التسهيلات الائتمانية والمسؤولية المصرفية عن منحها

 تُمثل المصارف عصب الحياة الاقتصادية؛ حيث يؤثر نشاطها على النهوض بالاقتصاد الوطني، ونظرًا لكونها تقف إلى جانب عملائها في مشروعاتهم الاقتصادية، حيث تقوم بتعبئة المدخرات وتمويل المشروعات والاستثمارات الداخلية للدولة، كما تقوم بتمويل تجارة الدولة الخارجية، فتمارس وظائف متعددة من أهمها الخدمات المصرفية والائتمانية([1]).

وتُعد الوظيفة الائتمانية أهم الوظائف في المصارف على الإطلاق من خلال مساهمتها الفعالة في تغذية مختلف المشاريع التجارية والاقتصادية وفي توجيه الاستثمار، مما يجعلها إحدى مقومات التنمية الاقتصادية للدول. هذه الأخيرة التي أصبحت تعتمد بشكل كبير في تنفيذ برامجها الاقتصادية على دور جهازها المصرفي وتوظيف قدراته الائتمانية على نحو يتفق مع أهداف سياستها النقدية والاقتصادية([2]).

وقد تجاوزت ممارسة الوظيفة الائتمانية للمصارف أُطُر علاقتها التعاقدية مع العملاء كونها وظيفة ترتبط بشكل مباشر بالمصلحة العامة نتيجة لتزايد أهمية دور المصارف في دعم الأنشطة الاقتصادية، ولتزايد المخاطر المحيطة بالمهنة، الأمر الذي طرح أهمية موضوع مسؤولية المصرف في هذا المجال، الذي استلزم عليها التقيُّد بواجب الحيطة والحذر على اعتبارها مؤسسات مهنية يرتب إخلالها بذلك الالتزام التشديدَ في نطاق المسؤولية التقصيرية مقابل التخفيف من نطاق المسؤولية العقدية. وهو الأمر الذي يعكسه الواقع العملي من خلال التطبيقات القضائية المتعلقة بدعاوى المسؤولية المرفوعة ضد المصارف كالتي عُرضت أمام القضاء الفرنسي بصفة خاصة([3]).

ويمتاز الائتمان المصرفي كخدمة مقدمة من قِبل البنوك لعملائها باتخاذها صورتين؛ فهي إما تأخذ صورة ضمان مصرفي كالاعتماد المستندي وخطاب الضمان، أو قد تأخذ صورة التمويل المصرفي متمثلًا في القرض المصرفي والاعتماد البسيط([4]). ويقوم الائتمان قانونيًا واقتصاديًا على عناصر أساسية هي الزمن والثقة، فالأنشطة الاقتصادية والتجارية تجبر من يحترفونها على إبرام العديد من العقود وعلى الالتجاء إلى المصارف للحصول على التمويل اللازم لدعم أنشطتهم وتوسعاتها، أو لمواجهة أزماتهم التي قد يتعرضون لها.

غير أن أهمية الائتمان المصرفي لا تنحصر في اعتباره الركيزة الأساسية لقطاع المشروعات وإنما تشمل الاقتصاد القومي بأكمله، لأنه يعتبر أهم مقومات التنمية الاقتصادية في البلاد، والسبب في ذلك دوره الفعال في إنعاش القطاعات الإنتاجية في الدولة، بما يكفل تسيير عجلة الإنتاج وتذليل ما قد يعترضها من معوقات، فضلًا عن كونه الأداة الضرورية لخلق العملة في البلاد([5]).

ولعل الأهمية القصوى للائتمان المصرفي، تفسر اهتمام أجهزة الدولة المختصة بعملية رقابة وتوجية الائتمان حتى يحقق الأهداف المرجوة منه على أكمل وجه، كما تدل الأهمية التي يمثلها الائتمان المصرفي على خطورة دور المصارف في هذا المجال؛ فهي تملك مفتاح الائتمان، ويعتبر تقديم الائتمان وظيفتها الأساسية، ولا يعتمد المصرف لدى قيامه بتقديم الائتمان على رأس ماله فقط وإنما على موارده المتمثلة أصلًا في الودائع النقدية للعملاء، حيث يشكل المصرف حلقة الوصل بين المودعين والمقترضين، ويستخدم الأموال كمادة أولية في مجال الائتمان([6]).

ومع ازدياد الحاجة إلى المصارف تم تكريس مجموعة من القواعد قضائيًا وفقهيًا كالتزامات مهنية تضمن حسن الأداء المصرفي، وفي المقابل أدت زيادة النشاط المصرفي وسط العولمة واتساع دائرة الالتزامات المهنية إلى مساءلة المصرف عن الأخطاء وعن الإخلال بتلك الالتزامات([7]).

والحقيقة أن تحول العراق لسياسة الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار سمح بتأسيس مصارف خاصة وطنية وأجنبية تعمل إلى جانب المصارف العامة في السوق المصرفية العراقية في ظل قواعد المنافسة الحرة، أدى إلى ظهور بعض المشكلات المتعلقة بكيفية منح الائتمان المصرفي وأخرى بكيفية استعمال وسائل الفن المصرفي، والتي كشفت عن وجود خلل كبير في الجهاز المصرفي العراقي يصعب التحكم به من دون وجود تنظيم قانوني لهذه العملية المتعلقة بالنقد والقرض. والتوجه بجدية نحو تقرير قواعد العمل المصرفي وفق أسلوب اقتصادي علمي سليم بعيدًا عن تدخل القرارات السياسية والإدارية بالنظر إلى خطورة القرارات التي تصدر عن المصارف في إطار تقديم ومنح الائتمان والتي تمتد آثارها وتتعدى العلاقة التعاقدية بين المصرف والعميل لتلحق الضرر بالغير والاقتصاد الوطني([8]).

ولكون الائتمان مرتبطًا بشكل وثيق بفكرة المخاطر، فهناك تلازم حتمي بين الائتمان والمخاطر حيث لا ائتمان بدون مخاطر، فمن يؤتمن يتعرض لخطر عدم السداد، ولذلك فلا يمكن القول إن هناك عملية ائتمانية معينة خالية من المخاطر، ونتيجة لذلك شغل هذا الموضوع الباحثين ورجال المال والفكر الاقتصادي، فأصبحت يتصدى له العديد من المؤسسات منفردة أو على شكل لجان لدراسته سعياً وراء علاجه والحد من آثاره، التي قد تمتد لا إلى عدم تحقيق المصرف العائد المتوقع من العملية الائتمانية فحسب بل إلى خسارة جميع الأموال المستخدمة لتمويل هذه العملية من قبل المصرف([9]).

ونظرًا لأهمية عملية الائتمان، ومن أجل الحفاظ على عملية ائتمانية خالية من الانحراف وكمعالجة حقيقية لها؛ كان لا بد من معالجة ما ينجم عن عملية منح الائتمان من مسؤوليات، سواء المسؤولية الجنائية للقائمين على منح الائتمان المصرفي وكيفية تحقيق الحماية القانونية المُثلى لأموال المصارف. والتي تعتبر المادة الرئيسة التي تتم بها عمليات منح الائتمان، أو المسؤولية المدنية الناجمة عن عمليات منح الائتمان المصرفي وما تتضمنه من معالجة المسؤولية المدنية التي يمكن أن تترتب على فتح المصرف للاعتماد المصرفي وكيفية تناول القواعد العامة لهذه المسؤولية والأطر التنظيمية لها. بالإضافة إلى مدى تحقق المسؤولية التأديبية للمصرف.

ولا شك أن بحث مسؤولية المصرف عن التسهيلات الائتمانية يستوجب التعريف بأهم الالتزامات الملقاة على عاتق المصارف بمناسبة أداء وظيفتها الائتمانية على اعتبارها أهم العمليات المصرفية، وذلك انطلاقًا من أحدث النصوص التشريعية والتنظيمية التي حددتها السلطات النقدية العراقية لضبط هذه الوظيفة والإشراف عليها بغرض تحسين الأداء المصرفي وتطوير أساليب إدارة المخاطر التي تهدد المصارف.

ولا سيما في ظل تطورات ضوابط ومعايير العمل في ظل المنافسة المصرفية في الساحة الدولية، ولاعتبارها قواعد فرضتها عولمة الصناعة المصرفية حفاظًا على استقرار القطاع المصرفي الدولي والاقتصاد العالمي بما تتضمنه من إيجابيات، على الرغم من أن إعمالها في الوقت الحالي قد يطرح تحديًا أمام النظام المصرفي العراقي من الناحية العملية والواقعية بالنظر إلى طبيعته ونتيجة لطبيعة عمله.

كما يستدعي البحث معالجة أهم الالتزامات المهنية ذات الطبيعة العرفية والتي عمل الفقه والقضاء على تكريسها وتوسع دائرتها، وخصوصًا في ظل النصوص التشريعية والتنظيمة التي أكدت السلطات العراقية إلزام المجموعة المصرفية بالحرص على تطبيقها في أداء وظيفتها الائتمانية، كما يمتد البحث إلى الوقوف على أهم الآثار التي تترتب نتيجة إخلال المصرف بتلك الواجبات تجاه العميل والغير وحتى تجاه المجتمع والاقتصاد، من خلال إبراز طبيعة ونوع المسؤولية التي قررتها مختلف النصوص القانونية العراقية باختلاف طبيعة المصالح المحمية.

ولعلنا نجد أن من أهم الالتزامات الملقاة على عاتق المصرف مانح التسهيلات الائتمانية التزامات تسبق منح الائتمان وتتمثل في التزام المصرف بالاستعلام والتحري وجمع المعلومات عن العملاء إلى جانب الالتزام بتقديم النصح بمخاطر المشروعات التي تمثل السبب الرئيس للمطالبة بالحصول على الائتمان، بالإضافة إلى التزامات يتعين على المصرف التقيُّد بها في خلال تنفيذ عمليات التسهيلات الائتمانية كالالتزام بالمحافظة على سرية البيانات بالعملية الائتمانية وبالطبع التزام المصرف بالتنفيذ الفعلي لمنح التسهيلات الائتمانية المتفق عليها.

بالإضافة إلى أن الإلمام بالنظام القانوني لمسؤولية المصرف عن منح التسهيلات الائتمانية يستلزم أن نحدد بعض تطبيقات هذه التسهيلات، وذلك نظرًا لاتساع الدور الائتماني للمصرف؛ حيث نجد أن وظيفة المصرف بشأن الائتمان قد تتضمن خطابات الضمان والتأجير التمويلي والاعتمادات المستندية والقروض والتسهيلات والبطاقات الائتمانية وما قد تفرضه التطورات الحديثة بشأن المعاملات، وما يحيطها من تطور سريع ومتنوع إلى حد كبير. لذلك سنحاول التركيز على بعض أنواع التسهيلات الائتمانية والتي تتمثل في القروض والاعتماد والبطاقات الائتمانية، لكي تتسنى لنا معالجتها بشيء من التفصيل ونسأل الله التوفيق والسداد.

إشكالية البحث:

في ظل تطور أداء الوظيفة المصرفية والائتمانية ألزمت السلطات النقدية العراقية المجموعة المصرفية التقيُّد بمجموعة من القواعد المهنية، التي اكتسبت طابعًا احترازيًا يضمن تحسين أسلوب عملها ويكفل تحقيق مصلحة المصرف والحفاظ على استقرار الجهاز المصرفي. إلى جانب ذلك فإن رعاية المصالح الأخرى تفرض على المصرف الالتزام بقواعد المهنة تجاه المتعاملين معه وتجاه الغير بالشكل الذي يجنبه التعرض للمسؤولية، وفي إطار تطوير وتوسيع التزامات المصرف في هذا المجال وتكريسها تنظيميًا بشكل مساير للمعايير التي يتطلبها العمل المصرفي الدولي.

 وبناءً على ذلك تتمثل الإشكالية الأساسية في هذا البحث حول تقرير مسؤولية المصرف الناشئة عن ممارسة وظيفته الائتمانية جرَّاء الإخلال بالالتزامات الملقاة على عاتقه، ومدى اعتبار تقرير مسؤولية المصرف أحد مظاهر حماية الائتمان المصرفي كوظيفة اقتصادية في العراق؟ وما مدى إمكانية صياغة قانون خاص يتعلق بحماية الوظيفة الائتمانية في ضوء جملة من النصوص المتناثرة، وفي ظل عدم وجود نظام متكامل يحكم العمل المصرفي؟

أهمية موضوع البحث:

تنطلق أهمية موضوع البحث من الدور الذي يؤديه الائتمان المصرفي في التأثير بشكل إيجابي على مجمل النشاط الاقتصادي والتجاري على المستويات كافة، سواء المحلية أو العالمية. وذلك إذا تم إجراء هذه العملية وفقًا للضوابط والقيود والشروط القانونية الواردة بشأنها سواء ضمن القوانين والتشريعات أو ضمن ما جاءت به الأعراف والعادات المصرفية أو مقررات ومبادئ الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

وبناءً على ذلك يثور موضوع التسهيلات الائتمانية والمسؤولية المصرفية عن منحها أهمية عملية تتعلق بدوره في حماية الثقة المرجوة بالنظر إلى مركزه المالي والتقني والفني وكذلك تتعلق بالتزامه بالحفاظ على استقرار الجهاز المصرفي.

كما يعد بحث مسؤولية المصرف في مجال وظيفته الائتمانية من أهم المواضيع المثيرة للجدل في مجال دراسة العمليات المصرفية والتي طرحت تضاربًا بين مختلف المصالح؛ نظرًا لأن تقرير مسؤولية المصرف بمناسبة أداء وظيفتها الائتمانية يرتبط بحماية المصالح المتضررة – مصلحة مودعي الأموال، العملاء المقترضين، الغير، مصلحة الاقتصاد والمجتمع – من جهة، وحماية مصلحة المصارف من خلال حرصها على التضييق في مجال مسؤوليتها التي تحد من حريتها في ممارسة وظيفتها الائتمانية كوظيفة اقتصادية من جهة أخرى.

أسباب اختيار موضوع البحث:

إن اهتمامنا بموضوع البحث كان نتيجة لعدة اعتبارات ذاتية موضوعية، فقد تعلقت الأسباب الذاتية بارتباط مواضيع مادة المصارف بالتخصص في مجال قانون الأعمال، ولكون الموضوعات التي تمت دراستها على مستوى كلية الحقوق في المادة المصرفية بصفة عامة وفي مجال العمليات المصرفية قليلة.

وتتمثل الأسباب الموضوعية في مساهمة المصارف والجهاز المصرفي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل فعال لا في الدول المتقدمة فحسب، بل وحتى في النامية والتي تفتقر إلى الثروات الطبيعية، ومثالها الكثير من الدول العربية. أضِف إلى ذلك أن واقع طبيعة وأداء القطاع المصرفي العراقي كمؤسسة مالية لم يعطِ لها اهتمامًا في النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة رغم تبنيها للنظام الاقتصادي الحر.

وعلى الرغم من تبني العراق لقواعد المنافسة الحرة في المجال المصرفي، واعتبار المصرف مؤسسة مالية تخضع للقانون التجاري (شركة مساهمة)؛ إلا أن القرارات السياسية والإدارية بقيت هي المتحكمة في نشاطه إلى وقت قريب، إلا أن الالتزام بالمعايير والضوابط الدولية اضطرت السلطات النقدية في وقت لاحق إلى سن أنظمة تطبيقًا لتلك المقررات، الأمر الذي دعانا إلى البحث في تلك القواعد، وفي أثر عدم الالتزام بها على الأداء المصرفي من الوجهة العامة للموضوع. وقد شكلت أهم أزمة تعرض لها القطاع المصرفي العراقي بدايةَ إعلان خضوعه لمبدأ حرية المنافسة، ومشاركة القطاع الخاص في العمل المصرفي، والتي هزت هذا القطاع، وأدت إلى فقدان الثقة به، السبب الرئيس في طرح عنوان “مسؤولية المصرف عن الائتمان المصرفي”، على اعتبار أن أهم التزام يقع على عاتق المصرف يتمثل في حمايته أموال المودعين، وما يرتبط بهذا الالتزام من آثار تتعدى نتائجها إلى المصلحة الاقتصادية بأكملها، فحماية الائتمان في مفهومه الضيق جزء من حماية الائتمان العام. كما شكلت مختلف مراحل تنظيم وعمل القطاع المصرفي العراقي فرصة سمحت بطرح هذا الموضوع وسط كل التحديات التي يواجهها في ظل التنافسية العالمية الشديدة التي أدت إلى تطور وتكريس قواعد هدفها حماية أمنه واستقراره.

أهداف البحث:  

 لا شك أن الوظيفة المصرفية باتت تواجه الكثير من المخاطر والمشاكل التي أفرزتها التطورات والمبتكرات الحديثة لآليات وطرق إدارة الأموال والمصارف من ناحية، ومن ناحية أخرى التطور الكبير للأنشطة الاقتصادية والمالية، الأمر الذي خلق العديد من التعقيدات والمخاطر المؤثرة سلبًا على المصارف وآليات عملها. وللتغلب على هذه المخاطر لا بد من وجود قيود وضوابط مصاحبة لعملية الائتمان وتنظيم واضح لالتزامات المصرف بشأن التسهيلات الائتمانية، والتي إذا ما أخل بها المصرف تتحقق مسؤوليته. وبناءً على ذلك؛ تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن التساؤلات الآتية:

  • ما هو المقصود بالمصرف، والشروط الشكلية لاكتساب وصف المصرف التجاري؟
  • ما هو المقصود بعملية منح الائتمان أو التسهيلات الائتمانية، وما هي عناصره وأهدافه؟
  • ما هي أهم المخاطر التي تواجه العمل المصرفي والتي على أساسها يحرص هذا الأخير على تأدية وظيفته الائتمانية وفق الضوابط المهنية العرفية، وتلك المحددة بموجب التنظيم القانوني؟
  • ما هي أهم التزامات المصرف المرتبطة بوظيفته الائتمانية باعتبارها وظيفة أساسية كونها تهدف إلى حماية الثقة والائتمان بمفهومه الواسع؟
  • ما هي الالتزامات التي تفرضها الطبيعة المهنية والعرفية لعمل المصرف؟ وبعبارة أخرى؛ الالتزامات الناتجة عن القواعد العرفية المتعلقة بضوابط سير العمل في مجال الائتمان المصرفي؟
  • ما هي الطبيعة القانونية لمسؤولية المصرف الناشئة عن ممارسة نشاطه الائتماني؟
  • ما هو النظام القانوني للمسؤولية التقصيرية للمصرف؟
  • هل يمكن تعرض المصرف للمسؤولية الجزائية والمسؤولية التأديبية بشأن ممارساته الائتمانية؟
  • ما هو أثر ثبوت مسؤولية المصرف؟ وما هي الجزاءات التي قد يتعرض لها؟

منهج البحث:

سوف نعتمد في مجال بحثنا المنهجَ التحليلي الوصفي؛ حيث نعتمد في المنهج التحليلي على القوانين والتشريعات ذات الصلة بموضوع البحث للإلمام بالنظام القانوني الذي يحدد مسؤولية المصرف من خلال ممارسة وظيفته الائتمانية عبر منح التسهيلات الائتمانية، وذلك من الناحية المدنية والجزائية والتأديبية.

نطاق البحث:

سوف تقتصر دراستنا في هذا البحث على توضيح مسؤولية المصرف الناشئة عن منح التسهيلات الائتمانية، ونقصد هنا دراسة مسؤولية المصرف التجاري فقط في قيامه بعمليات الائتمان، ولن نتعدى إلى دراسة مسؤولية البنك المركزي في تنظيم وتوجيه الائتمان إلا ما كان لازمًا وتفرضه طبيعة الدراسة. كما أننا سنبحث مسؤولية المصرف التجاري على اعتباره مؤسسة تم اعتمادها كمصرف، وحصلت على الترخيص الذي يسمح لها باحتكار وممارسة العمليات المصرفية، والمسؤولية المترتبة على ممارسة الوظيفة الائتمانية من طرف مؤسسة لم تستوفِ الشروط الشكلية التي تمكنها من اكتساب صفة المصرف، وعليه سوف نبحث مسؤولية المصرف فيما يتعلق بالائتمان المصرفي في ظل ما تيسر جمعه من نصوص تشريعية وقواعد تنظيمية عراقية، وذلك من خلال تسليط الضوء على الواقع النظري والعلمي المتمثل في مطالعة أحكام القضائية المتعلقة بجوانب البحث كافة، سواء من حيث التزامات المصرف التي تمثل نطاق مسؤوليته، أو من حيث آثار تحقق هذه المسؤولية على الصعيد المدني والجزائي والتأديبي.

خطة البحث:

سوف نقسم هذا البحث إلى فصلين رئيسيين؛ نعرض في الفصل الأول نطاق مسؤولية المصرف بشأن منح التسهيلات الائتمانية، وفي سبيل ذلك نوضح في المبحث الأول دور المصرف في عملية الائتمان من خلال تحديد المقصود بالمصرف في هذا الإطار، والمخاطر التي تواجهه في منح الائتمان والتي يتعين على المصرف تجنبها، بالإضافة إلى تحديد المقصود بالائتمان أو التسهيلات الائتمانية التي يقدمها المصرف وتوضيح بعض تطبيقاتها التي سيتناولها البحث.

ثم في المبحث الثاني سنحدد نطاق مسؤولية المصرف من خلال تحديد الالتزامات الملقاة على عاتقه، والتي يؤدي الإخلال بها إلى تحقق مسؤولية المصرف، بالإضافة إلى مطالعة بعض الأحكام القضائية بهذا الشأن.

وفي الفصل الثاني سنوضح أحكام النظام القانوني لكلٍ من المسؤولية المدنية للمصرف في مبحث أول، ثم نوضح المسؤولية التأديبية والجزائية في مبحث ثانٍ.

الفصل الأول
النطاق القانوني لمنح التسهيلات الائتمانية عبر المصرف

 يؤدي الجهاز المصرفي دورًا مهمًا في المساهمة بعملية التنمية يزداد عامًا بعد عام، فمنذ أن تأسس البنك المركزي العراقي عام 1947م، والجهاز المصرفي في العراق يتطور باستمرار، ولم يقتصر هذا التطور على زيادة عدد المصارف وفروعها وحجم أعمالها فحسب، وإنما اقترن بهذا التطور تعدد المصارف وتنوعها تبعًا لتنوع الأنشطة التي تمارسها، بالإضافة إلى تطور أساليب العمل المصرفي من جهة، والخدمات المصرفية من جهة أخرى.

 ويمثل الائتمان المصرفي المصدر الرئيس لتمويل المشروعات، بل يمكن القول بإن لجوء المشروعات إلى المصارف يعد من أكثر وسائل التمويل شيوعًا، وهو ما يعني انحسار طرق التمويل غير المصرفية. ولعل هذه الأهمية الكبرى للائتمان المصرفي هي ما تجعل قرار المصرف بتقديم الائتمان أو رفض تقديمه لمشروع معين يمثل مسألة مصيرية بالنسبة إلى هذا المشروع وبالنسبة إلى العمالة المرتبطة به. إلا أن أهمية الائتمان المصرفي تكمن في كونه يعتبر من أهم مقومات التنمية الاقتصادية للبلاد.

ولعل الأهمية القصوى للائتمان المصرفي تفسر اهتمام أجهزة الدولة المختصة بعملية رقابة وتوجيه الائتمان حتى يحقق الأهداف المرجوة منه على أكمل وجه، كما تدل أهميته على خطورة دور المصرف في هذا المجال، وما يرتبط بهذه المهمة من مخاطر، والتي تعتبر ملازمة لعمليات الائتمان([1]). وبناءً على ذلك سنوضح من خلال هذا الفصل ماهية التسهيلات الائتمانية وماهية المصارف مانحة التسهيلات الائتمانية والالتزامات الناشئة عنها. ولذلك فإن دراسة هذا الفصل ستتم من خلال المبحثين التاليين: المبحث الأول: دور المصارف في تقديم الائتمان. والمبحث الثاني: التزامات المصرف الناشئة عن منح التسهيلات الائتمانية.

المبحث الأول: دور المصرف في تقديم الائتمان

بادئ ذي بدء، نؤكد أن مصطلح التسهيلات الائتمانية([1]) يأتي بمعنى الائتمان المصرفي؛ بقسميه: النقدي وهو الائتمان النقدي المباشر كالقرض، والعرضي غير المباشر، كما في الكفالات المصرفية وخطابات الضمان، وغير ذلك. وقد يخرج عن مصطلح التسهيلات الائتمانية في العرف المصرفي بعض العمليات الائتمانية، لكنها تكون داخلة في مصطلح الائتمان المصرفي كالبطاقات الائتمانية، ولذلك فإن مصطلح الائتمان المصرفي أعم من مصطلح التسهيلات الائتمانية([2]).

المطلب الأول: ماهية الائتمان المصرفي

يُقصد بالائتمان الثقة([3])، وعندما يقدم المصرف الائتمان إلى أحد عملائه فهو بذلك يؤكد على ثقته بهذا العميل. وهذه الثقة تمكن العميل من الحصول على ثقة الغير أيضًا. وذلك من منطلق أن العميل يتمتع بثقة المصرف فهو إذن جدير بالثقة([4]). ولا شك أن تحديد ماهية الائتمان المصرفي تتطلب تحديد تعريف الائتمان وعناصره وأهدافه. وكذلك تطبيقات الائتمان المصرفي التي يقدمها البنك. وهو ما سنوضحه من خلال الفرعين التاليين.

المطلب الثاني: ماهية المصرف مانح الائتمان

 ترجع كلمة المصرف إلى أصل الكلمة الإيطالية Banca والتي تعني صندوق متين لحفظ النفائس (Chest)، وكذلك مقعد طويل لشخصين أو أكثر Bench وتعبر هاتان الكلمتان عن الوظيفتين الأساسيتين للبنوك، حيث تعبر الكلمة الأولى (Chest) عن وظيفة الحماية، أي المكان الذي يحتفظ فيه بكل ما هو ذو قيمة مثل الذهب والمجوهرات، والكلمة الثانية Bench تعبر عن وظيفة المعاملات بين المصرف وعملائه([1]).

المبحث الثاني: التزامات المصرف الناشئة عن منح التسهيلات الائتمانية

عندما يقوم المصرف بمباشرة مهامه المتعلقة بمنح التسهيلات الائتمانية فإنه يجب أن يتقيد بعدة التزامات سواء في قبل منح الائتمان كالتزامه بالاستعلام عن العميل وتقدير الملاءمة وتقديم النصح حول المشروع ومخاطره، أو أثناء تنفيذها كالالتزام بتنفيذ العمليات الائتمانية وتحقيق هامش ربح. ولقد أكدت المحاكم على هذه الالتزامات في العديد من أحكامها. وهو ما سنوضحه من خلال المطلبين التاليين.

المطلب الأول: التزامات المصرف قبل منح الائتمان وأثناء تنفيذها

كما سبق وذكرنا أن الوظيفة الأساسية التي يؤديها المصرف في الحياة الاقتصادية تتمثل في قبول الوادئع من الأشخاص الذين لديهم فوائض مالية ثم مَنحِ جزءٍ منها إلى من هم بحاجة إليها لتنفيذ مشروعاتهم، فهو من ناحية مؤتمن على ودائع المودعين ومن ناحية أخرى يمنح الآخرين جزءًا منها مقابل فوائد يتلقاها منهم. وقبل أن يمنح المصرف أي ائتمان يتعين عليه التقيد بالتزامات معينة. لذلك سنوضح فيما يلي الالتزام بالاستعلام وتقدير الملاءمة، ثم الالتزام بالنصح حول المشروع ومخاطره.

المطلب الثاني: التطبيقات القضائية بشأن التزامات المصرف

 سنوضح من خلال هذا المطلب موقف القضاء العراقي من التزامات المصرف المختلفة في ضوء ما تيسر لدينا من أحكام قضائية في هذا الشأن، وكذلك موقف القضاء المقارن في لبنان وفرنسا.

الفصل الثاني
النظام القانوني لمسؤولية المصرف عن التسهيلات الائتمانية

عرضنا في الفصل الأول من هذا البحث ماهية الائتمان المصرفي الذي يمنحه المصرف لعملائه وتطبيقات هذا الائتمان؛ ومنها الاعتماد المستندي والقرض والبطاقات الائتمانية، وكذلك ماهية المصرف ودوره في منح التسهيلات الائتمانية.

ولذلك سنوضح من خلال هذا الفصل النظام القانوني لمسؤولية المصرف الناشئة عن ممارسته دوره الهام في منح وتقديم التسهيلات الائتمانية، سواءً من الناحية المدنية أو الجزائية أو التأديبية.

فلا شك أن ممارسة المصرف لمنح الائتمان يستلزم أداء التزامات معينة عرضنا لها سلفًا في الفصل الأول، ولذلك فإن التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا المقام: ما هو النظام القانوني لمسؤولية المصرف من خلال ممارسته تقديم التسهيلات الائتمانية؟

للإجابة عن هذا التساؤل نقسِّم هذا الفصل إلى مبحثين متتاليين على النحو الآتي: المبحث الأول هو: المسؤولية المدنية للمصرف في مجال الائتمان المصرفي. أما المبحث الثاني فهو: المسؤولية التأديبية والجزائية للمصرف في مجال الائتمان المصرفي.

المبحث الأول: المسؤولية المدنية للمصرف في مجال الائتمان المصرفي

تمثل المسؤولية المدنية لمصرف مانح الائتمان أحد الموضوعات المهمة في الواقع العلمي الذي يشير إلى تفاقم ظاهرة الائتمان في السنوات الأخيرة، وخروج بعض المصارف عن الحدود المناسبة لأهداف السياسة الائتمانية التي يقررها البنك المركزي العراقي ونظيره اللبناني.

وبناءً على ذلك فإن مخالفة المصارف للقواعد المحددة لمنح التسهيلات المصرفية قد تترتب عليها مخاطر وآثار سلبية في مواجهة العديد من الأشخاص ومن بينهم العميل طالب هذه التسهيلات، وهنا تتجلى أهمية المسؤولية المدنية للمصرف مانح الائتمان؛ كونها بمثابة وسيلة علاجية لكل ما قد يترتب من مخاطر ائتمانية على عملية منح التسهيلات المصرفية.

ولتحديد المسؤولية المدنية للمصرف في مجال الائتمان المصرفي يتعين علينا التحري عن هذه المسؤولية في ضوء تطبيقات الائتمان المصرفي التي يقدمها المصرف والمتمثلة في القرض والاعتماد المستندي والبطاقات الائتمانية وأركان هذه المسؤولية تجاه العميل طالب الائتمان والغير.

لذلك سنتناول هذا المبحث من خلال المطلبين التاليين: حالات المسؤولية المدنية للمصرف في مجال الائتمان المصرفي في المطلب الأول، وأركان المسؤولية المدنية للمصرف تجاه العميل والغير في المطلب الثاني.

المبحث الثاني: المسؤولية التأديبية والجزائية للمصرف في الائتمان المصرفي

تتسم عمليات الائتمان المصرفي بالأهمية القصوى، نظرًا لعلاقته الوثيقة بمصالح الأفراد والجماعات بشكل عام، ومجمل النشاط المالي والاقتصادي في الدولة بشكل خاص. وتجدر الإشارة إلى أن قيام مسؤولية المصرف المدنية أو الإدارية لا تحول دون مساءلته جزائيًا إذ يــــــمكن مساءلة المـــصرف جزائيًا متى ارتكب فعلًا مجرمًا قانونًا([1])، كأن يقوم بإفشاء معلومات سرية لا يجوز للمصرف إفشاؤها([2])، أو قام باستعمال محررات مزورة مع علمه بتزويرها([3]). ولذلك فإن مسؤولية المصرف الناشئة عن منح الائتمان المصرفي لا تقتصر على الناحية المدنية فقط وإنما قد تثور مسؤولية البنك التأديبية، وكذلك مسؤوليته الجزائية


([1])المادة (56 / الفقرة الخامسة) من قانون المصارف العراقي وتقابلها المادة (118) من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد المصري.

([2])المادة (437) من قانون العقوبات العراقي المعدل رقم 111 لسنة 1969 وتقابلها المادة (97،124) من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد المصري.

([3])المادة (298) من قانون العقوبات أعلاه.


([1])محمد سويلم، إدار المصارف التقليدية والمصارف الإسلامية، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، مصر، 1998، ص 11.


([1]) التسهيلات في اللغة جمع تسهيل، وهي مأخوذة من السَهل، وهو: كل ما فيه ليونة ويُسر وقلة الخشونة، وهو عكس الحزن والصعب. معجم الصواب اللغوي (1/ 321)، معجم اللغة العربية المعاصرة (2/1125). وفي الاصطلاح ترد التسهيلات بمعنى التيسير، فالتسهيلات مجموعة من التيسيرات التي تكون في أمر معين. معجم اللغة العربية المعاصرة (2/1125).

([2]) إياس بن إبراهيم الهزاع، أحكام التسهيلات الائتمانية في الفقه الإسلامي، دار الميمان للنشر والتوزيع، السعودية، 2019، ص 39.

([3]) الائتمان في اللغة مشتق من الأمن، وهو الطمأنينة وسكون القلب؛ والائتمان مصدر ائتمن، وهو عَدُ الشخص أمينًا، والأمانة ضد الخيانة، ومنه قوله تعالى: “فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ”. سورة البقرة، الآية: 283.

([4]) علي جمال الدين عوض، عمليات البنوك من الوجهة القانونية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1981، ص 423.


([1]) جمال عبد المحسن أحمد، مسئولية البنك التقصرية بصدد فتح الاعتماد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة أسيوط، 1993، ص 2.


([1]) محمود الكيلاني، الموسوعة التجارية والمصرفية، المجلد الرابع، عمليات البنوك، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2009، ص 11.

([2]) تامر ريمون فهيم، ضمانات الائتمان المصرفي، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، القاهرة، 2011، ص 12.

([3]) محمد كمال سالم، جدوى الرقابة القانونية على البنوك، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، القاهرة، 2014، ص 14.

([4]) هاني دويدار، الوجيز في العقود التجارية والعمليات المصرفية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2002، ص 251.

([5]) فرياد شكر حسين، منح الائتمان المصرفي من الوجهة القانونية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، مصر، 2015، ص 9.

([6]) محمد علي سويلم، عمليات البنوك، الطبعة الأولى، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2014، ص 17.

([7]) عباس عيسى هلال، مسؤولية البنك في عقود الائتمان، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1993، ص 23.

([8]) إلياس ناصف، العقود الائتمانية في القانون المقارن، منشورات الحلبي، بيروت، 2010.

([9]) حسين محسن توفيق، فالح عبد الكريم الشيخلي: المخاطرة الائتمانية وأثرها في عملية الإقراض والسياسة الإقراضية، بحث منشور، مجلة الرشيد المصرفية، مجلة فصيلة تصدر عن مصرف الرشيد، العدد السادس، السنة الثانية، 2002، ص 8.