التطورات الحديثة لأسس مسؤولية الموظف والإدارة أمام القاضي الإداري (دراسة مقارنة)

المقدمة
منذ بداية الانسان وفي تاريخه الحافل كان العدل وسيبقى حلم حياته، وأمل مفكريه، وجوهر شرائعه، وسياج أمنه، وهو من أسمى مقومات الحياة، وارسخ دعائمها، فشعور المواطن بأن العدل قريب منه، ميسر له يمنحه الإحساس بالراحة والأمان.
وإذا كان العدل حقاً مقدساً لكل إنسان، فأن تأمينه له هو مسؤولية الدولة، والتي يقع على عاتقها إيجاد السلطة التي تكفل تحقيق العدل في ربوعها، فالعدل لا يتحقق من تلقاء نفسه، وليس للإنسان أن يقتضيه لنفسه بنفسه، بل أن تحقيقه من واجب الدولة ورسالتها من خلال إيجاد نظام شامل، متكامل، مستقل محايد، فالقضاء في حقيقته هو موطن العدل وفحواه، الأمر الذي يستلزم معه تحقيق وتوفير كل مستلزمات الاستقلال لهذا القضاء، استهدافاً لكمال ادائه لوظيفته، وتقديراً لسمو رسالته.
تعد المسؤولية الإدارية مسؤولية الدولة والإدارة العامة دليل من أدلة وجود فكرة الدولة القانونية ومبدأ الشرعية وتطبيقاً من تطبيقات فكرة الدولة القانونية ومبدأ الشرعية الدولية المعاصرة بصورة حقيقية وسليمة إذ أن تطبيق مسؤولية الإدارة هو مظهر من مظاهر خضوع الدولة والإدارة العامة لرقابة القضاء على أعمالها، فهي تعتبر أدق وأهم موضوعات القانون الإداري وذلك بسبب أنشطتها التي تقوم بها المرافق والإدارات العمومية بواسطة أشخاص طبيعيين الممثلين لها في جميع الأصناف وعليه لا يمكن تصور قيام المسؤولية الإدارية دون أن يكون القانون الإداري في حالة نشيطة.
كما تعتبر المسؤولية الادارية من أهم موضوعات المنازعات الإدارية حيث أنه بعدها كانت الدولة ولمدة طويلة من الزمن غير مسؤولة عن أعمالها إلا أننا نجدها تختلف في أساليبها ومفاهيمها أيضاً وأبسط شيء نجد أنها اختلفت حتى في تعريفها للمسؤولية.
تعتمد الدولة بالدرجة الأولى على المرافق العامة من أجل تحقيق أغراضها وأهدافها المستمدة من سياستها العامة، غير أن هذه المرافق هي الأخرى لا تعمل بمفردها إذ يتطلب ذلك توفر عدة وسائل مادية ووسائل بشرية متمثلة في الموظفون العموميون وعلى هذا الأساس يعتبر الموظف العام بمثابة حجر الزاوية التي يقوم عليها المرفق العام لأنه يشكل الأداة الفعالة لتحقيق أغراضه الأساسية لاسيما تلك المتعلقة بتقليم الخدمة والمنفعة العامة للمواطن.
نتيجة لازدياد وظائف الدولة يزداد دور الموظفين بشكل كبير خاصة مع اتساع تدخلها في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية وذلك لمواكبة الدول المتقدمة، مما يتطلب ضرورة صياغة قواعد قانونية كفيلة بتنظيم الجهاز الإداري للمرافق العامة تتماشى مع هذه التطورات عموما وتسيير الموظف العمومي بصفة خاصة.
نظراً لأن العلاقة الوظيفية ترتب حقوق للموظف العام وفي نفس الوقت تفرض عليه جملة من الواجبات والتزامات المختلفة التي تمليها عليه القوانين واللوائح المتعلقة بالوظيفة العامة، غير أن ذلك لا يمنع هؤلاء الموظفين من ارتكاب أخطاء ومخالفات أثناء قيامهم بوظائفهم أو بمناسبتها مما تجعل الموظف في وضعية تأديبية تترتب من خلالها مسؤولية تأديبية وقد تصل أحيانا إلى مسؤوليات أخرى وذلك حسب طبيعة الخطأ.
لقد اعتمد الفقه والقضاء الإداريين على نوعين أساسيين للمسؤولية هما المسؤولية على أساس الخطأ والمسؤولية على أساس المخاطر (بدون خطأ)، فأخذ الاتجاه الحديث لقضاء مجلس الدولة بأن العمل الإداري الخاطئ يعد الأساس الأصلي للمسؤولية الإدارية والأساس التكميلي يتحقق حتى بدون خطأ في حالات وشروط محددة نزولاً عن فكرة العدالة التي تتوجب التعويض عن الأضرار الناشئة عليه ولذلك لها أهمية كبيرة من منطلق أنها قاعدة عامة وأصلية بحيث نجد أنها ظهرت منذ زمن بعيد وهي تقوم على ثلاثة أركان الخطأ والضرر والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
أما المسؤولية على أساس المخاطر (بدون خطأ) فقد ظهرت أولاً في القانون الخاص تأسيساً لفكرة المخاطر ولكنها مرت بعدة تطورات في القانون العام ولذلك أصبحت تشكل أحد أهم موضوعاته.
إن مبدأ خضوع الدولة للقانون، يعني أيضاً، خضوعها للقضاء، وإمكان مقاضاتها أمامه، ونزولها على أحكامه، ولا تقوم للدولة القانونية إلا بوجود رقابة قضائية، حقيقية وفعالة، على أعمال السلطة التنفيذية، ففي الدول الديمقراطية لا تمارس الإدارة سلطاتها بلا حدود، أو ضوابط، وإنما تخضع لما يفرضه القانون عليها من قواعد، لممارسة وظائفها واختصاصاتها.
وإذا لم يوجد جزاء منظم لتلك القواعد فإنها لا يمكن أن تشكل قيداً حقيقياً على نشاط الدولة والواقع أنه لا قيمة لمبدأ الشرعية في الدولة ما لم يقترن بمبدأ آخر، مضمونه احترام أحكام القضاء، وضرورة تنفيذها فالحماية القضائية لا تنعقد إلا بتمام تنفيذ الأحكام؛ إذ لا قيمة للقانون بغير تنفيذ، ولا قيمة لأحكام القضاء من دون تنفيذها.
إن الفائدة الحقيقية من وراء إقامة الدعاوى، تتوقف في النهاية-على الآثار القانونية التي تنتج عن الحكم، وما يتبع ذلك من نتيجة عملية، والحكم القضائي، لا يصدر لمجرد بيان أحقية المدعي في دعواه، فالمحكوم له، لا يهمه سوى فاعلية الحكم الذي بيده.
صحيح أن المطالبة بالحق لا تخلو من أهمية لكن الأهم منها هو أن تتوافر لهذا الحق إمكانية تحويله إلى واقع بالتنفيذ؛ بحيث يقوم المحكوم له باتخاذ مقدمات التنفيذ، إلا إذا أقيم قبل التنفيذ أو اثناءه إشكال أو منازعة في التنفيذ.
ونظراً لما تتمتع به الإدارة من استقلال، وبسبب حظر طرق التنفيذ العادية ضدها، فإنها هي من يقوم بتنفيذ الحكم الذي يفترض أن تقوم بتنفيذه طواعية، ما يعرض المحكوم له لما قد تتسم به هذه الإدارة من سلبية، أو سوء نية، فتماطل أو تمتنع عن تنفيذ الحكم.
ولأنه في ظل غياب نظام جزائي محدد، فإن الإدارة قد تستخدم الحيل والمناورات، للإفلات من الرقابة القضائية، وأحيانا مواجهتها مباشرة؛ إذ تتذرع الإدارة بالمصلحة العامة، ومصالح المرفق العام، وتارة تتعلل بالمحافظة على النظام والأمن العام، وتارة قد تتذرع بالصعوبات المادية والقانونية، التي قد تتعرض لها أثناء تنفيذ الحكم، ولذلك، إن القضاء بما يتميز به من اعتدال، يقوم بتقدير موقف الإدارة بدقة شديدة، ويرفض كثيرا أن يأخذ في اعتباره الظروف التي تعتقد الإدارة أن في إمكانها الاحتجاج بها، وهي لا تستهدف بذلك، سوى تأكيد استقلالها، على الرغم من أن مبدأ احترام الشيء المقضي به يجب أن تكون له الصدارة.
الفصل الأول: المسؤولية الحديثة المترتبة على أطراف الوظيفة العامة
إن الدولة هي مجموعة من المرافق العامة التي تضطلع بنشاطات متعددة سواء كانت تتمثل بمرفق القضاء الذي تمارسه السلطة القضائية، وكذلك المرافق العامة الإدارية سواء كانت مرافق إدارية بحتة أو مرافق اقتصادية وتجارية، فإن نشاط هذه المرافق له صلة مباشرة بتقديم الخدمات العامة للجمهور، لذلك اقضي الحال والواقع العملي أن تستعين الإدارة بمجموعة من الوسائل التي تمكنها من أداء وظيفتها، وذلك لأن الإدارة عبارة عن شخص معنوي عام، لا تمارس نشاطها وأعمالها إلا من خلال ممثليها اللذين يقومون بأعمالها من الأشخاص الآدميين (أي الموظفين)، فهؤلاء هم وسيلة الإدارة البشرية إلى جانب الوسيلة الأخرى وهي الوسيلة المادية المتمثلة بالأموال العامة، ولكي تقوم الإدارة بأداء وظائفها المختلفة سواء في تنفيذ القوانين ووضعها موضع التطبيق، أو إشباع الحاجات العامة عن طريق المرافق العامة التابعة لها( ).
فإن الوظيفة العامة تحتل جانباً مهماً من الدراسات الخاصة بالقانون الإداري، نظراً لما يشكله قطاع الموظفين من أهمية خاصة في الدولة الحديثة، ولاسيما بعد أن تعددت المهمات الملقاة على عاتقها، عن طريق توليها مهمة إشباع جانب كبير من الحاجات العامة، كما إن العناية بهذا القطاع المهم والحيوي من العاملين في الدولة، يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد والتنظيم للوصول به إلى أفضل ما يمكن باعتباره أداة الدولة في تنظيم أعمالها.
كما ألقى المشرع على عاتق الموظف العام زمرة من الواجبات الوظيفية التي يتعين عليه الالتزام بها على الدوام، وقيده أيضاً بالعديد من المحظورات هي الأخرى عليها بذل العناية القصوى لتجنب الوقوع بها، وخلافاً لذلك يكون عرضة للمساءلة التأديبية من قبل السلطات المختصة.
إن الواقع التنظيم القانوني للموظف العام يقوم على أساس ضمان نوع من التوازن بين المرافق العامة باستمرار واضطراد، وبين الحاجة المشروعة للموظفين في التمتع بنظام ضمانات يكفل لهم الاستقرار والطمأنينة والهدوء النفسي، وتظهر هذه الرغبة أو الهاجس – في إيجاد هذا التوازن – بشكل واضح في مجال تأديب الموظفين القائم على فكرة النهوض بالمصالح عن طريق مجازاة من يحيد عن قواعد الانضباط في العمل الإداري، حتى تقوم الإدارات المختلفة للدولة بأداء وظيفتها المرسومة لها على أكمل وجه، على اعتبار أن الجهاز الإداري للدولة تحكم سير عمله قواعد تنظيمية توكل مهمة السهر على احترامها لسلطات إدارية محددة قانوناً تمتلك صلاحية ذات طبيعة ردعية، وذلك بهدف حسن قيام الموظفين بواجباتهم الوظيفية، ووضع ضوابط للأشخاص الذين يتمتعون بممارسة سلطة التأديب قانونياً للحفاظ على المصالح المشروعة للموظفين إلى أبعد الحدود و تحقيقا لمبادئ العدالة.
فإذا كان نشاط الإدارة العام يصب على تحقيق الصالح العام فأنه غالبا ما تتوسل في وسائل قانونية غير معروفة في نطاق العلاقات الخاصة بين الافراد التي تقوم على المساواة وهذه هي امتيازات القانون العام التي أصبحت مبادئ عامة في القانون الإداري وعلى هذا الأساس ينبغي وجود نظام قانوني لعمال الإدارة يكفل عدم انحرافهم الصالح العام وعدم استغلالهم لمراكزهم من اجل تحقيق منافع ذاتية( ).
المبحث الأول: المسؤولية الناجمة عن تصرفات الموظف العام
إن الزيادة في عدد العاملين في المرافق العامة، ادت إصدار تشريعات تحدد اللوائح التي تدعم الوظيفة العامة وتنظم شؤون الموظفين، من خلال وضع أنظمة للتعيين والترقية، ناهيك عن الحقوق المالية وغير المالية، وتحديد الواجبات والمخالفات في الوظيفة العامة التي يجب أن تكون على الموظف اتباع قواعدها خلال حياته المهنية وحتى بعد انتهاء علاقته بالوظيفة حيث يجب على الموظف العام أن يبذل أقصى جهده ليقوم بأعباء الوظيفة التي يتعين عليه إنجازها( ).
بالتالي فيكون الموظف من خلال ذلك على المسار الصحيح الذي حددته له القواعد المنظمة لتلك الوظيفة، وبالمقابل فقد حددت التشريعات السلطات التي تكون لها السلطة في تأديب الموظف العام عند ارتكابه المخالفات التي نص عليها القانون، وبناءً على ما سبق على الموظف أن يسلك مسلكاً لا يخل باحترام الوظيفة وكرامتها، سواء كان ذلك أثناء ممارسته مهمته الرسمية أو خارجها، ومن حق الإدارة أن تتصدى لأي سلوك منحرف بالجزاء الذي يناسبه، وأن تتوسل بكل السبل لمنع الموظف من الخروج على مقتضيات الوظيفة، مع حق الإدارة في فرض العقوبة على الفعل الذي يرتكبه الموظف، والذي يعتبر إخلالاً بواجبات الوظيفة إلا أن المشرع قيد هذا الحق بضمانات.
إن الموظف العام يعد أداة الدولة، إذ يرى الناس الدولة من خلاله، ويراهم من خلالها، والموظف العام يرتبط بالدولة بعلاقة تنظيمية، ومقتضى ذلك إن مركز الموظف العام يخضع إلى أحكام القوانين والأنظمة الخاصة بالوظيفة العامة، وهي التي تنظم عمله والحقوق التي يتمتع بها والواجبات المفروضة عليه( )، ومن ثم فإن مفهوم الموظف العام يختلف من دولة إلى أخرى باختلاف الفلسفة والقوانين والأنظمة التي تتبعها كل دولة، وإنه يختلف باختلاف الوظائف العمومية نفسها، للدولة الواحدة، والوظيفة العامة هي نتاج مراحل تاريخية مرت بها الدولة متأثرة بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية على مر الزمن.
وبالنسبة للمشرع العراقي، فقد أورد أكثر من تعريف للموظف العام في مواضع عديدة، على خلاف ما سارت عليه تشريعات الوظيفة العامة، ولقد حرص المشرع العراقي على تعريف الموظف العام في تشريعات الوظيفة العامة وقوانين انضباط موظفي الدولة والتقاعد الموحد، واعتاد المشرع العراقي أن يعرف الموظف العام في قوانين الخدمة المدنية لأنه يعد من القوانين المهمة التي تنظم خدمة الموظف من تعيين وحساب الخدمة والاجازات والاستقالة والنقل والاعارة والمخصصات والرواتب وغيرها.
المطلب الثاني: المسؤولية الشخصية للموظف العام عن اخطائه وانواعها
إن قيام المسؤولية الشخصية للموظف العام، يقتضي بالضرورة وجود إخـلال بالتزام من الالتزامات المنوطة به، وهذا الإخلال قد يكون بترك الموظف ما يجب عليه فعله، أو فعل ما يجب عليه تركه، والموظف العام هو الركيزة الأساسية التي تحقق نشاط المرافق العامة في الدولة، وتضمن حسن سيرها بانتظام واطراد، وتربط بين الموظف والإدارة علاقة قانونية، تنظيمية، لائحية، تحكمها قوانين ولوائح، والأصل في المسؤولية الشخصية للموظف العام، هو أن كل موظف يعتبر مسؤولاً عن الضرر الذي يلحقه بالغير أثناء ممارسته لوظيفته أو بمناسبتها.
حيث لا يمكن القول أن هناك مسؤولية شخصية، ما لم تؤسس على خطأ شخصي مرتكـب مـن قبـل الموظف العام، إذ يتحمل فيها هذا الأخير التعويض عن تصرفاته الشخصية، بخلاف تلك الحالات التي تتحمل فيها الإدارة عبء التعويض عن الأضرار التي لحقت بالغير جراء أخطاء الموظف العام المرتبطة بالمرفق العام.
المبحث الثاني: المسؤولية المترتبة على أعمال المرفق العام
إن مسؤولية الادارة عن أعمالها ترجمة عملية لمبدأ المشروعية الذي يقضي بمساواة الجميع أمام القانون حكاماً ومحكومين، وهذا المبدأ من أهم مرتكزات العدالة والديمقراطية الحقيقية فلا تمييز بين الأشخاص مهما تكن صفاتهم، ولا تكون أعمال الإدارة صحيحة وملزمة إلا بقدر توافقها مع القواعد القانونية السائدة، ويتطلب من الإدارة العامة القيام بواجباتها ومسؤولياتها تجاه المجتمع والدولة من خلال قيامها بتنفيذ وإدارة المرافق العامة، وهذا يتطلب منها تنفيذ العديد من الأعمال الإدارية المتنوعة.
وبالتالي يقصد بالمسؤولية المترتبة عن اعمال المرفق العام بالمعنى القانوني، الالتزام الذي يفرض على شخص ما أن يصلح الضرر الذي ألحقه بشخص آخر، ويقصد بمسؤولية الادارة عن أعمال المرفق العام التزامها بدفع تعويض لمن يصيبه أضرار، نتيجة ممارسة النشاط الإداري، وذلك في إطار أوضاع وأحكام المسؤولية المعمول بها، ودعوى التعويض هي الوسيلة القانونية القضائية الممنوحة للأفراد، والتي يهدفوا من ورائها إلى الحصول على تعويض عن ضرر أصابهم من جراء نشاط إداري ( ).
حيث كان للقضاء الإداري في فرنسا دور هام في تكوين وتطوير وتأصيل قواعد القانون الإداري، فالقضاء الإداري يتميز بأنه ليس مجرد قضاء تطبيقي، كالقضاء المدني، وإنما هو في الغالب قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة للعلاقات القانونية التي تنشأ بين الإدارة والأفراد، وهي روابط تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص، ومن ثم ابتدع القضاء الإداري نظرياته التي استقل بها في هذا الشأن، مراعياً في ذلك احتياجات المرافق العامة والمواءمة بين حسن سيرها وبين المصالح الخاصة بالأفراد.

المطلب الأول: مفهوم المرفق العام
إن المرافق العامة هي مشروعات تنشئها الدولة بهدف تحقيق الحاجات العامة للأفراد كالصحة والتعليم والدفاع الوطني، إن تنظيم وإدارة المرافق العامة هي الوظيفة الاساسية الثانية للإدارة بعد وظيفة الضبط الإداري، كما أن قيام المرافق العامة بتأمين الأهداف المعدة لها هو أمر أساسي لوجود الدول حتى ولو كانت تدين بفلسفة الاقتصاد الحر، لأن مبادرات الأفراد الاقتصادية والاجتماعية رغم أهميتها قد لا تكفي، لأن هناك حاجات عامة أساسية لا بد أن تتولاها الدولة بسلطتها الإدارية حتى ولو كان بجوارها نشاطات منافسة من القطاع الخاص
المطلب الثاني: مسؤولية الإدارة
منذ قرار بلانكو بعد القاضي الإداري كل البعد في مجال تطبيقه لقواعد المسؤولية الإدارية عن قواعد القانون الخاص، نظرية المسؤولية الإدارية هي أيضا نظرية ذات أصول محض اجتهادية، ينتقد فقهاء عديدون مقولة أن المسؤولية في القانون الإداري وهي مستقلة تمام الاستقلال عن القانون الخاص، ويرتكز هؤلاء الفقهاء على واقعة أن الحلول في موضوع المسؤولية ليست دوما مختلفة تماماً عما هي عليه الحال في القانون الخاص( ).
الفصل الثاني: الصلاحية القضائية والعقوبات التأديبية
تعد القرارات الإدارية أهم الأدوات التي تستخدمها السلطة الإدارية في التعبير عـن إرادتهـا، ابتغاء تحقيق المصلحة العامة، إلا أنه يتعين عليها عند إصدارها لمثل هذه القرارات أن تلتزم مبدأ المشروعية، وإلا تعرضت قراراتها للطعن فيها أمام القضاء إلغاءً أو تعويضاً أو كليهما معاً.
ومما لاشك فيه أن قضاء الإلغاء والتعويض وجدا لضمان احترام مبدأ المشروعية، الذي يعـد من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدول الحديثة، ويقصد به خضـوع المجتمـع حكامـاً ومحكومين لسيادة حكم القانون، فقد عرفه جانب من الفقه بالقول: بأنه تعبير عن القاعـدة التي تقضي بأن على الإدارة أن تتصرف طبقاً للقانون.
وهذا المبدأ لا بد وأن تطبقه السلطة الإدارية فيما تقوم به من أعمال وما تصدره من قرارات، إلا أنّ الإدارة في بعض الأحيان قد تخرج على هذا المبدأ إما عن طريق العمد أو عن طريق الخطأ، فتصطبغ قراراتها وأعمالهـا بعدم المشروعية ويكون جزاء عدم المشروعية هو إلغاء القرار الإداري أو التعويض عنه أو بإلغائه والتعويض عنه معاً، ولقد أسهم القضاء الإداري في إرساء مبدأ المشروعية، من خلال رقابته على أعمال السلطة الإدارية( )، بما يكفل تحقيق التوازن بين السلطة الإدارية وممارستها لوظائفها وتمتعها بالامتيازات من جهة وبين الأفراد في المجتمع، من خلال حماية حقوقهم الأساسية وحرياتهم من جهـة أخرى.
وهي رقابة لا يقصد منها شل حركة الإدارة وإعاقتها بل إنها تهدف إلى عدم اعتداء الإدارة على حقوق الأفراد وحرياتهم تلك التي صانتها الدساتير والقوانين الأخرى، فالقضاء الإداري يهدف إلى تقويم أعمال الإدارة وتصرفاتها إذا ما جانبت الصواب وحادت عن احترام القانون، وبذلك تبتعد الإدارة عن الفوضى والتخبط والاستبداد، وتميل إلـى احتـرام القـانون والخضوع له مما يساعد أجهزتها المختلفة على القيام بوظائفها على أكمـل وجـه لتحقيـق المصلحة العامة.
وبالنسبة للموظف فهو يخضع للمسؤولية الانضباطية، عندما يتهاون في أداء واجباته والمهام المنوطة به، أو حال عدم مراعاته لمقتضيات الوظيفة التي يشغلها، أو حين تعديه على حدود واجباته الوظيفية؛ عندئذ ينعقد الاختصاص للإدارة، بفرض العقوبات على الموظف المخالف، في حدود الأصول والإجراءات القانونية المقررة، ولما كان توقيع العقوبة الانضباطية يمثل أحد مستلزمات أداء الإدارة لدورها، في تنفيذ القانون، ولحماية متطلبات المرفق العام وضمان سير العمل فيه؛ لذا فقد اعترف المشرع للإدارة بسلطة فرض العقوبات على الموظف العام المخالف، في حال أخل في واجبات وظيفته.
إلا أن تلك السلطة يجب أن تمارس وفقاً لصلاحيات تقديرية في بعض جوانبها وتكون وجوبية في بعضها الآخر، فيكون ذلك في أضيق الحدود؛ وعلى نحو لا ينال من الحقوق الممنوحة للموظف العام؛ وإلا سوف يؤدي توسيع السلطة التقديرية في فرض العقوبة إلى ضياع الحدود الفاصلة بين التدخل المشروع والتدخل غير المشروع للإدارة أثناء ممارسة واجباتها؛ مع الاعتداء على حقوق الموظفين وضماناتهم( ).
ومن المعلوم أن نظام التأديب يختلف من دولة إلى أخرى، بحسب طبيعة النظام المتبع فيها، فبعض الدول تعتمد النظام الرئاسي، وهذا يعني أن الإدارة تستقل في تحديد المخالفة واختيار العقوبة المناسبة لها من بين العقوبات التي نص عليها القانون، والبعض الآخر يسلك الاتجاه القضائي، ومؤدّاه أن يترك للجهة القضائية سلطة تحديد المخالفة التأديبية، وكذلك اختيار العقوبة الملائمة لها، وهناك الاتجاه شبه القضائي في هذا النظام، حيث تنفرد الإدارة به أيضاً في تحديد المخالفة؛ إلا أنها قبل فرض العقوبة، يجب عليها استشارة جهة أو هيئة أخرى، سواء أكانت لجنة أم مجلس تأديب، لإبداء الرأي بشأن الجزاء المناسب للمخالفة التي قررتها السلطة الإدارية، ويكون رأي اللجنة أو المجلس استشارياً غير ملزم للجهة الإدارية أو قد يكون ملزماً.
المبحث الأول: الأساس القانوني للتعويض عن أضرار الإدارة
إن اختصاصات القضاء الإداري تشمل بجانب قضاء الإلغاء الذي يتضمن منازعات الأفراد، أو الموظفين ضد القرارات الإدارية غير المشروعة، أو المخالفة للقانون تشمل أيضاً نوعاً آخر من المنازعات الإدارية التي تنتمي للقضاء الكامل، ودعاوى القضاء الكامل طبقا للتسمية الاصطلاحية للمتخصصين في مادة القضاء الإداري.
والقضاء الكامل يشمل منازعات متفرقة مثل منازعات الموظفين في مرتباتهم ومدد خدمتهم، ومثل منازعات العقود الإدارية إذ يطالب المتعاقد الفرد جهة الإدارة المتعاقدة معه، من أجل الحصول على حقوقه المالية المتولدة عن العقد وطبقاً للقانون والمبادئ التي أرساها القضاء الإداري في أحكامه، ولكن دعاوى التعويض أو قضاء التعويض عن الأضرار الناشئة عن أخطاء الإدارة تبقى هي أهم فروع القضاء الكامل على الإطلاق نظراً لأهميتها العملية؛ ولأهميتها القانونية إذ ابتدع القضاء الإداري في أحكامه نظريات متميزة للمسؤولية الإدارية التعويضية مستقلة ولها أصالتها، بالنظر لنظرية وقواعد المسؤولية المدنية التي تحكم علاقات الأفراد فيما بينهم في إطار القانون الخاص( ).
وقضاء التعويض عن أعمال الإدارة الضارة بالأفراد، أو نظرية المسؤولية الإدارية هو في الأساس يتأسس على فكرة الخطأ الإداري، بمعنى أن مصدر مطالبة الفرد بالتعويض يتمثل أصلاً وكقاعدة عامة في عمل إداري خاطئ، كان هو السبب المباشر في إلحاق ضرر بأحد الأفراد، الأمر الذي يدفع هذا الفرد للمطالبة بالتعويض أمام المحكمة المختصة في القضاء الإداري، وهذا العمل الإداري الخاطيء قد يتمثل في قرار إداري مخالف للقانون، أو غير مشروع أدى إلى تنفيذه، أو نفاذه إلى حدوث ضرر خاص بالفرد الذي منه القرار( )، ولكن من ناحية ثانية قد يتمثل العمل الخاطئ في عمل مادي بحت منسوب للإدارة ولا يعتبر تنفيذا لقرار إداري، ومن ثم فالمسؤولية الإدارية بالتعويض تقوم عادة على أساس خطأ إداري، وهذا الخطأ قد يكون قراراً إدارياً غير مشروع كما قد يكون عملاً مادياً سبب ضرراً لأحد، أو بعض الأفراد.
المطلب الثاني: المبادئ التي تحكم تقدير التعويض
إذا انعقدت المسؤولية بتوافر جميع أركانها، وجب التعويض كجزاء لها، إذ إنّ التعويض يهدف الى جبر الضرر الحاصل، ويقصد بالتعويض الإداري أنه: الجزاء على قيام وتحقق المسؤولية الإدارية عند توافر أركان المسؤولية الثلاثة، أي الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهم، فالتعويضات هي مبالغ يلتزم بها المسؤول عن الضرر، والتعويض يهدف إلى جبر الضرر الواقع على المضرور، وهو النتيجة النهائية لمسؤولية الإدارة، وذلك سواء كانت قائمة على أساس الخطأ أو على غير الخطأ( ).
المبحث الثاني: العقوبات الانضباطية وتدرجها في التشريع العراقي واللبناني
من الأصل والمسلم به أن لكل قاعدة قانونية لابد لكي تنال احترامها من قبل الجمهور الذي تتناوله أن يكون لها جزاء رادع وهذا ما يعرف بالعقوبات الانضباطية ويتبين من القواعد القانونية المنظمة للوظيفة العامة انها اوجبت على الموظف العام واجبات والزمته بالقيام بها ونهته عن جملة من المحظورات وذلك ضمانا للوصول الى الهدف المنشود من انشاء المرافق العامة وهو تحقيق المصلحة العامة( )
وعندما يخل الموظف بواجبات وظيفته او خرج عن الطريق الصحيح عد مرتكبا للجريمة الانضباطية واستلزمه ذلك توقيع الجزاء المناسب عليه وان كان للسلطة المختصة بالتأديب الحق في معاقبة الموظف التي يقع منه مخالفة تأديبية بالعقوبة المناسبة التي تراها فأن هذا الحق ليس مطلقا بل مقيدا بقابة سلطة القضاء المختص في الدولة التي اوكل لها المشرع هذا الاختصاص وحتى لا تتعرض السلطة الانضباطية لطائلة هذه الرقابة عليها ان تكون حذرة بشكل دقيق وعناية تامة عند تطبيق هذه العقوبات ويجب عليها ان تقوم بتحديد كل من مفهومها وطبيعتها والمبادئ القانونية التي تحكمها والصور التي تظهر عليها ومدى الاختصاص المحدد لها بنوع العقوبة( )
وبذلك كان يجب علينا في هذا البحث ان نتطرق لهذه العقوبات الانضباطية وتحديد مفهومها وتعريفها وماهيتها والاوجه التي تقوم عليها والقوانين المنظمة لها بشكل أساسي في كل من العراق ولبنان والنظام المختص في تحديد هذه العقوبات وتوجيهها للموظف حيث في كثير من الأحيان تجد السلطة الانضباطية لا تميز بين أنواع العقوبات وتصدر قرارات تأديبية لا تدخل ضمن اختصاصها او توقع عقوبات غير مشروعة أي لم تكن ضمن العقوبات التي حددها المشرع وذلك اوجب المشرع ان يكون للموظف ضمانات تحقق له العدالة المرجوة ليحافظ على حقوقه المحفوظة في القانون و من هنا سنقسم هذا المبحث الى مطلبين على بحيث يكون المطلب الأول بعنوان العقوبات الانضباطية في التشريع العراقي، أما المطلب الثاني فسيكون بعنوان العقوبات الانضباطية في التشريع اللبناني.
المطلب الأول: العقوبات الانضباطية في التشريع العراقي
يجب ان يبذل الموظف الملتحق بالوظيفة العامة التابع للدولة والإدارة العامة قصارى جهده للقيام بأعباء الوظيفة المعين عليها ويسعى من خلال ذلك للحصول على ما اقره له المشرع من مزايا مادية ومعنوية ومن خلال ذلك يفرض على الموظف عندما يخرج عن المسار والطريق الصحيح الذي حدده المشرع عقوبات تأديبية تتناول المزايا الذي حصل عليها وذلك من خلال حجم الأخطاء التي ارتكبها وسوف نتناول في هذا المطلب تعريف العقوبات الانضباطية ومبدأ الشرعية في التأديب بحيث يكون الفرع الأول بعنوان مفهوم العقوبات الانضباطية بينما الفرع الثاني سيتناول مبدأ شرعية العقوبات الانضباطية.
المطلب الثاني: العقوبات التأديبية في التشريع اللبناني
واجب التقيد بسرية العمل هو أحد الالتزامات السلبية الناشئة عن الموظف وفق القوانين المنظمة للخدمة العامة والتي يمكن قياسها من خلال مدى الولاء يلتزم الموظف العام بالدولة التي ينتمي إليها والإدارة التي ينتمي إليها بإخفاء السر الوظيفي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة الخاصة، وهذا الواجب وهي مفروضة بقواعد الدين والأخلاق والشرف والأمانة ، حيث أن إفشاء أي فعل يدل على الخيانة من أجل الصدق والاعتداء على الحرية الشخصية ، فهو التزام أخلاقي وقانوني كما هو منصوص عليه جميع تشريعات الوظائف ، وأن خرق الموظف لواجب إخفاء سر الوظيفة هو أحد الأعمال المحظورة التي تتطلب مساءلة جنائية ومدنية وتأديبية( ).
الخاتمة
بعد انتهائنا من هذه الرسالة والتي تحمل عنوان التطورات الحديثة لأسس مسؤولية الموظف والإدارة أمام القاضي الإداري (دراسة مقارنة) نجد أن المسؤولية الادارية تنطوي على تحميل الادارة تبعات ما يسببه نشاطها من أضرار للأفراد، فهي أداة تقنية تلزم الاشخاص العموميون بتحمل مسؤولية أعمالهم وتصرفاتهم التي تتولد عنها أضرار ينبغي تعويضها.
مرَّ مبدأ مسؤولية الإدارة عن أعمالها التقصيرية غير التعاقدية بتطورات تاريخية متلاحقة، فقد كان في البداية مبدأ عدم المسؤولية عن أعمالها بصفة عامة، يبد أنه ونتيجة لتبدل المفاهيم أصبح مبدأ مسؤولية الإدارة مسلماً به فقهاً وقضاءً؛ لأن خضوع الإدارة للقوانين والتزامها بدفع التعويض للمتضررين من أعمالها لا يتنافى مطلقاً مع مبدأ سيادة الدولة. وهكذا أصبحت الدولة مسؤولة عن أعمالها الإدارية باستثناء أعمال السيادة والتي بقيت في منأى عن الرقابة القضائية.
تقوم المسؤولية الإدارية حين تخطئ الإدارة – كما هو الحال في القانون المدني وليس ثمة مسؤولية إلا إذا كانت ناتجة من خطأ، وبما أن الإدارة هي شخص اعتباري فلا يمكن أن تخطئ إلا من خلال الذين يدبون الروح فيها؛ ألا وهم العاملون فيها، لذا تمَّ التمييز بين نوعين من الخطأ: خطأ مرفقي وفي هذه الحالة تتحمل الإدارة التعويض المقضي به على المتضررين، وخطأ شخصي يتحمل العامل في حالته تبعة خطئه من ماله الخاص. وهكذا يتبين أن القضاء الإداري أنشأ نظرية خاصة للمسؤولية التقصيرية الإدارية.
ووفقاً لذلك فان الادارة تلتزم بالتعويض عن الاضرار التي تتسبب بها، وقد يتم تنفيذ هذا الالتزام احياناً بصورة ودية وبدون أي رقابة قضائية، واحياناً أخرى يكون اللجوء الى القاضي لتحديد المسؤولية.
وتتميز المسؤولية الادارية بخاصية مزدوجة، تتعلق بأصل القانون وبالاختصاص القضائي، وهذه الخاصية لا تتمثل في منح الادارة بعض الامتيازات بل الهدف الاساسي منها التوفيق بين حقوق الدولة وحقوق الافراد، ففي حالات عديدة يتم اخضاع الاشخاص العامين لأحكام وقواعد القانون المدني، سيما عندما يتسببون بضرر ما في إطار نشاطهم الناجم عن ادارتهم للمرافق العامة في المقابل وفي حالات أخرى وهي الحالات الاغلب تكون مسؤولية الادارة خاضعة لقواعد القانون الاداري ويكون الاختصاص القضائي للقاضي الاداري.
إن ازدياد نشاط الإدارة الحديثة أدى إلى ازدياد المخاطر التي يتعرض لها الأفراد، مما حدا بالقضاء الفرنسي إلى ابتداع نظرية تسمى المسؤولية الإدارية بلا خطأ من جانب الإدارة، وهذا يعني أنه يكفي أن يتوافر ركنان هما الضرر والصلة السببية من أجل تعويض المتضررين حتى لو كان نشاط الإدارة مشروعاً وينبغي تحقيق المصلحة العامة. لكن يشترط للتعويض على أساس هذه النظرية أن يكون الضرر قد أصاب فرداً بذاته أو أفراداً محددين، وأن يكون هذا الضرر على قدر من الجسامة.
كما تبين لنا ان القضاء الإداري كان يمتنع في السابق عن رقابة أعمال الإدارة؛ لأنه كان يلتزم بتطبيق النص الحرفي للقانون، وبحجة عدم التدخل في سلطة الإدارة تطبيقا لمبدأ سمو القانون والفضل بين السلطات، مما أدى بالإدارة إلى استغلال هذا الأمر وتجاوزها في استعمال سلطتها أحيانا، وذلك بسبب الحرية التي منحها لها القانون تحت ظل أن الملك لا يسأل عن تصرفاته والمصلحة العامة، بعيدا عن رقابة القضاء.
ومن هنا وبعد نهاية البحث توصلنا الى مجموعة من النتائج والتوصيات والتي سنعرضها على الشكل الاتي:
اولاً: النتائج:
1-إن السلطة الإدارية للإدارة هي ضرورة عملية وتنظيمية، بسبب علاقة الإدارة المستمرة والدائمة مع الأفراد، والغاية من ذلك هو تحقيق الصالح العام والحفاظ على النظام العام، كما أنها مسألة حتمية لا بد من التسليم بها، لأنها ترتبط بطبيعة الوظيفة الإدارية؛ إذ تمثل سلطة مقابلة لمسؤولية الإدارة عن تسيير المرافق العامة بانتظام، فالمدلول القانوني للسلطة الإدارية يكون عن طريق عناصر القرار الإداري، فالقانون حينما أجاز للإدارة استعمال هذه السلطة لم يحدد لها كيفية التدخل أو الوقت الذي تصدر فيه قرارها أو الظروف والوقائع التي تكون سببا في اتخاذ القرار، وما تقتضيه متطلبات المصلحة العامة.
2-المسؤولية على أساس الخطأ تقوم عندما يكون الخطأ مرفقي، وهو الخطأ الذي ينسب إلى المرفق نتيجة سوء سير المرفق أو التباطؤ في تقديم الخدمة أو عدم القيام بها نهائيا، أما الخطأ الشخصي يترتب على الموظف المسؤولية الشخصية، ويعتبر الأخذ بنظرية المسؤولية الإدارية خطوة إيجابية نحو الأمام لفتح الاجتهاد في القضاء الإداري لا سيما أن أغلب التشريعات تعترف وتقر بالمسؤولية الإدارية على الأخطاء.
3-أن المسؤولية الإدارية على أساس الخطأ هي نظرية قضائية فكان لمجلس الدولة الفضل في إرساء معظم مبادئها فتطبق هذه النظرية على كل نشاط يصيب بالأفراد بالضرر بحق من حقوقهم، وكما أن الاعتراف بهذه النظرية يفتح المجال أمام الأفراد لمطالبة الدولة والإدارة العامة بالتعويض على الأضرار الناجمة من أعمالها كما تفتح المجال لتحديد الجهة القضائية المختصة في الفصل في النزاع.
4-قد تقوم مسؤولية الإدارة على أساس المخاطر، فلا يشترط في بعض الحالات -وقوع خطأ من جانب الإدارة لتقرير مسؤوليتها عن الضرر، وتقوم هذه المسؤولية على ركنين فقط، هما: الضرر، والعلاقة السببية.
5-يقع عبء إثبات علاقة السببية المباشرة بين الضرر والفعل الضار، على عاتق المدعي في دعوى المسؤولية، فإذا أخفق المدعي في تقديم هذا الإثبات يرفض القاضي دعواه، وعلى ذلك يجوز للقاضي أن ينقل عبء الإثبات، بأن يطلب من الإدارة أن تدحض ادعاءات المدعي، كما إنّ له يأمر باتخاذ إجراءات التحقيق.
6-إن أسباب نفي العلاقة السببية في مسؤولية الإدارة، هي ذاتها في القانون المدني، وهي أن يكون الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي، كأفة سماوية، أو حادث فجائي، أو قوة قاهرة، أو الغير، أو خطأ المتضرر.
7-إذا انعقدت المسؤولية، سواء على أساس الخطأ أم من دون خطأ، استحق المحكوم له تعويضا لجبر ما أصابه من ضرر، من جراء عدم التنفيذ، وبهذا تبعد فكرة التعويض عن أن تكون عقوبة للإدارة وموظفيها؛ إذ إن العقوبة تكون على قدر الخطأ، أما التعويض، فيكون على قدر الضرر، ويحكم التعويض مبدأين، هما: أن يكون التعويض كاملا، وألا تتجاوز التعويضات طلبات المتضرر.
ثانياً: المقترحات:
1-نرى ضرورة توحيد المصطلحات القانونية في التشريع العراقي، باستخدام مصطلح (حكم) بدلاً من مصطلح (قرار) للدلالة على الفصل في النزاع القائم، إذ إن قانون المرافعات المدنية العراقي قد فرق بين المصطلحين فأطلق لفظ (الحكم) على الفصل في النزاع القضائي، أما مصطلح (قرار) فقد أُطلق على الإجراء الذي تتخذه المحكمة قبل الفصل في النزاع.
2-نقترح على المشرع العراقي أن يوسع من اختصاص محكمة القضاء الإداري، بإضافة صلاحية النظر في دعاوى التعويض بصفة أصلية، بالإضافة إلى اختصاصها بالنظر في تلك الدعاوى بصفة تبعية، وعدم إعطاء هذا الاختصاص إلى القضاء العادي، تجنبا للازدواجية، وذلك أخذاً بنهج المشرع المصري.
3-نجد أنه من الأفضل أن تشكل دائرة تنفيذ، تكون من ضمن هيكلية مجلس الدولة، تختص بمتابعة تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء الإداري، وتمارس هذه الدائرة اختصاصها بموجب قانون خاص يشرع لهذا الغرض.
4-إن قواعد المسؤولية التأديبية غير كافية فيما يتعلق بمعاقبة الموظف الممتنع عن التنفيذ، إذا كانت الإدارة راضية عن امتناعه، لكونه يحقق مصلحتها؛ لذا، نجد أنه من الضروري تعديل قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (١٤) لسنة 1991، وتضمينه نصا يعاقب بأقسى العقوبات الانضباطية، الموظف الممتنع عن تنفيذ الحكم القضائي.
5-نتيجة التطورات الهائلة والمتسارعة التي تمر بها الإدارة، والتحديات التي تواجهها عند تنظيمها للمرافق العامة والتي قد تؤثر بحقوق الأفراد ومراكزهم القانونية سلبا لدى إساءتها استعمال سلطتها الإدارية، لذا نقترح على المشرع في كل من العراق ولبنان تجريم أعمال الإدارة التي تنطوي على انجراف في استعمال السلطة، ليكون ذلك رادعا لها من أن تنحرف بسلطتها ، لما كان عيب إساءة استعمال السلطة والانحراف بها يمتاز بأنه عيب خفي فإن فرض عقوبات صارمة من قبل المشرع يؤدي إلى ابتعاد رجل الإدارة عن انتهاك حرمة المصلحة العامة أو على الأقل التقليل من الانحراف عن تلك المصلحة.
6-أخيرا تقترح ضرورة تعزيز وتوحيد الجهود بين السلطتين القضائية والتنفيذية عن طريق عقد ورش عمل ودورات خاصة ومحاضرات لرجال الإدارة بشكل عام ولمـن لـه حـق إصـدار القرار الإداري بشكل خاص، لتوضيح المستجدات في التشريعات الإدارية المقارنة، وما يؤكد عليـه القضاء الإداري، للحد من الآثار السلبية لإساءة الإدارة استعمال سلطتها، كما تقترح على الجهات المختصة ضرورة الاهتمام بالكادر القضائي عن طريق الدورات والندوات وتكثيف ورش العمل، سواء أكان خارج البلاد أم داخلها، والعمل على تطوير مرفق القضاء الإداري بشكل مستمر.