الأثار السياسية والاقتصادية لقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول

إن الزخم الذي يشهده مسرح العلاقات الدولية من تعدّد وتنوع في أشكال المبادلات التجارية والاقتصادية، كان الدافع الأول لضرورة إيجاد قنوات تكفل استقرار العلاقات بين الدول في ظل اختلاف المصالح وتشابه هذه القنوات حالت في كثير من الأحيان دون اندلاع خلافات ونزاعات التي قد تتحول في أغلب الأحيان إلى حروب مدمرة.
واكن رغم ذلك فإنه في فترات متقطعة ومتباعدة شهد المجتمع الدولي العديد من الحروب والنزاعات التي خلفت وراءها مأسي وآلاماً كثيرة، حاولت الدول جاهدة الحدّ منها تلافياً لما يتمخض عنها من نتائج وخيمة على الإنسانية، وقد تكفلت الدبلوماسية بهذه المهمة باعتبارها معاكسة لمنطق القوة وتميل دائماً إلى منطق الحكمة وحسن التدبير، وذلك من خلال تبادل الدول بعثات دائمة فيما بينها تشكل أداة للتشاور والتفاوض حول كل المسائل المشتركة بينها، ومن ناحية أخرى، فإن هذه البعثات تعتبر قرينه على حسن العلاقات بين الدول ومعياراً لحرصها على إرساء دعائم السلم والآمن الدوليين.
ولذا ظهر العديد من الاتفاقيات والمعاهدات التي تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول في مختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية منعاً لحدوث أي نزاع فيما بينها، وجرى تنظيمها بجملة من المعاهدات، كاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية سنة 1961، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية سنة 1963م، واتفاقية فيينا للبعثات الخاصة سنة 1969.
تعدّ نصوص هذه الاتفاقيات من أهم النصوص القانونية الدولية في المجال الدبلوماسي، إذ تشكل أساس التعامل الدبلوماسي، وقد جاءت هذه الاتفاقيات لتحديد التزامات الدول في هذا المجال الشديد الأهمية والحساسية.
وتعني الدبلوماسية: عملية التمثيل والتفاوض التي تجري بين الدول في إطار العلاقات الدولية، كما إنه ومع انتشار شبكة العلاقات الدولية وتطور العمل الدبلوماسي واتخاذه أنماطاً متعددة، تطورت الدبلوماسية لتصبح لا نظاماً للتواصل السياسي الخارجي بين الدول فحسب، بل أيضاً نسقاً من الممارسة والسلوك يستهدف تنظيم المصالح المشتركة بينها، سواء أكانت اقتصادية أم ثقافية أم علمية، حيث كانت العلاقات الدبلوماسية بين الدول منذ القدم تخضع لأصول معينة من القواعد وتستعين بأدوات خاصة للتخاطب، ومن هذه الأدوات اعتماد السفارات أو البعثات التي توثّق العلاقات بين الدول على أكثر من مستوى.
إلا أن العلاقات بين الدول لا تكون دائماً سلمية وودية، فقد يشوبها بعض الخلافات والمنازعات، وقد تترافق هذه الخلافات مع جدلية السيادة والاستقلال والترابط المتبادل كما قد تؤدي هذه الخلافات إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول، وليست عملية قطع العلاقات الدبلوماسية مرتبطة بقاعدة خاصة، والسبب في ذلك يعود إلى أن الدولة تتمتع بكامل الحرية عند اتخاذها مثل هذا القرار الخطير جداً، حيث إن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية لا يُتَّخَذ، إلا إذا رأت الدولة أن مصالحها قد تضررت وأن هناك سبباً خطيراً أو شديد الأهمية لقطع العلاقات الدبلوماسية، وهو ما شهدته الساحة الدولية كثيراً في الآونة الأخيرة.
كما يتم قطع العلاقات الدبلوماسية، من طرف واحد بالرغم من أنه يؤثر على بعثتين دبلوماسيتين، إذ إنّه عندما يحصل قطعاً للعلاقات الدبلوماسية من خلال الاتفاق المتبادل، فإن ذلك لم يكن بصيغة قطع ولكن من خلال قرار وذي بغلق بعثات الدول المعنية، وأن الاتصالات الدبلوماسية تستمر من خلال قنوات أخرى.
وتعد عملية قطع العلاقات الدبلوماسية عملاً غير ودياً، وليست مرتبطة بقاعدة خاصة، والسبب في تلك يعود إلى أن الدولة تتمتع بكامل الحرية عند اتخاذها مثل هذا القرار الخطير جداً.
إن قطع العلاقات الدبلوماسية هو كغيره من الأعمال القانونية يحدث آثاراً على العلاقة التي تربط الدولتين، لا سيما وضع حدّ للعلاقات بينهما، وهو الهدف المقصود من هذا القرار، غير أنه يشكل الأثر العام وإلى جانبه جملة من التغيرات والانعكاسات التي يمكن أن تحدث جزاءه على مستويات مختلفة، سواء مست شخص المبعوث أو البعثة بكاملها خاصة على مستوى حصاناتها وامتيازاتها، حيث يتغير النظام الذي يحكمها بتغير علاقة الدولتين من علاقة ودية إلى علاقة غير ودية، مما يضفي على هذا الوضع الجديد طبيعة سلبية، نظراً لتدهور العلاقة بين الدولتين، حيث قد تبرز جملة من الآثار السلبية الأخرى بسبب قطع العلاقات، وما يسببه ذلك من انعكاسات على الاتفاقيات القانونية التي تربط الدولتين.
الفصل الأول
الإطار القانوني لقطع العلاقات الدبلوماسية وتأثيره على التعاون بين الدول
إن لكل دولة حرة مستقلة ذات سيادة حق إقامة علاقات دبلوماسية مع دول أخرى لخدمة مصالحها، كونها لا تعيش بمعزل عن باقي العالم، خاصة وأن هذا الأخير أصبح عبارة عن قرية صغيرة بفعل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال والمواصلات، ومساهمته في نشاطات مختلف المنظمات الدولية والإقليمية، ضماناً لمصالح الشعوب ودعما للسلم والأمن الدوليين.
ولا ينبغي لاختلاف الأنظمة السياسية والاجتماعية أن يكون حاجزاً دون إقامة واستمرار العلاقات الدبلوماسية بين دولتين إذا عبر الطرفان عن رغبتهما في إقامتها، كما أن الاعتراف بالدول لا يقضي بإقامة علاقات دبلوماسية معها، فقد حدث أن أغلقت دول سفاراتها في دول أخرى لأسباب اقتصادية بحتة أو لبعد المسافة بينها وقلة المصالح.
وقطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني سحب الاعتراف المتبادل بين الدولتين، ولا يتطلب الاتفاق بين الطرفين، كما هو الشأن بالنسبة لإقامة العلاقات. فالمادة الثانية من اتفاقية فيينا لسنة 1961، تنص على أن ” تقام العلاقات الدبلوماسية وتنشأ البعثات الدبلوماسية الدائمة بالرضى المتبادل. وقطع العلاقات الدبلوماسية هو إجراءً وحيد الجانب، لا يعبر إلا عن إرادة طرف واحد ودون اتفاق مسبق. وإلى جانب كونه إجراء وحيد الجانب، فهو إجراء استنسابي وعمل غير ودي. وهو في ذات الوقت وسيلة وظاهرة: وسيلة لأنه يشكل أحيانا بديلا من الحرب، ولكن من دون أن يلغيها بتاتاً، وظاهرة لأنه يعبر عن اضطراب معين في نظام العلاقات الدولية ( ).
إن قطع العلاقات الدبلوماسية هو كغيره من الأعمال القانونية يحدث أثار على العلاقة التي تربط الدولتين لاسيما في وضع حد للعلاقات بينهما، فهو الهدف المقصود من هذا القرار غير أن هذا هو الأثر العام وإلى جانبه هناك جملة من التغيرات والانعكاسات التي يمكن أن تحدث جراءه على مستويات مختلفة سواء أمست شخص المبعوث والبعثة بكاملها خصوصا على مستوى حصاناتها وامتيازاتها حيث يتغير النظام الذي يحكمها بتغير علاقة الدولتين من علاقة ودية إلى علاقة غير ودية، مما يضفي على هذا الوضع الجديد طبيعة سلبية نظرا لاستياء العلاقة بين الدولتين بسبب القطع حيث قد تبرز جملة من الآثار السلبية الأخرى للقطع على المعاهدات التي تربط الدولتين.
وتكمن خطورة قطع العلاقات بين الدول في كونها تؤدي إلى ضرب العلاقة بين الدولتين على أكثر من صعيد اقتصادي وثقافي وسياسي، كما تؤدي إلى شلل وتوقف وظائف البعثة، وتوقف عمل أعضائها، كذلك يمكن أن تمتد آثار هذا القطع إلى دول أخرى.
المطلب الأول
ماهية قطع العلاقات الدبلوماسية
لا يوجد التزام قانوني بأن توفد الدول ممثليها الدبلوماسيين إلى الدول الأجنبية وتقبل في الوقت ذاته مبعوثي الدول الأجنبية الدبلوماسيين، بيد أن رفض الدولة إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى مؤداه انزوائها وبقائها خارج نطاق جماعة الدول وإقصاء نفسها تبعاً لذلك عن دائرة تطبيق القانون الدولي، وهو ما ليس في مصلحتها إطلاقًا، ويعوق ارتقاءها وتدعيم مركزها الدولي.
أمّا قطع العلاقات الدبلوماسية فيعد أحد أخطر الوسائل التي تعبّر عن مدى ما آلت إليه العلاقات بين دولتين أو دول معينة من تدهور، ذلك أنه يؤدي إلى إنهاء العلاقات الودية التي كانت سائدة بينهم، وهو عمل سيادي منفرد الجانب، وإنه تعبير عن الاختصاص التقديري للدولة السيدة، الذي يؤدي إلى انتهاء البعثة الدبلوماسية الدائمة وبعض الآثار القانونية الأخرى ( ).
لا يوجد التزام على الدولة السيدة في أن تُسبب إعلانها في قطع العلاقات الدبلوماسية والذي يعد تعبيرا عن الاختصاص التقديري الانفرادي للدولة، ولكن في الغالب فالدولة تقصد من تسبيب قرارها الحصول على أكبر قدر من الدعم الدولي.
المطلب الثاني
أسباب قطع العلاقات الدبلوماسية وأشكالها
إن الدول اعتبرت اللجوء إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة أخرى مجالاً للتخفيف من حدة الخلاف وتباين الآراء، وتعبيراً عن الاستياء، ازاء موضوع معين، من دون اللجوء إلى النزاع المسلح أو الحرب، لذلك إن أسبابه متغايرة ومتعددة جداً، وإذا كان قطع هذه العلاقات قديماً يعتبر أمراً استثنائياً، فإنه اليوم دائماً في ازدياد مضطرد، إلا أنه بالرغم مما يمثله من وسيلة مخففة للاحتقان بين الدول لكنه أمر مستهجن في العلاقات الدولية.
إضافة لذلك يمكن اعتبار قطع العلاقات الدبلوماسية بأشكال مختلفة وناتج عن الاختصاص التقديري للدول التي يمكن أن تتخذ قرار القطع بالطرق والأشكال التي تراها مناسبة ( ).
المبحث الثاني
قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول وانعكاساته الدولية
من الأشكال الأخرى للأحوال الاستثنائية في إنهاء المهمة الدبلوماسية قيام إحدى الدولتين اللتين تتبادلان التمثيل الدبلوماسي بعمل تشعر منه أنه عمل عدائي يترتب عليه أن تهدد مصالح هذه الدولة التي تشعر أنها المعتدى على حقوقها أو كرامتها أو مصلحها( ).
وحينئذ تبادر بقطع العلاقات الدبلوماسية التي تؤدي بدورها إلى إنهاء المهمة الدبلوماسية ومن ثم تنتهي مهمة البعثة الدبلوماسية إما بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية أو بسبب الحرب، فلا تلجأ الدولة إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة ما إلا في الحالات الخطرة عندما تتدهور العلاقات بينها، وعندما تقطع الدولة علاقاتها الدبلوماسية مع دولة ما فإنها تعمد إلى سحب بعثتها الدبلوماسية لدى تلك الدولة وتطرد بعثتها من أراضيها.
ويعد قطع العلاقات الدبلوماسية أخطر مظهر من مظاهر توتر العلاقات بين الدول وهو أقسى تعبير عن مدى سوء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين نظراً إلى ما يحدثه من استحالة التفاوض، و التحاور فيما بينها جراء انسداد القنوات الدبلوماسية بعد فشل محاولات التهدئة أو التسوية سواء بعد طرد الدبلوماسيين أم إغلاق السفارات أم غير ذلك من أوجه التوتر، واحتمال الالتجاء إلى وسائل الإكراه أو أعمال العنف لحسم النزاع الذي أدى إلى اتخاذ هذا الإجراء الخطير، وقد كان قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين حتى وقت قريب نذيراً بنشوب الحرب بينهما إذا لم يتدارك الأمر بتدخل دولة أو بضع دول صديقة لمنع الاصطدام المسلح و العمل على تهدئة الخواطر و تسوية النزاع القائم بالطريق السلمي( ).
المطلب الأول
آثار قطع العلاقات الدبلوماسية على المعاهدات والمسؤولية الدولية
يترتب على قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين إنهاء الصلات الودية التي تتمثل في هذه العلاقات ووقف كل اتصال مباشر بين حكومتيهما طوال المدة التي تستمر فيها العلاقات منقطعة، وإذا اقتضى الأمر التفاوض بين الحكومتين في شأن من الشؤون المشتركة العاجلة، فيتم ذلك عن طريق مندوبين تعينهم كل من الدولتين لهذا الغرض أو عن طريق دولة صديقة تتولى مهمة الوسيط بينهما، وقد جرى العمل فعلا على أن تعهد كل من الدولتين بمجرد قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما إلى إحدى الدول الصديقة التي يكون لها تمثيل دبلوماسي لدى الدول الأخرى برعاية مصالحها والإشراف على شؤون رعاياها في هذه الدولة لحين عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي.
وقطع العلاقات الدبلوماسية إن كان ينهي الصلات الودية، فإنه لا ينهي بحد ذاته حالة السلم بين الدولتين صاحبتي الشأن، فتظل هذه الحالة قائمة قانوناً طالما أن النزاع الذي أدى إلى قطع العلاقات لم يتطور إلى اصطدام مسلح بين الطرفين، فلا يترتب بالضرورة على قطع العلاقات الدبلوماسية نتائج مماثلة لتلك التي تتبع قيام الحرب فعلا بين الدولتين المتنازعتين ولا تتأثر الالتزامات التي سبق أن ارتبط بها كل منهما بها قبل الأخرى بقطع العلاقات مثلما تتأثر بحالة الحرب، فتظل المعاهدات السابق إبرامها بينهما سارية المفعول، ويظل التزام كل من الطرفين ومسؤولية كل منهما اتجاه الآخر قائمة حتى يتفق على خلاف ذلك( ).
المطلب الثاني
آثار قطع العلاقات الدبلوماسية على تعاون الدول وحقوق الانسان
للحدود بين الدول أهمية خاصة، أولا لأنها هي التي تحدد النطاق الإقليمي للدول الذي يخضع لسيادتها وسلطاتها، وثانياً لأن كل نزاع حول الحدود، أو على الحدود، أو بسبب الحدود، يسفر عن توتر العلاقات بين المتنازعين قد يؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية أو (في ظل الأسلحة المتطورة الراهنة) إلى اندلاع حروب محلية أو شاملة، من شأنها تعريض السلم والأمن، المحليين للخطر ( ).
الفصل الثاني
الآثار المترتبة على قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول
لا تقتصر الدبلوماسية على ذلك النوع من التبادل الدبلوماسي القائم على شخصية السفير أو على نشاط البعثة الدبلوماسية، بل توسعت وأخذت أشكالاً وأنماطاً مختلفة، وباتت تشمل البعثات والقنصليات والممثليات الدبلوماسية الجماعية، وكذلك دبلوماسية المؤتمرات والمنظمات الدولية التي تعمل على تعزيز العلاقات الدولية وتنفيذ وتحقيق أهداف السياسة الخارجية لأي دولة من الدول من خلال المحادثات حول مختلف المواضيع التي تهم الدول المشاركة في تلك المؤتمرات والمنظمات الدولية.
إلا أن العلاقات بين الدول لا تكون دائماً سلمية وودية، فقد يشوبها بعض الخلافات والمنازعات، وقد تترافق مع جدلية السيادة والاستقلال والترابط المتبادل، كما قد تؤدي هذه الخلافات إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول، وليست عملية قطع العلاقات الدبلوماسية مرتبطة بقاعدة خاصة، والسبب في ذلك يعود إلى أن الدولة تتمتع بكامل الحرية عند اتخاذها مثل هذا القرار الخطير جداً، وغالباً ما لا يؤخذ قرار القطع، إلا إذا رأت الدولة أن مصالحها قد تضررت وأن هناك سبباً خطيراً أو شديد الأهمية لقطع العلاقات الدبلوماسية، وهو ما شهدت عليه الساحة الدولية كثيراً في الآونة الأخيرة( ).
إن من أهم ميزات هذا التدبير «الخطير»، أنه لا يعني الدولتين اللتان من المحتمل إقدامهما على الاشتباك في حرب بينهما، بل قد يقصد منه فقط تهديد إحدى الدولتين للأخرى حتى تقبل بوجهة نظر معينة بيد أن التدبير يأتي نتيجة حتمية لأي حرب تنشب بين دولتين أي أن الحرب تؤدي حتماً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، لا العكس وقد يعني القطع أحياناً أن الدولة لا ترغب في متابعة صلاتها بالدولة الأخرى حتى إشعار آخر كما قد يحدث بقصد المجاملة خدمة لدولة حليفة أو صديقة، أو على إثر «طرد ممثل دبلوماسي في ما إذا كان هذا التدبير موجهاً ليس ضد الشخص الممثل بل عبثاً بكرامة دولته أو بغية وضع حد للعلاقات القائمة معها.
وتكمن خطورة قطع العلاقات بين الدول في كونها تؤدي إلى ضرب العلاقة بين الدولتين على أكثر من صعيد – على صعيد مصالح الدولتين ورعاياهما – كما تؤدي إلى شلل وتوقف وظائف البعثة، وتوقف عمل أعضائها، كذلك يمكن أن تمتد آثار هذا القطع إلى دول أخرى.

المبحث الأول
الآثار السياسية والاقتصادية لقطع العلاقات الدبلوماسية
يهدف القانون الدولي العام إلى تنظيم وتوطيد العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، وغيرها من العلاقات بين الدول، وذلك في إطار من الندية والاحترام المتبادل، ويؤكد الدكتور شفيق المصري أنّ العلاقات الدبلوماسية هي الوسيلة الأكثر جدوى لتعاطي بعض الدول مع بعضها الآخر، سواء في حالات السلم حيث تعزّز بواسطتها العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية فيما بينها، أم في حالات النزاع حيث تكون هذه العلاقات وسيلة أساسية لدراسة النزاع وفضه بالوسائل السلمية. وهو شأن معترف به منذ عدة قرون.
صحيح أن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يستوجب بالضرورة قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية والمواصلات والاتصالات، إلا أن هذا القطع قد ينم عن تشنج أو تدهور في العلاقات إلى مستوى ينذر بما هو أسوأ، ونعني بذلك اندلاع الحرب، فإن تم سحب الممثلين الدبلوماسيين والقنصليين من كلا البلدين فسيكون لذلك أثر بالغ في الحفاظ على الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية والمالية إن كانت قائمة بين البلدين وسيزيد الوضع تأزما ويباعد بين الطرفين. وبعبارة أخرى، فإن قطع العلاقات الاقتصادية، بما في ذلك المبادلات التجارية والمساعدات التقنية ودعم التنمية والمعاملات المالية، سيكون تعبيرا جليا عن مدى التأزم الذي آلت إليه العلاقات ( ).
وقد يشمل قطع العلاقات الاقتصادية وقف المبادلات التجارية والمساعدات الفنية ووقف القروض والاستثمارات، كما قد يشمل قطع الاتصالات والمواصلات، كإغلاق المطارات والمجالات الجوية والموانئ والقطارات والمواصلات البرية والاتصالات السلكية واللاسلكية من هنا تكمن أهمية أثر قطع العلاقات الدبلوماسية في العلاقات الاقتصادية، لأن ذلك يشكل انسدادا أو انقطاعا أو تعثرا في التواصل بين الأطراف، وبذلك يصبح من المتعذر إيجاد تسويات سلمية للخلافات أو النزاعات الدولية لأنه باتساع هوة التباعد أو التنافر تنهار العلاقة الدبلوماسية.
المطلب الثاني
الآثار الاقتصادية على قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول
يهدف القانون الدولي العام إلى تنظيم وتوطيد العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، وغيرها من العلاقات بين الدول، وذلك في إطار من الندية والاحترام المتبادل، وإن العلاقات الدبلوماسية هي الوسيلة الأكثر جدوى لتعاطي بعض الدول مع بعضها الآخر، سواء في حالات السلم حيث تعزز بواسطتها العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية في ما بينها، أم في حالات النزاع حيث تكون هذه العلاقات وسيلة أساسية لدراسة النزاع وفضه بالوسائل السلمية، وهو شأن معترف به منذ عدة قرون”، وإن مهام البعثة تتدرج المهام في إطار تمثيل الدولة، ويقوم السفير نفسه، وليس الملحقون أو القناصل، بحماية مصالح مواطني الدولة، وبالتفاوض من أجل تعزيز هذه العلاقات وتطويرها، وبصون علاقات الصداقة، وفقا لأحكام القانون الدولي.
المبحث الثاني
تطبيقات قطع العلاقات الدبلوماسية (قطر- دول الخليج)
تشهد منطقة الخليج منذ أواخر أيار 2017 أزمة دبلوماسية بين عدد من دول مجلس التعاون الخليجي العربية، هي الأكثر حدةً منذ تشكيل المجلس عام 1981، حيث بدأت الأزمة بحملة إعلاميّة على دولة قطر، قادتها وسائل إعلام سعودية وإماراتية.
وبخلاف أزمة سحب السفراء عام 2014، أقدمت ثلاث دول خليجية هي السعودية، والبحرين، والإمارات مع مصر، في الخامس من حزيران 2017، على قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض حصار شامل على قطر ثم سلّمتها قائمة مطالب، وأمهلتها عشرة أيام لتنفيذها أو مواجهة سيناريوهات تصعيدية، وفي الإطار نفسه، تسعى هذه الدول إلى عزل قطر دبلوماسياً وسيلةً لإجبارها على الخضوع، غير أنّ القوى الكبرى تعاملت بمسؤولية أكبر تجاه الأزمة، وبدأت تقوم بدور الوسيط لتسويتها.
وتعتبر الصراعات بين الدول من أهم أسباب استنزاف ثرواتها، فضلًا عن أنها تهدر فرص التعاون والتكامل بين اقتصاديات الدول المتصارعة، وتكون الطامة الكبرى أن يقع الصراع بين دول الجوار، وبخاصة تلك التي تربط بينها العديد من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، بل والمصير المشترك. والصراع الخليجي يقع في دائرة صراعات المغارم، ولن يخرج منه طرف رابح وآخر خاسر، وانطلاقاً من هذه المسلمة من الضروري أن نرصد الخسائر الاقتصادية التي تحملها الطرفين( ).
المطلب الأول
قطر وخلفية علاقاتها مع الدول الأربع
قررت دول الخليج العربية المجاورة لدولة قطر في العام 2017 قطع العلاقات الدبلوماسية معها وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية، وذلك بسبب مزاعم بدعم قطر للإرهاب وتدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وقد أدى هذا الخلاف إلى تعقيد العلاقات السياسية والاقتصادية بين قطر ودول الخليج، كما أنه أثر على الأسر الخليجية المنشقة عن بعضها البعض وعلى مصالح المواطنين في الدول المتضررة وعلى الوضع الاقتصادي والأمني في المنطقة.
وبالرغم من بعض المحاولات لحل الأزمة عن طريق الوساطة الدبلوماسية، فإن العلاقات لم تتحسن بشكل كبير حتى الآن، ويعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين قطر ودول الخليج حدثاً مهماً في تاريخ المنطقة العربية، وهو يؤكد على التحديات التي تواجه العلاقات بين الدول العربية في المنطقة، وعلى ضرورة الحوار والتفاهم بينها لتجاوز تلك التحديات( ).
المطلب الثاني
أسباب قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وآثاره
بدأت الأزمة الدبلوماسية في الخليج العربي بقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مـع قطـر مـن قبل الدول الأربع في (5/6/2017)، عندما أعلنت هذه الدول عن قطع العلاقات الدبلوماسية مـع قطر، وتم منح الدبلوماسيين القطريين ( 48 ) ساعة لمغادرة البلاد وطلب من الزوار القطـريين والمقيمين مغادرة البلاد خلال أسبوعين، كما سحبت الدول الأربع دبلوماسييها مـن قطـر وحظـرت مواطنيهـا مـن السفر إليها، وإن هناك أسباب وتداعيات لقرار قطع العلاقات الدبلوماسية من قبل الدول الأربع مع قطر.
قد تطورت العلاقات بين الدول تبعاً لتطور الحاجات والمصالح التي فرضتها التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فصحيح أنَّ العلاقات الدولية شهدت عبر تاريخها صراعات وحروب، إلا أنَّ تلك العلاقات كانت أيضا مليئة بالتعاون والتبادل لتأمين المصالح بين دولتين أو بين مجموعة دول تقيم فيما بينها اتفاقيات ومعاهدات، ولقد انتظمت فيما بينها علاقات دبلوماسية وفق أسس حضارية مؤسستية.
إنَّ هذا التطور في العلاقات بين الدول جعلها تنتظم وفق قواعد قانونية يرعاها القانون الدولي العام، وقد تمظهرت وفق اتفاقيات أو معاهدات كان أطرافها دولتين أو أكثر، وكان ذلك ثمرة تطور العلاقات السياسية بغية رعاية المصالح الناشئة فيما بينها.
غير أن العلاقات السياسية بين دولتين أو أكثر التي تنتظم وفق قواعد قانونية كانت نتيجة لتطور العلاقة بشكل جعل منها تقيم علاقات دبلوماسية ودية، قد تسوء وتتدرج بالتدهور لتصل إلى حد قطع تلك العلاقات، وهو أمر يؤدي إلى قطيعة سياسية، تتطور أحيانا لتصل إلى نزاع مسلح أو إلى حرب مدمرة.
ولا أحد يمكن أن يحرم الدول من استخدام حقها في قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة أخرى، كما ترى بأنها غير جديرة بإبقاء علاقاتها معها مهما كان السبب ومهما كانت المبررات، غير أنه لابد من أن نعرف أن العالم تتغير في السيادة من مطلقة إلى مطلقة إلى نسبية فحتماً إن هذا الأمر سوف يعني من جديد إعادة النظر في منح الدول لهذا الحق على إطلاقه، وقد يكون هذا هو السبيل الوحيد للسيطرة على قرارات القطع التي تنتج عن ضعف في تكوين الدبلوماسيين فتجعلهم يوقعون أنفسهم ومن ثم دولهم في مواقف تجر عليها غضب واستياء الدولة المعتمد لديها.
لكن قطع العلاقات الدبلوماسية يحدث آثار كثيرة لها وقع سلبي على العلاقات بين الدول مما يجعله يتعارض مع من النصوص القانونية الدولية لا سيما المادة 33 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة التي تدعو الدول المتنازعة إلى ضرورة حل خلافاتها بالطرق السلمية.
وقد توصلنا في نهاية هذه الدراسة إلى العديد من النتائج والتوصيات التي يمكن أن نذكر أهمها على الشكل الآتي:
أولاً: النتائج
1- ليس ثمة شك في أنه في أطار القانون الدبلوماسي يعتبر قطع العلاقات الدبلوماسية ظاهرة معكرة للعلاقات بين الدول فهو دليل على وجود بعض الصعوبات بين الدولتين المعنيتين والتي تتمثل، في بعض الاحيان، في وجود خلافات عميقة بينهما، بل قد يصاحبه بعض المشاعر النفسية للرأي العام في كل من الدولتين تجاه الدولة الأخرى.
2- تتمثل طبيعة قطع العلاقات الدبلوماسية بصفة أساسية بكونه عملاً تقديرياً ومنفرد الجانب من أعمال التنازل أو الاحتجاج أحياناً، وهذا العمل القانوني يظهر إلى حيز الوجود بتعبير عن الإرادة لإحدى الدول سواء بصورة صريحة أو ضمنية، وسواء أكان كتابياً أو شفهياً مشتملاً على التسبب أو بدونه.
3- يمكن قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول لأسباب متنوعة، حيث يعتبر قطع العلاقات الدبلوماسية هو أحد الوقائع التي يمكن أن تخلق صعوبات خطيرة بين الطرفين المعنيين، غالباً ما يكون نتيجة خلافات عميقة الجذور بين البلدين، بدلاً من الاختلافات البسيطة في السياسة، هذا يمكن أن يؤدي إلى مشاعر العداء العام في كلا البلدين تجاه الآخر.
4- أن للقطع آثاراً سلبية متعددة وذات خطورة، يتمثل أهمها في زوال الوسيلة أو الأداة الأساسية للاتصال بين الدول وتنمية العلاقات الودية فيما بينها، وعدم قدرة البعثة على القيام بمهامها، ومتابعة شؤون بلادها ومصالحها وأمور رعاياها، وهذا ما يؤدي إلى إغلاق دار البعثة ومغادرة أعضائها إقليم الدولة المضيفة.
5- إن القطع لا يؤثر في العلاقات القنصلية، والمعاهدات المبرمة بين الدولتين ومباني ومحفوظات البعثة، ولا يؤدي أيضاً إلى التعرض لأشخاص ورعايا الدولتين وانتهاك حقوقهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، كما لا تتأثر بالقطع العلاقات الدولية الأخرى بين الدول، ولاسيما التجارية والاقتصادية والاتصالات بين الدولتين ما لم تعبر إحدى الدول عن خلاف ذلك.
6- إن قطع العلاقات الدولية تتميز اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأنها ” ظاهرة كلية أو إجمالية ” الأمر الذي يتم ترجمته بحتمية إقامة وإيجاد علاقات بين مختلف أشخاص القانون الدولي، ففي الحقيقة، نتيجة أن العلاقات الدولية الحالية هي علاقات تتميز بصفتها الاجتماعية وبترابطها فإن إقامة وسائل للاتصال بين أشخاص القانون الدولي شكل أمراً مفروضاً، ذلك أن كل ظاهرة اجتماعية تتكون أساساً من العديد من المبادلات والتيارات العلائقية، وهذا هو حال العلاقات الدولية التي ازدادت وتكاثفت في كافة المجالات والاتجاهات خصوصاً في الأربعين أو الخمسين سنة الماضية بسبب الزيادة الرأسية والأفقية، التي لم يسبق لها مثيل للعلاقات القانونية الدولية.
7- يمكن قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء جميع أشكال العلاقات الدولية بينهما، يحدث هذا عند إنهاء مهمة البعثة الدبلوماسية الدائمة، بحيث لا تتأثر أشكال الاتصال أو العلاقات الأخرى بين البلدين تلقائياً، لأن الوضع الدولي الحالي يفرض على دولة واحدة أو أكثر التعامل مع أو إقامة علاقات مع السلطات غير المعترف بها أو غير المحتفظ بها لدولة ما.
ثانياً: التوصيات
1- إن مسألة إنهاء الاتفاقيات القانونية وإيقافها، لا بد من أن تنظمها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 بنوع من الصرامة والحزم، وذلك بفرض شروط معقدة وإجراءات وأسباب مقنعة، وخصوصاً فيما لو الأمر متعلقاً بالاتفاقيات القانونية بشأن حفظ السلم والأمن الدوليين.
2- إعادة النظر في اتفاقية فيينا لعام 1961، الخاصة بالعلاقات الدبلوماسية، ويفضل أن يتم خلق نظرية دبلوماسية جديدة، توافق وتوازن بين النظرية والتطبيق الدولي الحالي، مع التغيرات الدولية من جهة، ومن جهة آخري متماشية مع أنظمة وقوانين الدول، خاصة وأن هناك متغيرات متعلقة بالنظرية تؤدي إلى توفر العلاقات الدبلوماسية وأحيانا إلى قطعها.
3- ضرورة عقد المؤتمرات الدولية الخاصة بتقرير مصير حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني عند أو بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول، فالكثير من الدول تضطر أن تبقي علاقاتها مع نظم سياسية تنتهك حقوق الإنسان بشكل فض.
4- إن من شأن تنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية وإبرام اتفاقيات التعاون ودعمها في كل المجالات، أن تدفع الدول، في بعض الأحيان إلى تجنّب قطع العلاقات الدبلوماسية فيما بينها.
وأخيراً إنشاء نظام قانوني دولي يسمح بإنهاء العلاقات الدبلوماسية، سواء كانت تلك العلاقات مكملة لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية أو اتفاقية جديدة، يجب تحديد المبادئ التي يجب على الشخص الاعتباري الدولي الالتزام بها في حالة إنهاء العلاقات الدبلوماسية مع الأطراف الأخرى في المجتمع الدولي.