتعلقة بالموضوع في التشريعات المقارنة لا سيما في التشريع الفرنسي وذلك كلما دعت الحاجة لذلك.

خامساً: خطة الدراسة:

اعتمدنا على التقسيم الثنائي في هذه الرسالة حيث قسمناها الى فصلين الفصل الأول: القانون الواجب التطبيق على عقود التنقيب عن النفط، وقسمنا هذا الفصل الى مبحثين المبحث الأول: التنظيم القانوني لعقود التنقيب عن النفط، وقسمنا هذا المبحث الى مطلبين حيث تكلمنا في المطلب الأول: مفهوم عقود التنقيب عن النفط، واما المطلب الثاني: الطبيعة القانونية لعقود التنقيب عن النفط وإنتاجه، وأما المبحث الثاني: ماهية تنازع القوانين في مجال القانون الدولي الخاص، وثم قسمنا هذا المبحث الى مطلبين، المطلب الأول: مفهوم تنازع القوانين وشروطه، واما المطلب الثاني: شروط تنازع القوانين.

واما الفصل الثاني: تكلمنا فيه التطبيقات القانونية والتنظيمية لتسوية النزعات في عقود التنقيب عن النفط ثم  قسمناه الى مبحثين حيث تكلمنا في المبحث الأول: التطبيق القانوني لفض النزاعات الناشئة ضمن عقود التنقيب عن النفط، ومن ثما قسمنا هذا المبحث الى مطلبين، المطلب الأول: القانون الصالح لفض النزع الناشئ عن عقد التنقيب عن النفط، واما المطلب الثاني : المرجع القضائي المختص في فض النزاع الناشئ في عقد التنقيب عن النفط، واما المبحث الثاني : تكلمنا فيه عن المعايير الدولية والداخلية لتطبيق القانون الوطني للدولة النفطية، ومن ثما قسمنا هذا المطلب الى مطلبين: المطلب الأول: تطبيق قانون الدولة المتعاقدة استناداً الى أسس دولية، واما المطلب الثاني: دور التشريعات الداخلية في تطبيق قانون الدولة المتعاقدة.

الفصل الأول
القانون الواجب التطبيق على عقود التنقيب عن النفط

تعد عقود التنقيب عن النفط من أهم العقود التي من خلالها يتم استغلال الثروة النفطية الموجودة في باطن الأرض لأن عملية التنقيب تعد المرحلة الأساس في استخراج النفط الذي يدخل في الكثير من الصناعات، ولدراسة أي عقد أهمية كبيرة لمعرفة ما يتعلق بهذا العقد، لذلك سنتناول مفهوم هذه العقود الذي يتضمن تعريف هذه العقود وطبيعتها القانونية وكذلك أهم الخصائص التي تتميز بها هذه العقود، وكذلك تتضمن ماهية عقود التنقيب عن النفط ، أركان التي تقوم عليها هذه العقود ولعل أهم ما يثور من إشكالات قانونية في هذا المجال هي مشكلة تحديد القانون الواجب التطبيق على هذه العقود، لذلك فإن مشكلة تحديد الطبيعة القانونية لهذه العقود يبقى مكان جدل كون أحد أطرافها يتمثل بالإدارة، فتثور مشكلة تكييفها على أساس أنها من عقود القانون الخاص أم من عقود القانون العام، وفيما إذا كانت خاضعة للقانون الوطني للدولة أم خاضعة لقانون الدولة التي تنتمي الشركة الأجنبي لها.

وإذا نظرنا إلى القضاء العراقي نجده متردداً بالنسبة للعقود التي تكون الإدارة طرفاً فيها فتارة يخضعها لقواعد القانون الخاص وأخرى يطبق أحكام القانون العام والخاص معاً وفي احيان أخرى يطبق أحكام القانون العام فقط([1])، ففي حكم لمحكمة تمييز العراق طبقت على العقود التي تكون الإدارة طرفاً فيها قواعد القانون الخاص دون فرق بين العقود الادارية والتجارية، وأخضعتها لقواعد واحدة في قضية تتلخص في مدى حق الإدارة في فرض الغرامات التأخيرية على الطرف المتعاقد معها ، وذلك لتأخيره في تنفيذ أعماله بموجب العقد([2]).

وتبرز أهمية عقود الاستثمار النفطي ومنها عقود التنقيب من خلال الدور التي تلعبه في تنمية الاقتصاد القومي لهذه الدول والتي غالباً ما تكون من الدول النامية التي تلجأ لهذه العقود بغية بناء اقتصادها وتنظيم بنيتها الأساسية وإدارة مرافقها العامة على نحو يجعل هذه العقود عاملاً حيوياً ورئيساً في تحقيق خطتها الاقتصادية وبالتالي ان عقود التنقيب عن النفط او عقد الاستثمار مهما كان تصنيفه([3])، وبالتالي لانستطيع أن ننفي الطابع الدولي لذلك العقد، وبالتالي لأهمية هذه العقود الدولية، فلابد أن تنظيم الخصومة والنزاعات بين أطراف هذا العقد الدول، حيث تنشأ مشكلة تنازع القوانين، أي تنازع على القانون الواجب التطبيق.

وبناءً على ماتقدم سنقوم بتقسيم هذا الفصل الى مبحثين، حيث سنتحدث في المبحث الأول عن التنظيم القانوني لعقود التنقيب عن النفط، أما في المبحث الثاني سنتحدث عن ماهية تنازع القوانين في مجال القانون الدولي الخاص.

المبحث الأول
التنظيم القانوني لعقود التنقيب عن النفط

تلجأ بعض الدول لاسيما الدول النامية إلى التعاقد مع شركات أجنبية للقيام بعمليات التنقيب عن النفط، وذلك عن طريق إبرام عقود التنقيب عن النفط وذلك مع مجموعة من شركات القطاع الخاص الوطنية أو الأجنبية، ووفقاً للصيغ المعروفة عالمياً في مجال الاستثمار في مجال التنقيب عن النفط.

وتهدف هذه الدول إلى استقطاب رؤوس الأموال والتكنولوجيا الحديثة من خلال تشريع قوانين خاصة تتضمن ضمانات وامتيازات تشجع القطاع الخاص وتوفر مناخ ملائم لجذب الاستثمار في هذا المجال، وقد تطور القطاع الخاص في الاستثمار في قطاع النفط تطوراً يتوافق مع التطورات الاقتصادية المتتالية، وتغيير المفاهيم الفكرية والفلسفية لوظيفة الدولة والقطاعات الاقتصادية في التنمية الشاملة وتحجيم سيطرة الدولة القطاع العام على الإنتاج.

 كما زادت فرص الاستثمار أمام القطاع الخاص في مجالات ومشاريع كانت محتكرة من قبل الدولة والقطاع العام كمشاريع البنية الأساسية ذات المردود الاقتصادي، والمشاريع الإنتاجية التي كانت تعتبرها الدولة في المراحل السابقة ذات صبغة استراتيجية، ومن أسباب ذلك زيادة تكاليف التشغيل في هذا النوع من الاستثمارات، والذي يتطلب دمج التكنولوجيا الحديثة بهدف العثور على الاحتياطات النفطية، والالتزام بالقوانين البيئية الصارمة لمكافحة التلوث، والحفاظ على جدوى صناعة النفط، كما أن ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، وزيادة الطلب على المشتقات النفطية دفع الدول إلى الاستثمار في عملية التنقيب عن النفط بهدف العثور على احتياطات جديدة([4]).

وبناءً على ما تقدم سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين رئيسيين حيث سنتحدث في المطلب الأول عن مفهوم عقود التنقيب عن النفط، اما في المطلب الثاني سنتكلم عن حقوق والتزامات أطراف عقد التنقيب عن النفط.

المبحث الثاني
ماهية تنازع القوانين في مجال القانون الدولي الخاص

يتوزع الأفراد على شكل وحدات سياسية قانونية يصطلح عليها بالدول والأخيرة بدورها تفترض وجود القوانين، فيكون لكل دولة قانون له نفوذ يتحدد سريانه بحدود الدولة الاقليمية ويملك اختصاص في مواجهة اشخاص معينين وهم الوطنيين، وبذلك تتعدد القوانين بتعدد الدول، وكل قانون يملك مساحة من النفوذ والاختصاص تنتهي حيث تبدأ مساحة نفوذ واختصاص قانون آخر.

 ومقابل ذلك يمكن أن يتجاوز القانون في نفوذه واختصاصه مساحته فيمتد على مساحة قانون آخر في مناسبات تتمثل بحركة الأشخاص والأموال بين منطقة نفوذ قانونين أو أكثر فيحتفظ كل منهما بصلة بالعلاقات القانونية التي تنشا بأثر تلك الحركة، وهو ما يفضي إلى تداخل اختصاص ونفوذ هذه القوانين بمناسبة تلك العلاقات، ويترتب عن ذلك ما يصطلح عليها في فقه القانون الدولي الخاص بتنازع القوانين وهو من اهم موضوعات القانون الدولي الخاص، ويثير هذا الموضوع تزاحم وتداخل عدة قوانين تتجاذب حكم العلاقة لتعدد انتماءات العلاقة بين هذه القوانين([1]).

 ويعتمد في حل هذا التنازع قواعد ذات مصدر عرفي أو قضائي تحولت فيما بعد إلى قواعد تشريعية تختلف إلية تطبيقها بحسب موضوعها، كما أن بعضها يحل النزاع بشكل غير مباشر والبعض الآخر بشكل مباشر، وقد نظمت أغلب التشريعات العربية بعض هذه القواعد ومنها التشريع العراقي في القانون المدني، في حين نظمتها الكثير من التشريعات الأجنبية في مجموعة تشريعه مستقلة تقع تحت عنوان القانون الدولي الخاص ومنها المانيا والمجر، علما أن تطبيق هذه القواعد من قبل قاض النزاع تعترضه عدة مشكلات.

وبناءً على ما تقدم سنقوم بتقسيم هذا المبحث الى مطلبين حيث سنتحدث في المطلب الأول عن مفهوم تنازع القوانين وشروطه، أما في المطلب الثاني سنتكلم عن تطبيق القانون الأجنبي أمام القاضي الوطني.

الفصل الثاني
التطبيقات القانونية والتنظيمية لتسوية النزعات في عقود التنقيب عن النفط

يجد المتتبع لعقود التنقيب عن النفط المبرمة قبل مدة من الزمن، أنها لا تشير بشكل صريح إلى قانون الدولة المتعاقدة بوصفه القانون الذي يحكم جوانب العقد كافة ولكنها تتضمن في الوقت نفسه شروطاً تلزم الدولة المتعاقدة بعدم إنهاء العقد أو تعديله بعمل تشريعي أو إداري دون أخذ موافقة الطرف الآخر مما يستنتج منه اتجاه نية الأطراف المتعاقدة إلى خضوع العقد لقانون الدولة المتعاقدة.

إلا ان الأمر قد تغير، اذ ان غالبية عقود التنقيب عن النفط المبرمة بين الدول والشركات الأجنبية، في تلك الفترة، كانت تنص صراحة على تطبيق قانون الدولة المتعاقدة على مثل هذه العقود.

فخضوع عقود التنقيب عن النفط لقانون الدولة المتعاقدة وإصرار الدول المنتجة للنفط لم يأتِ من فراغ بل ان له اسساً واسانيد تدعمه، كما وان هناك في مقابل ذلك، مساعي تحاول جاهدة استبعاد تطبيق قانون الدولة المتعاقدة على عقود النفط وذلك بالاستناد إلى أسباب مباشرة أو غير مباشرة.

ويعتمد الاتجاه المنادي بتطبيق قانون الدولة المتعاقدة على عقود التنقيب عن النفط على اسس ومعايير ومستندات متنوعة، في الاتفاقيات والمواثيق والأحكام القضائية الدولية

هناك أسس ومعايير داخل الدولة التي تكون طرفاً في عقود التنقيب عن النفط يتم الاعتماد عليها لتكون مستنداً لتبرير تطبيق قانون الدولة المتعاقدة على عقود النفط التي تُقدم الدولة على إبرامها مع شركات خاصة اجنبية.

تعتبر مسألة القانون الواجب التطبيق على العقود بصفة عامة من المسائل الصعبة والشائكة في القانون الدولي الخاص، وخاصة في نطاق عقود التنقيب عن النفط، وتزداد هذه الصعوبة عندما تثور هذه المسألة أمام «التحكيم» حيث أنه من المعروف ان المحكم ليس له قانون اختصاص او ما يسمى بقانون القاضي يحدد على اساسه القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع المطروح امامه بل ان هذه المسألة تصبح أكثر صعوبة وتعقيداً عندما يكون أحد طرفي العقد دولة ذات سيادة او أحد الاجهزة التابعة لها ينفر من اخضاع العقد لقانون غير قانونه الوطني، وخصوصاً قانون الدولة التي تنتمي إليها الشركة الخاصة الطرف في العقد اذ ان تطبيق قانون هذه الدولة يمكنها من المساس بالتزاماته التعاقدية، وذلك عن طريق تغيير قانونها مما يحق مصالحها ويضر بالتالي بالشركة المتعاقدة معها.

وبناءً على ما تقدم سنقوم بتقسيم هذا الفصل الى مبحثين حيث سنتحدث في المبحث الأول عن التطبيق القانوني لفض النزاعات الناشئة ضمن عقود التنقيب عن النفط، أما في المبحث الثاني، سنتكلم عن المعايير الدولية والداخلية لتطبيق القانون الوطني للدولة النفطية.

المبحث الأول
التطبيق القانوني لفض النزاعات الناشئة ضمن عقود التنقيب عن النفط

يحاول أطراف عقد التنقيب عن النفط صياغة بنوده بشكل يمنع الخلاف حوله إلا أن هذه الصياغة مهما بلغت من الدقة لا يمكنها منع حدوث النزاع بين الأطراف إما بسبب الإخلال بالموجبات أو بسبب ظرف خارجي عن عقود التنقيب، وعند حدوث النزاع بين أطرافه يتم اللجوء إما إلى القضاء الاعتيادي للفصل في النزاع أو إلى التحكيم وبالغالب يعمل الأطراف على تسوية النزاع بطرق ودية بعيدا عن إجراءات التقاضي أي قبل اللجوء إلى القضاء.

تمتاز الوسائل الودية بالمرونة والتحرر من الشروط الشكلية ومن القواعد الموضوعية بخلاف الوسائل القضائية التي تكون محكومة بشروط وإجراءات محددة، وتتمثل الوسائل القضائية برفع موضوع النزاع القانوني إلى محكمة مختصة، أما أن تكون قضاءً اعتيادياً أو التحكيم، ويعد اللجوء إلى الوسائل القضائية لحسم المنازعات النفطية الأكثر أهمية لأنها تمتاز بصدور أحكام ملزمة لأطراف النزاع وتكون قابلة للتنفيذ.

يترتب على تمتع عقد التنقيب عن النفط بالصفة الدولية خضوع العقد الدولي إلى قواعد القانون الدولي الخاص، والذي يعطي للأطراف في هذه العقود الحق في تحديد القانون الواجب التطبيق بإرادتهما، على وفق مبدأ خضوع العقد لقانون الإرادة، والذي أضحى من المبادئ المستقرة في إطار القانون الدولي الخاص، إذ تعد هذه القاعدة من أهم قواعد تنازع القوانين وأكثرها شيوعا، فإرادة الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق على العقد تعدّ ضابط الإسناد الأصيل في قاعدة التنازع الخاصة بالعقود الدولية.

مما يجعل هذه العقود تحظى بخصوصية معينة في حال إسباغ الصفة الدولية عليها، إذ في حال اتفاقهما على قانون معين سواء أكان القانون الوطني أم القانون الأجنبي لدولة أخرى أم مبادئ قانونية معينة فإنها تطبق على عقدهما، ولكن المشكلة تثور في حال سكوت الإرادة عن تحديد القانون فما هو القانون المطبق في هذه الحالة.

وبناءً على ما تقدم سنقوم بتقسيم هذا المبحث الى مطلبين رئيسيين، حيث سنتكلم في المطلب الأول عن القانون الصالح لفض النزع الناشئ عن عقد التنقيب عن النفط، اما في المطلب الثاني سنتحدث عن المرجع المختص في فض النزاع الناشئ في عقد التنقيب عن النفط.

المبحث الثاني
المعايير الدولية والداخلية لتطبيق القانون الوطني للدولة النفطية

إن عقود النفط التي تمت قبل الحرب العالمية الأولى وانها لا تشير صراحة إلى قانون الدولة المتعاقدة على أنه القانون الذي يحكم جميع جوانب العقد، ولكنه يشمل في نفس الوقت، الشروط التي تلزم الدولة المتعاقدة بعدم إنهاء العقد أو تعديله بإجراء تشريعي أو إداريًا دون الحصول على موافقة الطرف الآخر مما يستدعي وجود نية توجيهية تلتزم الأطراف المتعاقدة بإخضاع العقد لقانون الدولة المتعاقدة لكن الأمر تغير بعد الحرب العالمية الثانية، في حين أن غالبية عقود النفط المبرمة بين الدول والشركات الأجنبية ، في تلك الفترة ، نصت صراحة على تطبيق قانون الدولة المتعاقدة على تلك العقود.

وبالتالي فإن خضوع عقود النفط لقانون الدولة المتعاقدة وإصرار الدول المنتجة للنفط لم يأتِ من فراغ بل ان له اسساً واسانيد تدعمه، كما وان هناك في مقابل ذلك، مساعي تحاول جاهدة استبعاد تطبيق قانون الدولة المتعاقدة على عقود النفط([1]).

كما وأن تحديد الجهة المختصة بتسوية المنازعات التي تنشأ بين أطراف عقود النفط ليس أقل أهميةً من تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد؛ إذ أنه لا بد للأطراف من أن يتوقعوا حدوث منازعات بينهم بشأن العمليات المعقدة التي تنطوي عليها عقود النفط، ومن هنا يتحتم عليهم تحديد طريقة أو جهة معينة لتكون ملاذاً، واللجوء إليه بغية القيام بحسم المنازعات الناشبة بينهم ([2]).

فإذا كان الطرف الأجنبي يُعنى كثيراً بتعريف حقوقه والتزاماته، وتحديد مضامين كل منها، فإنه يُعنى بشكل أكبر بإيجاد طريقة مستقلة ومحايدة وفعالة يمكنه اللجوء إليها بغية الفصل فيما قد ينشب من منازعات نتيجة اصطدام حقوقه مع حقوق الدولة المتعاقدة.

وللتوسع في هذا المبحث سوف نقسم هذا المبحث الى مطلبين، المطلب الأول: تطبيق قانون الدولة المتعاقدة استناداً الى أسس دولية، واما المطلب الثاني: دور التشريعات الداخلية في تطبيق قانون الدولة المتعاقدة.


([1])  أحمد عبد الكريم سلامة، النظام القانوني لمفاوضات العقود الدولية، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، مصر، ص 142.

([2])  سميحة القليوبي، المنظمات الدولية، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2002، ص 158.


([1]) أحمد عبد الكريم سلامة، القانون الدولي الخاص، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2008، ص15


([1]) رمضان علي عبد دسوقي، الحماية القانونية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، الطبعة الأولى، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة مصر، 2011، ص 148.

([2]) قرار محكمة تمييز العراق رقم (٢٤٩ / هيأة عامة أولى /۱۹۷٥/٢/١٥ والذي لم يعطي وصف العقد الاداري على العقد المبرم بين وزارة الصناعة والشركة المتعاقدة معها. هذا الحكم منشور في مجلة القضاء ، تصدر عن نقابة المحاميين العراقيين، العدد الرابع ، السنة الخامسة ، ١٩٧٦، ص ٣٢٣.

([3])  دريد محمود السامرائي، الاستثمار الأجنبي المعوقات والضمانات القانونية، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان،2006، ص 172.

([4]) رباح غسان، العقد التجاري الدولي نموذج العقد النفطي، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي، بيروت، لبنان، 2008، ص73.


([1]) نقولا سركيس، البترول عامل وحدة وانماء في العالم العربي، دار المعرفة، دمشق 2006، ص 13.

([2]) محمد يوسف علوان، النظام القانوني لاستغلال النفط في الأقطار العربية المصدرة للنفط، الطبعة الأولى، الكويت للنشر، جامعة الكويت، 1982، ص41.

([3]) سمير دنون، قانون النفط والعقود النفطية، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، 2015، ص13.

([4]) محمد يوسف علوان، النظام القانوني لاستغلال النفط في الاقطار العربية، الطبعة الثالثة، مطبعة كلية الحقوق جامعة الكويت، 2004، ص 32.