تحديات تحقيق المسؤولية الطبية أمام القاضي الإداري والعدلي (دراسة مقارنة)

المقدمة:
تعد مهنة الطب مهنة علمية وأخلاقية، قديمة قدم الإنسان، وهي من أنبل المهن الإنسانية، هذه المهنة تحتم على من يمارسها احترام الشخصية الإنسانية في جميع الظروف والأحوال، كما أن العاملين فيها يحتاجون إلى قدر كبير من الحرية، والثقة، والاطمئنان، حتى يستطيعون ممارسة مهنتهم، وبالمقابل من ذلك، فإن حياة المريض، وسلامة بدنه، وحواسه، تعد من أثمن القيم التي يحرص المجتمع على حمايتها.
إن الحق الإنساني في مهنة الطب يعد من أثمن الحقوق العامة، لذلك فإن حرمتها، ومنع الاعتداء، والمساس بها تعد من النظام العام، ولكن نظراً لأن مهنة الطب لها علاقة مباشرة مع صحة الإنسان، فإن الشخص الذي يستفيد من العلاج الطبي، قد يتعرض إلى إصابات، أو حتى فقدان الحياة نتيجة الحوادث الطبية التي قد يتسبب فيها الأطباء بصفة عامة.
في سبيل جبر مثل هذه الأضرار، أقرت المجتمعات والتشريعات، نظام المسؤولية الطبية عن الأضرار التي تصيب الإنسان من جراء الحوادث الطبية، وفي هذا الصدد إن هذه المسؤولية، تتميز بكونها مسؤولية قانونية، لأنها تتضمن المساءلة على أساس وجود إخلال بقاعدة قانونية، على أن الجزاء المترتب هنا، قد يكون مجرد المطالبة بالتعويضات، أو قد يصل إلى درجة المساءلة الجزائية للطبيب المرتكب للمخالفة( ).
إن المسؤولية كأحـد موضوعات القانون المختلفة، هي إحدى الوسائل الأساسية لتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، وهي تمثل انعكاساً صادقاً للمستوى الحضاري الذي بلغه أي مجتمـع مـن المجتمعات، وفـي إطـار المسؤولية الإداريـة بـرز جانـب مـهـم وهـو العمل الطبي، فهذا العمـل الذي يقـوم بـه الطبيب سـواء أكـان جراحـاً أم طبيباً عاماً أم طبيب أسنان أم طبيباً نفسياً أم مـخـدراً ويقـوم بـه غيـر الأطباء مثل الممرضين، وموظفي المرفق الطبي العام، وينتج عـن أعمالهم أضـراراً تصيب الأفراد.
ويثير موضوع مسؤولية الطبيب الكثير من التساؤلات ولاسيما في العصر الحالي الذي يشهد تطوراً طبياً هائلاً وما قد يرافق هذا التطور من أخطاء، وتبدو حساسية التحدث عن مسؤولية الطبيب لاتصال عمله بجسم الإنسان وما يقتضيه ذلك من احترام وتقدير وتكمن الحساسية في هذا الأمر من ناحية الخشية على المرضى من الأخطاء التي قد تصدر من الأطباء مما قد يعرضهم أثار سيئة وضمان توفير العناية اللازمة، ومن ناحية أخرى في توفير الحرية اللازمة للأطباء في معالجة مرضاهم، ولذلك كان لا بدَّ من تحقيق نوع من الموازنة بين مصلحة الطبيب في مزاولة مهنته بقدر كبير من الحرية دون قيود أو مخاطر قد تلحقه، وبين مصلحة المريض في سلامة جسده وعدم المساس به من قبل الغير.
إلا أنه وبالرغم مما تقدم فإن الواقع يقتضي بأن هاتين المصلحتين لا تعارض بينهما، بل هما متضامنتان، إذ إن إثقال كاهل الطبيب بالمسؤولية يفقده عنصر الطمأنينة والحرية اللازمتين له، ويشل نشاطه في العلاج، مما يعود على مريضه بالضرر الكبير، كما أن إعفاءه من تبعة أخطائه المهنية يفتح الباب لإهماله واستهتاره، ويفقد المريض ثقته في المهنة الطبية، ويحط من مستواها فالطب يقدم الأمل المرتجى للمرضى، وإقرار مبدأ مسؤولية الطبيب يؤمن لهم الحماية.
وهذا مما دعا القضاء إلى الحرص في التقدير، والعمل على تحقيق التوفيق والتوازن بين مصلحة الطبيب من جهة، مصلحة المريض من جهة أخرى، فأقر مبدأ مسؤولية الطبيب عن أخطائه الطبية، ووضع لهذه المسؤولية قواعد وشروطاً، تتلاءم مع طبيعة المهمة الإنسانية التي يضطلع بها الطبيب ومع الأصول العلمية التي تحكم الفن الطبي الذي یزاوله، وإن غلبت هذه القواعد مصلحة الطبيب على مصلحة المريض، حين حملت هذا الأخير عبء إثبات جميع أركان هذه المسؤولية.
وبالفعل، وبفضل قواعد المسؤولية الطبية، التي أنشأها وطورها الاجتهاد القضائي، تلاشت فكرة تمتع الطبيب بحصانة مهنية مطلقة عن أخطائه الطبية، وأصبح انحراف الطبيب عن السلوك الفني الصحيح والأصول والقواعد الطبية المستقرة أثناء قيامه بمعالجة مريضة، يكون خطأً مهنياً من قبله يستوجب المسؤولية.
إن القاعدة العامة فـي المسؤولية هـي وقـوع الضـرر مـن جانب الطبيب أو المرفق الطبـي ويجـب أن تكـون قاطـعـة، غيـر مفترضـة، وإذا تـوافرت أركـان المسؤولية للطبيـب فـي المرفق الطبـي العـام مـن خطـأ وضـرر وعلاقة سببية بينهما قامـت المسؤولية، ويترتـب عليها أثر هو قيام المسؤول بالتعويض عن وإذا توافرت هذه الأركان الثلاثـة تقـوم المسؤولية الإداريـة، ومنـه يحكـم القضـاء الإداري بالتعويض للمتضـرر عن الضرر الـذي لـحـق بـه مـن جـراء نشاط الإدارة.
لقد أصـبح بإمكان المتضرر الحصـول علـى التعـويض حتـى بـدون إثبـات خطـأ الإدارة متـى كـان النشـاط الـذي قـام بـه فيـه نـوع مـن الخطـورة يتجـاوز الحـد الـعـادي، إلا أنـه فـي بعـض الأحيان يصـعب إثبـات الخطـأ، وتقوم المسؤولية بقوة القانون بسبب الضرر الحاصل ويستفيد المتضرر بذلك من التعويض عن الضرر الذي حصـل وهـي المسؤولية على أساس المخاطر (المسؤولية بـدون خطـأ).
إن من أسباب الأخطاء الطبّية، عدم الالتزام بالأسس العلميّة خلال ممارسة المهنة الطبيّة، وعدم الدقّة في العمل، والإهمال في المجال الطبّي عدم الاهتمام بالمريض، ووجود مشاكل شخصيّة بين المريض والطبيب، أو الجهة الطبيّة، التقصير في الأداء الوظيفي، والواجبات في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة، الخبرة القليلة في التشخيص السليم، بالتّالي تفاقم المشكلة، والوقوع في الخطأ.
لا يكون الطبيب مسؤولاً عن الحـالة التي وصل إليها المريض، إذا تبين أنه بذل العنايــة اللازمــة ولجأ إلى جميع الوسائل التي يستطيعها من كان في مثل ظروفه لتشخيص المرض وعلاج المريض، ولكنه لا يكون مسؤولاً إلا إذا ارتكب خطأ أدى إلى الإضــرار بالمـــريض نتيجـــة الجهل بأمور فنية أو عملية يفترض في كل طبيب الإلمام به إذا لحق ضرر بالمريض نتيجة لإهمال الطبيب أو تقصيره في العناية به وإذا أجرى على مرضاه تجارب أو أبحاثاً علمية غير معتمدة من قبل وزارة الصحة، وترتب على ذلك الإضرار بهم.
ـتأسيساً لما تقدم فإن المسؤولية الإداريـة تشـغل مكانة هامـة ومتميزة وحيـزاً واسعاً مـن التطبيـق فـي ميدان الصحة العامـة باعتبار أن الصحة العامـة من أول اهتمامات الدولة إذ إن مـن خـلال ذلك يتحقق التواصـل مـا بين المواطن الفرد أو الجماعات والإدارة، فالفرد مـن خـلال هذا الإطـار يلمس اهتمام الدولة ورعايتهـا، ولكـن مقابل هذه المنافع التـي قـد تتحقـق مـن خـلال الاستفادة من المرافق العامة الطبيـة، فـد يتعرض المنتفع إلى أضرار، ففـي لبنـان إن بـت طلبات التعويض عن الأضرار الناتجة عن المرافق العامة الطبيـة مـن اختصاص مجلس شورى الدولة، أمـا فـي الـعـراق، فالأمر مختلف تماما عمـا هـو عليـه فـي لبنـان، فلـم يتطـرق الاجتهاد الإداري في العراق وفـق بحثنا لهذا النوع من المسؤولية وحتى الآن الضرر الذي أحدثه.
إن المسؤولية الطبية ذات طبيعة متشعبة ومتنوعة فقد تنجم عن النشاط الطبي إما مسؤولية مدنية أو مسؤولية إدارية أو تأديبية، كما أن مسؤولية الطبيب تنهض إذا كان هناك إخلال بالتزام يفرضه القانون ,ويتمثل بعد القيام بفعل مضر للغير أي فعل غير مشروع حيث نصت المادة 202 من القانون المدني العراقي, على كل فعل ضار بالنفس من قتل أو جرح، أو ضرب أو أي نوع آخر من أنواع الإيذاء، يلزم بالتعويضات من أحدث الضرر، ونصت المادة (203) على في حالة القتل وفي حالة الوفاة بسبب الجرح أو أي فعل ضار آخر، يكون من أحدث الضرر مسؤول عن تعويض الأشخاص الذي كان يعيلهم المصاب وحرموا منها بسبب القتل والوفاة( ).
ونصت المادة 204 على كل تعدِ يصيب الغير بأي ضرر آخر غير ما ذكر في المواد السابقة يستوجب التعويض، وفي لبنان القضاء العدلي هو المختص في نظر دعاوى المسؤولية الناتجة عن نشاط الأطباء في المؤسسات الطبية العامة على الأقل.
الفصل الأول
الأساس القانوني للعمل الطبي

منذ أن ظهر الطب في العصور القديمـة وعـرف الإنسان جوهره، عرف معه المسؤولية الطبية وإن كانت تلك العصور تختلف جذرياً عن الشكل الذي هـي عليـه الآن، فقد لاقت تطوراً كبيراً واهتماماً أكبر من التشريعات المختلفة، ولا تزال حيز التطور، ونظراً للآثار الضارة الناتجة عن استعمال الوسائل الحديثة في الطب بصفة عامة فإن موضوع المسؤولية المدنية الناتجة عن أضرار النشاط الطبي له من الأهمية ما تبرره الضرورات الفنية والدقيقة في مجـال هـذا التخصص أو هذه المهنة، وللطب جانب من الاعتبارات الإنسانية يتجسد ذلك في حماية أرواح الناس ووقايتهم من الأمراض وإنقاذ حياتهم في حالات يكون الموت مترصد لهم( ).
لقد شغل مفهوم العمل الطبي تفكير العديد من الباحثين من فقهاء وأطباء، وذلك من ناحية اختلاف زوايا النظر إليه: إنسانياً وأخلاقياً وطبياً وقانونياً، وكل زاوية تسعى لضم هذا المفهوم إلى نطاقها والتأثير عليه بخصائصها، نجد من الجانب الإنساني والأخلاقي ضرورة احترام الكيان البشري والمعاملة الحسنة، وعلى الصعيد الطبي، يسعى الأطباء لبيان كل مراحل العمل الطبي وإظهارها بحيث لا تهمل مرحلة على حساب مرحلة أخرى، والسعي لتضمين التطورات الطبية المعاصرة في نطاقه، أما الناحية القانونية فتهتم بمبررات احترام كرامة الإنسان وحماية حقه في الصحة والعلاج.
يعد المستشفى الجهاز الوحيد الذي بواسطته تقوم الدولة والقطاع الخاص بتقديم الخدمات الصحية لأفراد المجتمع، حيث يتم تقديم مزيج متنوع من الخدمات الصحية، الوقائية التعليمية، التدريبية، والمجانية، فيساهم بذلك في رفع المستوى الصحي للبلاد، وتحقيق التوازن الذي يتطلبه أي مجتمع كان في أي وقت وجد، فالفرد فيه إن لم يكن يتمتع بصحته الكاملة ليس بمقدوره القيام بأي نشاط تستدعي إليه ضرورة الحياة العملية وتقتضيه ظروف انخراطه في المجتمع لينفع وينتفع فيه.
مرّ المستشفى ليصل إلى هذا المستوى الذي آل إليه حاليا عبر مراحل عدة أثرت فيه كل مرحلة على أداءه وأجهزته، فتجسدت محاولات الإنسان المستمرة في الحضارات القديمة لتوفير أماكن لعلاج المرضى وإنقاذ المصابين، وكان الفراعنة يستخدمون معابدهم لإيواء وعلاج مرضاهم حوالي 2000 سنة قبل الميلاد، ويعد الطبيب الإغريقي أبو قراط أول من وضع أساسيات لمعالجة المرضى في المعابد الإغريقية والتي تعد النواة الأولى للمستشفيات الحالية، وكان يجري فيها العمليات الجراحية ويعلم فيها الراغبين في ممارسة الطب.
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية السباقة لإنشاء مركز الطب الحديث في العالم حيث أنشأ في عام 1751 أول مرفق طبي عمومي بها، مما فتح مجالا لانتشار المستشفيات بمختلف أنواعها وأشكالها بعدها في كل دول العالم. ما تتميز به المستشفيات في العصر الحديث، عن ما كانت عليه في السابق هو التطور السريع والملحوظ على نشاطاتها وأجهزتها البشرية منها والمادية( ).
أضفت كل المتغيرات الحاصلة في كل المجالات في العصر الحديث على وظائف ونشاطات المستشفى تغيراً واضحاً ومؤثراً على نوعية الخدمة الصحية، وإن كان لاختلاف وتنوع هذه الوظائف أهميتها على تحسين الوضع الصحي للأفراد فإن ذلك قد ينعكس سلباً سواء على هذا المرفق أو على الفرد المتعامل معه عندما ينجم عن ذلك النشاط ضررا أو يكون النشاط بحد ذاته إخلالا أو مساسا بسلامة الفرد، ويترتب عن هذا المساس مسؤولية تختلف في موضوعها، تتميز في أساسها عن باقي المسؤوليات لكونها مسؤولية طبية تتعلق بمرفق عام يؤدي خدمة عامة، وعلى ضوء ما تقدم قسمنا هذا الفصل إلى مبحثين على الشكل الآتي:
المبحث الأول: ماهية العمل الطبي
المبحث الثاني هيكلية المرفق الطبي العام
المبحث الأول
ماهية العمل الطبي
إن للطب والأطباء دور بارز في حفظ الصحة البشرية وعلاجها من الأمراض، ولأن تدخل الطبيب في جسم الإنسان غالباً ما يتطلب مساساً بسلامته الجسدية كحالات الجراحة أو التشريح، فإنه ثمة معالجة قائمة حول مضمون ونطاق العمل الطبي الممهور بالشرعية، ويعد عمل الطبيب المحرك الأول لمسؤوليته، سواء كان مناسباً للأصول المعروفة في الطب أو مجافياً لها.
لقد تعرض العمل الطبي في الوقت المعاصر الى تحولات جذرية وهامة، إذ أن مضمونه ظل يتغير ويتطور بتطور الأفكار والمراحل التي بات يشملها تحت نطاقه، رغماً عنه، بحكم الثورة الطبية الهائلة التي تعرفها البشرية، وما نجم عن تزاوج الطب بمختلف جزئيات العلوم التجريبية.
حيث تعتبر السلامة الجسدية بمفهومها الواسع من أهم الحقوق الجوهرية للإنسان إن لم يكن أسماها وهي حق كرسته معظم الدساتير و التشريعات على مدى الأحقاب والأزمنة يقتضي عدم جواز المساس بجسم الإنسان أو الاعتداء على كيانه الجسدي والمعنوي، في ظرف من الظروف، وتحت أي مبرر كان، حتى وإن كان يهدف في مضمونه لمصلحة أفراد المجتمع( ).
المطلب الأول
مفهوم العمل الطبي
يعد العمل الطبي نشاط يتفق في كيفيته وأصول مباشرته مع القواعد المقررة في علم الطب ويهدف إلى شفاء المريض، والأصل في العمل الطبي أن يكون علاجياً أي يهدف إلى تخليص الشخص من مرضه أو تخفيف حدته أو تخفيف آلامه، ولكن الفقه يميل إلى اعتبار الممارسات التي ترمي إلى الكشف عن أسباب المرض أو الوقاية منه وكل نشاط أو وسيلة تتصل بالعمل الطبي كاستخدام الكهرباء والاشعة من الاعمال الطبية.
ولأنها أعمال يقتضي أن تخضع للقوانين التي تحدد مسؤوليات صاحب العمل كل في مجال اختصاصه وذلك لحماية الطرف الثاني في هذه العلاقة وهو المريض الذي لا خيار له من اللجوء الى الأطباء للمعالجة، عليه سنتناول شرح هذا المطلب في خلال الفرعين التاليين:
الفرع الأول: تعريف العمل الطبي
الفرع الثاني: شروط مزاولة العمل الطبي.
المطلب الثاني
هيكلية المرفق الطبي العام
تمثـل المستشفيات جـزءاً أساسـياً ومهمـاً فـي أنظمـة الرعايـة الصـحية فـي أي مجتمـع، وهـي فـي العـراق تمثـل الجـزء الأكبر لأسباب عديدة منهـا تنامي التجمعات الحضـريـة فـي مـدن متوسطة وكبيرة على حساب الريف، وكذلك طبيعة الخدمات التـي تقدمها هذه المستشفيات فهـي خـدمات طبية تمريضية عالية المستوى والتخصص( )، إن الخدمات الصحية المقدمـة مـن قبـل الدولة تمثل شبكة متكاملة ومترابطة ومتسلسلة هرمياً مع بعضها.
والمرفق الطبي إن كان في القطاع العام أو الخاص يجب أن يكون معروفاً من الجميع ولاسيما لجهة الاختصاصات التي يمارسها وهذا ما يسهل سرعة التوجه الى المرفق الطبي من قبل المريض أو من قبل عائلته ولذلك تنوعت المرافق الطبية في العراق تبعاً لاختصاصات الأطباء العاملين بداخلها.
إن لكـل شـخص الحـق بالحصول على العناية الطبية للمحافظة على الصحة العامة، في إطار نظـام صـحي وهو ما يعرف بالمرفق الطبي العام يتلقى من خلاله العناية الطبية الرشيدة والمناسبة لوضـعه والمتماشـية مـع معطيات العلم الحالية، وتشمل المرافق الطبية كل الهياكل الصحية الخاضعة للقانون العام…( ) عليه قمنا بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين على الشكل الآتي:
الفرع الأول: مفهوم المرفق الطبي العام
الفرع الثاني: الطبيعة القانونية للمرفق الطبي العام
المبحث الثاني
طبيعة الالتزامات الأساسية للطبيب
ينشأ عن العلاقة بين الطبيب والمريض بمناسبة مباشرة التدخل الطبي التزامات للطرفين، يكون مرجعها للعقد أو للوائح التنظيمية حال وجودهما( )، ولقواعد مهنة التطبيب بحال انعدامهما( )، فإذا كان التزام المريض واضحاً يتمثل في دفع مقابل مادي جراء ما يتلقى من علاج، فإن التزام الطبيب بتقديم العلاج بالعكس منه يثير بعض الإشكال حول طبيعته، إلا أن غالبية الفقه والقضاء أجمعا على أن التزام الطبيب في تدخلاته الطبية هو في الأصل التزام بالحرص وبذل العناية كمبدأ عام وليس ضمانة نتيجة.
حيث يبذل الطبيب العامـل فـي المـرفـق العام الطبي قصارى جهـده لتقديم الأدوية والمعدات الطبيـة الصالحة والسليمة، لكنه لا يضمن فعاليـة تلك الأدوية والمعدات الطبيـة ومـدى نجاحهـا فـي العـلاج، إلا أنه قد وردت بعض الاستثناءات على مبدأ التزام الطبيب بالحرص والعناية، في ظل المستجدات العلمية والتطورات التكنولوجية والطبية، التي أزالت فكرة الاحتمال عن بعض التدخلات من جهة، إضافة إلى دخول المعدات والأجهزة مجال التدخلات الطبية إلى جانب الطبيب مما زاد من مخاطرها من جهة أخرى، بذلك اعتبر التزام الطبيب في بعض الحالات التزام بتحقيق نتيجة.
كما أن أهمية موضوع المسؤولية الإدارية عن الأعمال الطبية تنبع من كون العمل الطبي في المرافق العامة الطبية يرتبط بحياة الكثير من الناس، والعمل في المرافق الطبية العامة ينجم عنه الكثير من الأضرار، لأن هذه المرافق تقدم خدمة عامة لجمهور المنتفعين. وعليه سنبحث تالياً في طبيعة الالتزامات الأساسية للطبيب في تدخلاته الطبية والمسؤولية الإدارية المترتبة عليه جراء هذه التدخلات، وذلك من خلال المطلبين التاليين،
المطلب الأول: الالتزامات الأساسية للطبيب في المرفق الطبي العام.
المطلب الثاني: أركان المسؤولية الإدارية عن الأعمال الطبية.
المطلب الأول
الالتزامات الأساسية للطبيب في المرفق الطبي العام
ساد أوساط الفقه القانوني والاجتهاد القضائي جدل واختلاف حول طبيعة الالتزامات الأساسية للطبيب، واستقر الرأي على أن الطبيب لا يلتزم بتحقيق أية نتيجة في علاج المريض، وهذا ما كرسه المشرع اللبناني في المادة (28) من قانون الآداب الطبية التي نصت على أن الطبيب لا يلتزم بموجب نتيجة معالجة المريض بل بموجب تأمين أفضل معالجة مناسبة له، فالطبيب ملزم بتشخيص المرض، ووضع العلاج ومتابعة تنفيذه ومراقبة المريض ونتائج العلاج.
من المعلوم أن الطبيب لا يلتزم بضمان شفاء المريض الذي تحكمه عدة عوامل تتعلق بمناعة جسم المريض وسنه وحجم ونوع وزمن مرضه، كما لا يلتزم الطبيب بتحقيق أية نتيجة في علاج المريض أو بمنع استفحال المرض، على أن يعتني به عناية كافية وبإنسانية ورفق واستقامة، وبكل دقة وضمير حي، وفقاً لأحدث المعطيات العلمية المعمول بها، والتي تشترطها أصول المهنة الطبية ومقتضيات فن الطب وما يلحقه من تطور وتقدم( ).
غير أن المستجدات العلميـة التـي مسـت المجـال الطبـي قـد غيرت بعـض الشـيء مـن منـحـى طبيعـة هـذا الالتزام، كمـا أن مهنـة الطـب كونهـا مهنـة أخلاقيـة بالغـة تجعل الطبيـب يحاط بمجموعـة مـن الالتزامـات الأساسية التي من شأنها أن تكفـل السـير الحسن للمصلحة وحقوق المريض، وعليه سنقسم المطلب إلى الفرعين التاليين :
الفرع الأول: الالتزامات القانونية للطبيب
الفرع الثاني: التزامات الطبيب في العمل الطبي
المطلب الثاني
أركان المسؤولية الإدارية عن الاعمال الطبية
لقد حصلت العديد من التطورات على نظام المسؤولية الإدارية عن العمل الطبي، وقد كان أهم تطور حاصل عليها يتضمن العدول في بعض الحالات ووفق شروط معينة عن نظام أركان المسؤولية الثلاثي المتكون من الخطأ والضرر والعلاقة السببية إلى نظام أركان المسؤولية الثنائي المتكون من الضرر والعلاقة السببية، وبالتالي يتطلب تحديد مدى المسؤولية غير الخطئية من خلال بيان الشروط والظروف التي تعد أرضية لهذه المسؤولية ( ).
إن دراسة أركان المسؤولية الإدارية عن الأعمال الطبية تؤدي بنا إلى معرفة حقيقة المسؤولية المذكورة، لأن الركن يعد جزء من حقيقة الشيء، ومنظومة أركان المسؤولية الإدارية عن الأعمال الطبية أصابها التطور في بعض الأعمال التي تقوم بها المرافق الطبية العامة، وتشابهت مع أركان المسؤولية المدنية الطبية في أعمال أخرى وذلك ضمن الإطار العام وإن اختلفت في الجزئيات المتعلقة ببعض هذه الأركان، وسنتناول في هذا المطلب الحديث في فرعين كالتالي:
الفرع الأول: الخطأ كأحد أركان المسؤولية الإدارية
الفرع الثاني: الضرر والعلاقة السببية
الفصل الثاني
تطور المسؤولية الطبية وآثارها
نشأت المسؤولية الإدارية بصورة عامة نتيجة اجتهادات القضاء الفرنسي، حيث أن الوقائع التي كانت تفرض على القضاء الإداري نسجت أول خيوط نظرية المسؤولية الإدارية، وهكذا حصل الانتقال من الجزئيات إلى النظريات لا العكس، وبالتالي فإن نظرية المسؤولية الإدارية قامت على مرتكزات الواقعية.
لم تتقرر المسؤولية الإدارية إلا بعد رفض لفكرة سيادة الدولة وانعدام الخطأ من جانبها خاصة حينما تمارس السلطة، ويرجع إلى القضاء فضل تنظيم المسؤولية الإدارية بوضع القواعد المنظمة لها دون التقيد بنصوص معينة، وقد استبعد حكم (بلانكو) نصوص القانون المدني كأساس لتنظيم المسؤولية الإدارية، وأسس الحكم وفق نظرية مستقلة للمسؤولية الإدارية صاغها القضاء الإداري( ).
لقد تم بناء المسؤولية الإدارية أول الأمر على الخطأ، ولم يقبل الاجتهاد الإداري مطلقاً أن أي خطأ كما في القانون يوجب التعويض، فالمسؤولية الإدارية تبنى تارة على الخطأ، وتارة تبنى على أساس مختلف عن الخطأ، فالخطأ الشخصي يؤدي إلى مسؤولية الإدارة عندما لا يكون مجرداً من أي رباط بالوظيفة، كما أن للإدارة عندما يشترك الخطأ الشخصي للموظف مع خطأ الإدارة في إحداث الضرر قد تنقاد إلى التعويض عن كامل الضرر، وللإدارة في الحالتين حق الرجوع على الموظف.
أما خطأ الوظيفة فهو الخطأ المنسوب إلى موظف أو أكثر، وليس له طابع الخطأ الشخصي ويرتكز خطأ الوظيفة على التقصير في موجبات الخدمة ولا يمكن تعداد مختلف أخطاء الخدمة؛ لأن ذلك يعني دراسة قواعد عمل المرافق جميعاً، وقد يرتكز على عمل كما في الامتناع أو التصرف الإرادي أو الرعونة، ويمكن أن يتكون من عمل إداري، وقد يرتكز على خطأ في تنظيم المرفق.
منذ أن جمعت المسؤولية التقصيرية للدولة، وإدارات الحكم المحلي أمام جهة القضاء الإداري عام1908، تقرر اختصاص المحاكم الإدارية في نظر نزاعات المسؤولية الطبية الناتجة عن أفعال موظفي الإدارة، والمساعدين الطبيين للمشافي العامة، وذلك بموجب القواعد العامة للمسؤولية الإدارية.
إن المسؤولية المترتبة على أعمال الأطباء العاملين في المشافي العامة تختلف عن المسؤولية التقصيرية للدولة وإدارات الحكم المحلي، فهم لا يخضعون للنظام العام لموظفي الدولة، والإدارات المحلية، ومن ناحية أخرى فإن الوضع الخاص للأطباء في علاقات العناية والعلاج، بما في ذلك العناية في المشافي العامة مع مرضاهم قد دفعت القضاء العدلي بتأييد وموافقة محكمة النقض الفرنسية إلى أن يعلن نفسه مختصاً في نظر دعاوى المسؤولية الناتجة عن نشاط الأطباء في المؤسسات الطبية العامة على الأقل( ).
فيما يتعلق بالنشاطات الطبية المحضة لهؤلاء تتمثل العلة في اتجاه محكمة النقض الفرنسية بالاستقلال الفني الذي يتمتع به الطبيب، وإن كان منظماً للهيكل الإداري للدولة، وكذلك شعور القضاة العدليين بالنظر لمبادئ قانونية أكيدة بأنهم الحماة الطبيعيون للشخص الإنساني، وفي نفس الوقت كان القضاء الإداري الفرنسي يرى نفسه هو المختص في الفصل بدعاوى المسؤولية التي ترفع إليه للتعويض عن الأضرار المنسوبة لأخطاء الأطباء العاملين في المشافي العامة، ووجهة نظرهم تم بناؤها على أساس أن الطبيب يساهم مباشرة في تنفيذ خدمات الاستشفاء العامة.
تقسم المسؤولية الإدارية المتعلقة بالمرافق الطبية العامة إلى المسؤولية غير الخطئية، وإلى المسؤولية القائمة على الخطأ، وهذا التقسيم مبني على اعتبار وجود الخطأ وعدم وجوده كما أنه إذا تحققت مسؤولية الإدارة فان جزاءها هو التعويض كما قد يكون عقوبات تأديبية عليه قسمت هذا الفصل الى مبحثين:
المبحث الأول: المسؤولية الطبية أمام القضاء الإداري والعدلي
المبحث الثاني: آثار المسؤولية الإدارية الناجمة عن الأعمال الطبية أمام القضاء الإداري والعدلي


المبحث الأول
المسؤولية الطبية أمام القضاء الإداري والعدلي
إن خضوع إدارة الدولة للقانون هو أحد فصول خضوع الدولة بوجه عام لأحكام القانون، فالنشاط العام الإداري بات محكوماً بمبدأي الشرعية والمسؤولية، مبدأ المسؤولية الذي يتضمن تحميل الدولة التزام جبر الأضرار المسببة للأفراد بفعل نشاطها مالياً، وتعاظمت أهميته بتطوير نظامي المسؤولية الإدارية على أساس الخطأ والمسؤولية دون خطأ، ليصبح دعامة أساسية لدولة القانون.
ومن البداية، أعلن القضاء الإداري الفرنسي عدم صلاحية نصوص القانون المدني للتطبيق على المسؤولية الإدارية، لينصرف لبناء قانون متميز من خلال ابتكار أحكام، وحلول خاصة، وتطويرها، وتكييفها بما يوفر التوازن المطلوب من حاجات المرافق العامة، ومصالح الأفراد في الحماية، وتطبيقاً لذلك عرفت الدولة تحولات أدت إلى توسيع ملموس لمسؤولياتها التي تعدت الحفاظ على التوازنات الكبرى، فأخذت على عاتقها الحماية الاجتماعية، الأمر الذي كرس بروز صورة جديدة للدولة كمتكفل بتلك المهمة، لها إمكانيات وقدرة الاستجابة لتلك المتطلبات الاجتماعية، ودون شك فإن الصحة العامة هي من أهم مجالات تدخل الدولة، ويحب أن يشكل الفعل المولد للضرر إما خطأً موجباً للمسؤولية، أو مخاطر أو إخلالا بالمساواة أمام الأعباء العامة، وهذا ما يقود إلى دراسة الشروط المتعلقة بالفعل المولد للضرر( ).
تضطلع المرافق الاستشفائية بدور أساسي، ليس فقط في مجال الرعاية الصحية للمواطن لكن بالمساهمة في التكوين والبحث العلمي، وهذا ما يعكسه الحجم الكبير للإمكانيات المالية والبشرية التي تسخرها الدولة للقيام بالمهمة في أحسن الظروف.
لقد أصبح هناك تزايد كبير لطالبي الخدمة الطبية العامة من مختلف فئات المجتمع وعلى نوعها، بعض النظر عن زمن طلبها أو ظروفه، حيث أن تلك الأدوار والمهام المتعددة المنوطة بالمرافق الاستشفائية تفتح أيضا الباب لتنوع مصادر الفعل المولد للضرر، فمستخدمو المرافق الاستشفائية من محترفي الصحة العامة، وهم معرضون بصورة مستمرة لارتكاب الأخطاء، نظراً لحساسية، ودقة تنفيذ بعض الأعمال، والصعوبات الملازمة لبعض التدخلات( ).
لنستوفي غايتنا من هذا المبحث سوف نقسمه إلى مطلبين:
المطلب الأول: المسؤولية الإدارية بدون خطأ وتطبيقاتها.
المطلب الثاني: المسؤولية الإدارية القائمة على الخطأ الطبي وتطبيقاتها.
المطلب الأول
المسؤولية الإدارية بدون خطأ وتطبيقاتها
إن مسؤولية الإدارة عن أعمالها دون خطأ هي نظرية من ابتداع مجلس الدولة الفرنسي، تهدف إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم، وتقدم لهم التعويض مقابل الأضرار التي لحقت بهم نتيجة لنشاط الإدارة المشروع، وقد وجد مجلس الدولة الفرنسي الأساس القانوني لهذه النظرية في البداية في نظرية تحمل التبعة، ومن ثم في مبدأ المساواة، وتحمل أعباء التكاليف العامة ضماناً لتحقيق التوازن بين امتيازات الإدارة وحقوق الأفراد( )، تنعقد وتقوم في نطاق النظام القانوني الإداري و تتعلق بمسؤولية الدولة و الإدارة العامة عن أعمالها الضارة.
وتعتبر مسؤولية الإدارة عن أعمالها دون خطأ حالة القانونية التي تلزم فيها الدولة أو المؤسسات والمرافق والهيئات العامة الإدارية بدفع تعويضها، عن الضرر أو الأضرار التي تتسبب بها للغير بفعل الأعمال الإدارية الضارة سواء كانت هذه الأعمال الإدارية مشروعة أو غير مشروعة فهي تتحمل التعويض دون وجود الخطأ، ولا يطالب المضرور بإثباته، من أجل جبر الأضرار التي نتجت عن أعمالها الضارة ومنه يكون قد تحصل على حقوقه. وجاءت المسؤولية الإدارية دون خطأ لحماية حقوق الأفراد من تجاوزات الإدارة العامة التي يمكن أن تستغل امتيازاتها.
لا تتعمد الإدارة ارتكاب الأخطاء، ولكن بمناسبة ممارستها لنشاطاتها المشروعة قد تلحق الأضرار بالأفراد، ومن غير العدالة أن لا يعوض المتضرر، ومن هنا سوف نقسم المطلب إلى فرعين:
الفرع الأول: مفهوم المسؤولية الإدارية القائمة بدون خطأ طبي.
الفرع الثاني: تطبيقات المسؤولية الإدارية القائمة بدون خطأ طبي.
المطلب الثاني
المسؤولية الإدارية القائمة على الخطأ الطبي وتطبيقاتها
تتكون المسؤولية القانونية عند الإخلال بواجب قانوني يترتب عليه ضرر بالغير، سواءً كان الضرر يمس مصلحة المجتمع ككل أو فرد معيناً بذاته، والعمل الطبي ينصب على تدخل طبي علاجي عادي أو جراحي، يتعلق بحياة المريض وسلامته الجسدية التي تعتبر من الحقوق اللصيقة بالإنسان كأصـل عـام في التشريع أو القانون وعـدم المساس بها واجب، ومن هنا كان الخطأ الطبـي أمـراً وارداً والركيزة الأساسية في تحقق المسؤولية الطبية هو تعدد أنواعه سواء تعلق الأمر بالمسؤولية المدنية أو الجزائية أو التأديبية أو الإدارية.
إن المسؤولية الإدارية تشغل حيزا واسعا من التطبيق في ميدان الصحة العامة، حيث نجد اشتراط ركن الخطأ الطبي كأساس لقيام المسؤولية في حق المرفق الطبي، بالإضافة إلى توفر شروط أخرى لقيام هذه المسؤولية منها الضرر وهو شرط لازم لأن التعويض يعتمد على نسبة الضرر و يعد ركنا لازما لاعتماد التعويض عليه و لا يكفي مجرد وقوع الضرر للمريض وثبوت خطأ الطبيب بل يلزم وجود علاقة مباشرة بين الخطأ والضرر وهذا ما يعبر عنه بالعلاقة السببية وهي شرط ثالث للقيام المسؤولية وتحديدها من الأمور العسيرة لتعقد جسم الإنسان.
ولعل أهم المرافق الموجودة للاستجابة لمتطلبات الصحة العامة هي المرافق الاستشفائية، وجب إقرار قوانين خاصة بها ووضع قواعد تنظيمية تراعي خصوصية هذا النوع من المسؤولية، ورغم ذلك تبقى فكرة الشفاء بعيدة عن السيطرة إلا أنه وجب على الطبيب الالتزام ببذل العناية اللازمة وعموما الإثبات يقع على عاتق المريض، ويبقى القاضي الإداري هو المختص لتقدير خطأ الطبيب في الميدان الاستشفائي، ولقد ضمن القانون للمضرور حق اللجوء إلى القضاء للمطالبة بتعويض عن الضرر الذي أصابه نتيجة النشاط الإداري للمستشفى وذلك عن طريق دعوى التعويض.
من هنا سوف نقسم هذا المطلب إلى فرعين:


الفرع الأول: المسؤولية المترتبة على الأطباء في المرافق الطبية العامة.


الفرع الثاني: تطبيقات المسؤولية الإدارية المترتبة على الخطأ الطبي.
المبحث الثاني
آثار المسؤولية الإدارية الناجمة عن الأعمال الطبية أمام القضاء الإداري والعدلي
عندما تتحقق المسؤولية الإدارية، تنعقد بموجبها عدة آثار، تتمثل بالدعوى الإدارية والدعوى التأديبية، والجزاءات المترتبة المتمثلة بالتعويض الناجم عن الضرر سواء في المسؤولية القائمة على خطأ أو المسؤولية غير القائمة على الخطأ، والعقوبات الانضباطية أو التأديبية، فالدعوى الإدارية هي من الدعاوى التي يقدمها من له مصلحة من الأفراد أمام القضاء الإداري، بهدف المطالبة بتعويض إذا ما أصابه ضرر نتيجة أعمال الإدارة وما تقوم به من نشاطات في المرفق الطبي العام.
تهدف هذه الدعوى أساساً إلى المطالبـة بـالتعويض لجبـر الضرر الواقع على المنتفعين، والذي ينتج عن الأعمال الإدارية المادية، والقانونيـة( )، ويملـك القاضي الإداري فيهـا سلطة البحث، والتحقـق مـن كيفيـة المسـاس لـهـذا الحـق مـن طـرف الإدارة، ويقوم بتقـدير الضـرر الناتج عـن فعلهـا( ).
كذلك تعد الدعوى التأديبية إحدى الآثار المترتبة على المسؤولية الإدارية، والأضرار الواقعة على المنتفعين من خدمات المرافق الطبية العامة، والتي يمكن تحريكها بحق الموظفين العاملين في تلك المرافق، عند إخلالهم بالواجبات التي تفرضها عليهم القوانين الوظيفية، والالتزامات الإدارية، وما ينجم عنها من عقوبات انضباطية وتأديبية، تترتب على قيام المسؤولية التأديبية، وتخضع هذه العقوبات لمبدأ التناسب مع الفعل.
إضافةً إلى تلك العقوبات يعتبر التعويض من الآثار التي تترتب على ثبوت المسؤولية الإدارية، ويمثل النتيجة التي تؤدي إلى إصلاح الضرر، وينشأ التعويض المرتبط بالمسؤولية الإدارية عن الأعمال الطبية عن المسؤولية الخطئية والمسؤولية غير الخطئية، ولمزيد من التوضيح في آثار المسؤولية الإدارية الناجمة عن الأعمال الطبية من خلال المطلبين الأتيين:

المطلب الأول: الدعوى الإدارية والدعوى التأديبية.
المطلب الثاني: الجزاءات المترتبة على المسؤولية الإدارية في.
المطلب الأول
الدعوى الإدارية والدعوى التأديبية
إن الأخطاء التي يقترفها العاملون في المرافق العامة الطبية يترتب عليها آثار أولها إقامة الدعوى الإدارية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي يسببها الخطأ الإداري، كما يمكن أن تقام الدعوى الإدارية للمطالبة بالتعويض حتى في حالة عدم حصول خطأ من جانب الإدارة، كما هو الحال بالنسبة للمسؤولية من دون خطأ، ذلك بالإضافة إلى الدعوى التأديبية التي تقام بحق من يرتكب الجريمة التأديبية.
بناءً عليه سوف نقسم هذا المطلب إلى فرعين:
الفرع الأول: في موضوع الدعوى الإدارية.
الفرع الثاني: الدعوى التأديبية في الفرع الثاني.
المطلب الثاني
الجزاءات المترتبة على المسؤولية الإدارية
إذا تحققت مسؤولية الإدارة فان جزاءها هو التعويض ويهدف التعويض إلى جبر الضرر الواقع سواء اكانت المسؤولية قائمة على أساس الخطأ أم قائمة بدون خطا على أساس المخاطر أو تحمل التبعة، وقد يترتب على الطبيب نوع أخر من المسؤولية لا تقوم على اعتبارات قانونية بل توزن وتقاس على أساس تقاليد وأخلاقيات مهنية مستقلة بقصد المحافظة على شرف أنبل مهنة على وجه المعمورة، ويطلق على هذه المسؤولية تسمية المسائلة التأديبية، عليه قمنا بتقسيم هذا المطلب على النحو الآتي:
الفرع الاول: التعويض
الفرع الثاني: العقوبات التأديبية
الخاتمة:
ختاماً بعد أن قمنا بالحديث عن تحديات تحقيق المسؤولية الطبية امام القاضي الإداري والعدلي محاولين تقديم حلول للإشكالية التي طرحت نجد بأن القانون يرتـب على المرافـق الطبيـة مسـؤولية إداريـة علـى أساس الخطـأ، فالخطـأ هـو الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية الإداريـة كأصـل عـام سـواء أكـان هـذا الخطـأ هـو مـن فـعـل الطبيب، أو مـن فـعـل المرفق، ومسؤوليته دون خطـأ كقاعدة استثنائية، وتقوم المسؤولية فـي إطـار علاقات قائمـة فـي المرفق الطبـي، فهذه العلاقات تربط بين المريض، والمستشفى باعتباره يتمتـع بحـق اللجوء إلـى هـذا المرفق، والانتفاع من خدماتـه الصحية.
كمـا تقـوم المسؤولية الإداريـة فـي إطـار العلاقة القائمـة بين الطبيب، والمستشفى علاقة تبعية، والتـي يخضـع لهـا الموظـف داخل المستشفى، ففـي الغالـب مـا يحدث أن ترتكب فيه أخطاء، والتي ينتج عنهـا أضـرار تلحق بالمريض، وهذه الأخطاء المرتكبة يمكـن أن تكـون شخصية صـادرة من الأطباء، أو الممرضين سـواء أكان ذلك أثناء أدائهم لمهامهم، أو خارج نطاقهـا.
بالإضافة إلى هذه الأخطـاء يقع على المدعي عـبء إثبـات أركـان المسؤولية الإداريـة مـن خـطأ، وضـرر، والعلاقة السببية بينهما، والتي يصعب إثباتها في المجال الطبي فيكـون شـاقاً عليـه إثبـات خطـأ الطبيب.
للقاضي الإداري دور فـي مجـال الإثبـات قلـه أن يستعمل كل الوسائل التـي تمكنـه مـن إثبـات وجـود خـطـأ مرتكـب مـن قبـل الطبيب، المسبب للضـرر الذي أصـاب المتضرر، فلا يكتفي بالنظر في مستندات الخصـوم للفصـل فـي القضية فيستعين في ذلك بالخبرة الطبية فهـي مـن وسائل الإثبات المشروعة التي يتولاها الخبير الطبـي، فيتـولى هـذا الخبير إنجـاز المهام الموكلة إليـه بكـل حـذر، وحيطـة، فالقاضـي الإداري هـو الـذي يحـدد المهام الخاصـة بـه، فيقـوم الخبير الطبـي بإعداد تقرير خبـرة يحتوي على جميع المعلومات، والنتائج التـي توصـل إليهـا، والمتعلقة بالقضية فيكـون للقاضي السلطة في تأسيس حكمـه علـى تقرير الخبرة فهو غير ملزم بالأخـذ بـه للفصـل في القضية المعروضـة عليـه.
لا أحد يشك في الدور الحساس الذي يلعبه مرفق المستشفى خاصة بعد التحسن الملحوظ في أدائه وخدماته وسهر العاملين عليه في حماية ورعاية المرضى، وكذلك سعي الدولة المتواصل في تجهيز مختلف هذه المستشفيات بكل الوسائل الضرورية التي من شأنها أن تحقق وتضمن الأداء الحسن لمثل هذه المرافق، إلا أن ذلك لا يتأتى إلا بتضافر جهود الجميع خاصة منهم الأطباء، والتقليل ولو بنسبة ضئيلة لعدد الأخطاء والإصابات التي تصيب المرضى والتخفيف بذلك من عدد القضايا التي ترفع ضدهم وضد المستشفى.
يجد القضاء نفسه في وضع لا يحسد عليه عندما يعرض عليه نزاع يكون أحد أصحاب المهن الطبية طرفا فيها، هذا لتردده من إصدار أحكام قاسية ضد الأطباء تخوفا القضاء على روح الاستقرار والبحث لدى الأطباء هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحكم على تعويض عادل وجابر للضرر الذي ألم بالمريض، وإن أدى إلى ضمان حق هذا الأخير فإنه قد ينقص أو يخل بتوازن الخزينة العمومية.
بعد استكمال البحث لفصوله، وما انطوى عليه من مباحث ومطالب توصلنا إلى جملة من النتائج والتوصيات.
أولاً: النتائج
1- إن مسؤولية الإدارة عن أعمالهـا الخاطئة مبنيـة علـى ثـلاثة أركـان لا بـد مـن توافرهـا، وهـي الركن الأول الخطأ الذي تجريه الإدارة والركن الثاني الضرر الذي يلحـق بـالأفراد، أما الركن الثالث هو العلاقة السببية بين الخطـأ، والضـرر، أمـا المسؤولية بـدون خطأ فتقوم على ركنين هما الضرر، والعلاقة السببية.
2- إن المسؤولية المترتبة على أعمال الأطباء العاملين في المشافي العامة تختلف عن المسؤولية التقصيرية للدولة وإدارات الحكم المحلي، فهم لا يخضعون للنظام العام لموظفي الدولة، والإدارات المحلية، ومن ناحية أخرى فإن الوضع الخاص للأطباء في علاقات العناية والعلاج، بما في ذلك العناية في المشافي العامة مع مرضاهم قد دفعت القضاء العدلي بتأييد وموافقة محكمة النقض الفرنسية إلى أن يعلن نفسه مختصاً في نظر دعاوى المسؤولية الناتجة عن نشاط الأطباء في المؤسسات الطبية العامة على الأقل.
3- إن المسؤولية بدون خطأ هي مسؤولية ذات طابع موضوعي تدور حول الضرر كسبب لنشاط الإدارة من عدمه، فهو بحث موضوعي يرتكز على تحليل هذا النشاط، وليست ذات طابع شخصي تدور حول معرفة مرتكب الخطـأ ودوافعه، فوقوع الضرر هو محل البحث لا من ارتكب الفعل أو الخطأ الذي نتج عنه الضرر.
4- إن سبب القرار التأديبي بوجه عام هو مضمون المخالفة وإخلال الطبيب بواجبات وظيفته أو إتيانه عملاً من الأعمال المحظورة عليه أو خروجه عن السلوك الذي تقتضيه الوظيفة أو إخلاله بكرامتها أو بالثقة بأحد الواجبات الوظيفية.
5- إن مسؤولية الطبيب في العراق تخضع للقواعد العامة ولا توجد نصوص خاصة لتجريمها وهي تخضع لأحكام المادة 411 من قانون العقوبات في حالة الوفاة والمادة 416 في حالة الإصابة الخطأ وما يترتب عليها من مضاعفات.
6- عندما تتحقق المسؤولية الإدارية، تنعقد بموجبها عدة آثار، تتمثل بالدعوى الإدارية والدعوى التأديبية، والجزاءات المترتبة المتمثلة بالتعويض الناجم عن الضرر سواء في المسؤولية القائمة على خطأ أو المسؤولية غير القائمة على الخطأ، والعقوبات الانضباطية أو التأديبية، فالدعوى الإدارية هي من الدعاوى التي يقدمها من له مصلحة من الأفراد أمام القضاء الإداري، بهدف المطالبة بتعويض إذا ما أصابه ضرر نتيجة أعمال الإدارة وما تقوم به من نشاطات في المرفق الطبي العام.
7- تعد دعوى التعويض دعوى شخصية ذاتية، باعتبار أن هذه الدعوى تتحرك وتنعقد على أساس حق أو مركز قانوني شخصي وذاتي لرفعها، وتستهدف تحقيق مصلحة شخصية، وذاتية تتمثل في مزايـا وفوائد شخصية، وتترتب على الطبيعة الشخصية لدعوى التعويض نتائج وأثار قانونية، ومن ذلك وجوب توفر شرط الصفة، والمصلحة لرفع وقبول دعوى التعويض.
8- إن أساس المسؤولية الإداريـة فـي العـراق، هـو الخطـأ المفترض وقـد أقـر المشرع العراقـي مبـدأ مسؤولية الدولـة عـن أعمالهـا، بموجـب المـادة (219) مـن القـانون المدني العراقي رقم (40) النافذ منـذ عـام 1953، وأن الجهة المختصـة فـي نظـر دعـاوى المنازعـات الخاصة بأعمال الإدارة المادية تتمثل بالقضـاء العـادي.
ثانياً: التوصيات
1 – على المشرع العراقي ان يقوم بإقرار المسؤولية بـدون خطـأ جنباً إلى جنـب مـع مسؤولية الإدارة لغرض تعويض المتضـرر سـواء أكـان شخصاً طبيعياً، أو معنوياً، إذ لا بـد مـن جبـر الضـرر تحقيقاً لمبـدأ المساواة بين الأفراد.
2- العمل على توحيـد موقف القضاء الإداري مـع موقـف القضـاء العـادي فـي العراق الذي استقر على تقرير مسؤولية الإدارة القائمـة علـى أسـاس تحمـل التبعية.
3- يجب أن يتضمن القانون نصـاً يشير إلـى عـدم مسؤولية الطبيب إلا عـن خطـأه الشخصي، أمـا عـن الأخطـاء المرفقيـة فيجب أن يتحملـه المستشفى لوحـده، ولا يرجع على الطبيب بما دفعه من تعويض.
4- يجب العمل على اعداد نظام تأمين إلزامي على الأطباء وذلك للتأمين عن أعماله الطبية في حال حصل ضرر على المريض.
5- الاهتمام بالمرافق الصحية العمومية وذلك يوضع قوانين صارمة تخلق جوا من النشاط والانضباط، والحد من التهاون والتماطل الذي تعرفه المستشفيات العمومية، تحديد التزامات الأطباء العاملين في هذه المرافق والواقعة على عاتقهم والتي لا يجب الخروج عنها أو تجاوزها والتزامات جميع الموظفين.
6- يجب تزويد المرافق الطبية بأفضل الوسائل والإمكانيات اللازمة والتي تسمح بعلاج المرضى على أكمل وجه، أو ضمان جودة الأغذية المقدمة للمرضى المتواجدين فيه
7- يجب وضع أسس سهلة التطبيق عند حدوث الأخطاء الطبية، وذلك لتعويض المرضى وإنشاء صندوق خاص بالتعويض عن الحوادث الطبية التي تلحق المتضررين من الأخطاء الطبية، إنماء الشعور بالمسؤولية لدى الموظفين في المرافق الصحية العامة.