استخدام الوسائل غير المشروعة في التحقيق الجنائي

المقدمة

يرتبط مبدأ سيادة القانون الإلهي في الحكم بإقامة العدل بين الناس ([1]) وفق التدرج في المرجعية الدستورية والقانونية والأحكام الواجبة التطبيق في كافة الإجراءات القضائية، قصداً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الضمانات في النظام القانوني والقضائي، والتي تكفل تحقيق مصلحة الفرد والمجتمع ورعاية حقوق الإنسان، ثم أخذ بالقانون والعقوبة ليرتدع من لا يردعه إلا ذلك، وعمل التشريع على تحديد المختصين بالتحقيق الجنائي ومنحهم الوسائل المشروعة لغايتهم ([2]).

يشهد العالم خلافات ونزاعات حول المشروعية فيما يتعلق باستخدام المؤثرات البدنية والعقلية التي تنال من الجانب البدني والمعنوي للمنهم أثناء مراحل التحقيق المختلفة، حيث تباينت النظم القانونية في تقنين هذا الاستخدام، ومدى تأثيره على حقوق المتهم كإنسان والضمانات المقررة له خلال التحقيق الجنائي حيث يكون في موقع استضعاف يلزمه فيه كافة الضمانات القانونية التي تكفل له الإجابة والإدلاء بأقواله بإرادة تامة وصحيحة.

كما اختلف التنظيم المتعلق بنتائج استخدام تلك الوسائل غير المشروعة، وثم بيان أثر استخدام هذه المؤثرات في حجية البيئة الصادرة عن المتهم نتيجة الإكراه الواقع عليه، وقياس أثر ذلك في حجية الحكم القضائي ونفاذه ظاهراً وباطناً، حيث عمدت التشريعات الوطنية العراقية والمقارنة لتحديد مجموعة من الضوابط الشرعية التي تضبط استخدام المؤثرات، وتضمن تضييق الفجوة بين النظرية والتطبيق الذي يشهده العالم فيما يتعلق بالمنهج التحقيقي المعول به في الميدان العملي.

كذلك فإن عدم الانضباط القانوني في آلية تطبيق وسائل التحقيق يثير التساؤل ويستلزم الدراسة العلمية الحثيثة، والبحث في موضوع يمس القيم الإنسانية للمتهم باعتبار إنسانيته، ومصلحة المجتمع في أمنه واستقراره، قصد الخروج بمجموعة من القيود والضوابط التي تضمن استخدام الوسائل والأساليب المعدة للتحقيق، فالاستخدام الأمثل في الكشف عن الحقائق المتعلقة بالجريمة يهدف إلى قطع أسباب الجريمة، وحسم نتائجها في سبيل تحقيق العدالة القضائية على أساس من التوازن بين مصلحة المجتمع وحقوق أفراده.

إن العدالة تُعد مرآة التحضر البشري والرقي الإنساني لأنها تمثل جوهر القانون الجنائي، والمعيار الذي يدل على مدى احترام حقوق الإنسان، ومن ثَم احترام حريته التي يعدها أغلى ما يملك، وهي قوام حياته ووجوده وربما هي من أغلي الحقوق وأقدسها هذه الحرية التي يحرص الإنسان على الدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة بوصفها أساس وجوده في المجتمع السليم، وهذه الحرية تكون على المحك حينما يكون الإنسان في موضع اتهام السلطة.

يعد موقف الاتهام خطيراً في حياة أي إنسان سواء صح الاتهام أم لم يصح، وفي جميع مراحل الدعوى الجنائية، من مرحلة جمع الأدلة الاستدلال، مروراً بمرحلة التحقيق، وانتهاءً بمرحلة المحاكمة، تبرز دائما قضايا لحقوق المتهم أثناء هذه المراحل، وتعد مرحلة التحقيق الجنائي أهم وأخطر المراحل التي تمر بها الدعوى الجنائية لما لها من تأثير على مصير المتهم، إذ من خلالها يتم تأسيس الدلائل وقد تصل حد إقرار المتهم على نفسه وتقديم هذا الإقرار إلى المحكمة.

فذا كانت الدعوى الجنائية وسيلة الدولة لملاحقة المجرم وإنزال العقاب به، إلا أنه يجب ألا تكون هذه الدعوى، وسيلة تسلط من قبل أنظمة الحكم الغاشمة والمستبدة من هنا يصبح المتهم بحاجة ماسة إلى ضمانات تحميه من اتهام كاذب أو حكم جائر، أو ضغط جهات التحقيق لتحصيل أدلة لا تتمتع بصفات المشروعية أو غير ذلك من الانتهاكات، فعندما يكون الإنسان متهماً يكون مهدداً بصدور حكم بإدانته ينال من سمعته ويمس كرامته وأسرته، عندئذ يكون من اللازم تقرير ضمانات له في تلك المرحلة الخطيرة والمهمة، بما يكفل له محاكمة عادلة ([3]).

كما أنه حين تكون الحريات مكفولة في الدولة، نجد ضمانات المتهم وحقوقه، تكاد تعادل أو تساوي حقوق الدولة، أما عندما يكون الحكم تعسفياً واستبدادياً، فإن الحريات تتهدد ويتعرض المتهم للعنف والإهانة، ويتسع المساس بحريته الفردية، نتيجة نظام لجوء الحكم الى وضع القيود، وعدم الاعتراف بالكثير من الحقوق والضمانات التي من شأنها تحقيق العدل بين الخصوم في الدعوى، ويصبح الدرب واسعاً أمام السلطات القائمة بالتحقيق الجنائي لاستخدام مختلف الوسائل في استخلاص المعلومات بغض النظر عن حقوق المتهم وضماناته ([4]).

أولاً-أهمية البحث

تتجلى أهمية البحث في تأثير الوسائل غير المشروعة في التحقيق الجنائي في أهمية حقوق الإنسان نفسها، كون الإنسان أحوج ما يكون لاحترام حقوقه حينما يكون متهماً، حيث يكون في مرحلة وسطية بين البراءة والإدانة، إلا أن الإنسان الذي لم يصدر بحقه حكم بالإدانة يبقى بريئاً وإن لحقته صفة الاتهام، ويتوجب منحه وهو في صدد توجيه الاتهام إليه ضمانات وحقوق تحفظ له حقه في نفي التهمة المنسوبة إليه.

كما تتأكد أهمية هذا البحث انطلاقاً من الاختلاف الفقهي والقانوني والقضائي بشأن حق المتهم في تحقيق يتمتع بالقانونية والمشروعية، ويتضح هذا من تعدد الضمانات المكرسة لشرعية إجراءات التحقيق، فقد نصت بعض القوانين الإجرائية عليه صراحةً وبعضها ضمناً، في حين لم تنص بعض القوانين الأخرى عليه، نتيجةً لذلك جاء القضاء متبايناً في مواقفه بشأن هذا الحق من بلد لآخر، وهنا تبرز أهمية هذه الدراسة من أنها تتعلق ببيان مدى تأثر نتائج التحقيق الجنائي بالوسائل غير المشروعة.

ثانياً- إشكالية البحث

ينتج عن وقوع الجريمة حق المجتمع في بيان الحقيقة، ويستعين في سبيل ذلك بكافة الوسائل المشروعة، بغية الوصول إلى الفاعل وتقرير الجزاء العادل عليه، دون أن يمس ذلك حقوق المتهم في الدفاع عن نفسه، حيث أن المبدأ المستقر هو حق المتهم في الدفاع عن نفسه بكل الطرق المتاحة قانوناً، دون أن يعترض ذلك حق المجتمع في الوصول للحقيقة، وهنا تبرز إشكالية بحثنا حول التالي:

ما مدى فعالية الضمانات المكرسة للمتهم في تحقيق التوازن بين حقوقه ومشروعية وسائل التحقيق؟

ثالثاً- أسباب اختيار البحث:

كانت هناك عدة أسباب دفعتنا لاختيار هذا الموضوع، نقدمها مختصرة فيما يلي:

1- الأسباب الموضوعية

  • نظراً لما يشهده العالم اليوم من تطور في المستويات والأصعدة السياسية والقانونية والأمنية كافة، وما نجم عنه من تطور أساليب التحقيق والاستجواب مع المتهمين، مما دفع بالفقه القانوني والتشريع الجزائي للاهتمام بالضمانات والحقوق الممنوحة للمتهم، في محاولته لدفع الاتهام عن نفسه، وتوجب البحث في التطبيق العملي لهذه الضمانات خلال مراحل الإجراءات الجزائية بشكل عام، وفي التحقيق الجنائي.
  • بيان أهمية الضمانات الإجرائية في المحافظة على حق المتهم في قانونية ومشروعية الإجراءات المتبعة في التحقيق، وآثار الإخلال بتلك الضمانات.

2- الأسباب الشخصية

  • رغبة في زيادة التحصيل المعرفي في هذا المجال، نظراً لأهمية الموضوع، وتقديم دراسات إضافية تتماشى مع التغيرات والتطورات القانونية.
  • الرغبة في توسيع وإثراء معرفتي في هذا المجال من أجل تسهيل الاندماج في الحياة المهنية، ونظراً لارتباطه في مجال عملي.

رابعاً: منهج البحث

سنتبع في دراستنا على المنهج التحليلي وذلك للإجابة على الأسئلة التي يثيرها موضوع شرعية إجراءات التحقيق وآثار الوسائل غير المشروعة في التحقيق الجنائي، باعتباره الأنسب لمعالجة مثل هذه الموضوعات، وذلك من خلال اعتماد القراءة التحليلية لمضمون النصوص القانونية واجتهادات الفقه في هذا المجال.

كما سنعتمد في إعداد الرسالة على المنهج المقارن، وذلك من خلال مقارنة نصوص القانون الخاصة بأصول المحاكمات الجزائية في التشريعين العراقي واللبناني، لإبراز أوجه الشبه والاختلاف بين تلك النظم القانونية الخاصة بتنظيم التحقيق الجنائي في كل منهما، واقتباس التجارب الإيجابية لتفعيلها في الأنظمة القانونية الوطنية.

الفصل الأول
التنظيم القانوني لشرعية التحقيق الجنائي

عند وقوع جريمة معينة ينشأ للدولة حق معاقبة المجرم للمحافظة على النظام العام والأمن في المجتمع، لكن هذا لا يعني استباحة حقوق الأفراد وحرياتهم وتقييدها، ما لم تكن هناك مسوغات تسوع ذلك، لاسيما وأن هدف الإجراءات الجزائية هو الاهتداء إلى الحقيقة بإثبات الوقائع ونسبتها إلى شخص معين، فالأصل في الإنسان البراءة، والذي يعد من المبادئ الأساسية لضمان الحرية الشخصية للمتهم، ولاسيما أن قرينة البراءة في المتهم تلزم المشرع في القواعد الإجرائية أن يحتاط بعدم السماح لأية جهة المساس بحرية الأفراد وحقوقهم، إلا بالقدر اللازم للوصول إلى الحقيقية([5]).

حيث يبحث علم التحقيق الجنائي في الإجراءات التي يتخذها المحقق عند الشروع في عملية التحقيق بالجرائم للوصول إلى جمع الأدلة التي تثبت حقيقة وقوع الجريمة وتكشف كيفية وقوعها وأسبابها وترشد إلى معرفة مرتكبها والقبض عليه وتسليمه إلى العدالة الجنائية لينال عقابه، فلم يعد التحقيق الجنائي مجرد عمل روتيني يقوم على البحث والتقصي عن الحقيقة المؤدية إلى معرفة مرتكب الجريمة والظروف المحيطة بارتكابها، بل أصبح علما قائما بذاته يستند إلى أسس ثابتة تكونت نتيجة للدراسة النظرية المتواصلة والخبرة العلمية الطويلة ([6]).

كما أن إجراءات التحقيق الجنائي تحتل مكان الصدارة بالنسبة لإجراءات الدعوى الجزائية الإجراءات الجنائية بصوره عامه، ولها أهمية كبيرة وبارزة فيها، تتأتى من كونها الإجراءات الأولية التي تمارس بصدد الجريمة المرتكبة، ولهذا فان المشرع يعلق آمالا كبيرة على هذه الإجراءات، من حيث كشف الجريمة ومعرفة فاعلها وظروفها وملابساتها، بيد أن هذه الإجراءات في تماس مباشر ودائم مع الحريات وحقوق الأشخاص، ولما كان الأمر كذلك فلابد من وضع الضوابط والقيود التي تنظم هذه الإجراءات.

حيث أن المشرع في سبيل تحقيق فعالية التحقيق يحيط إجراءات التحقيق الجنائي بضمانات وقواعد تزيد من فاعليتها، وتؤدى في النتيجة إلى الكشف السريع للجريمة المرتكبة، ولا تدع فرصة للقائمين بهذه الإجراءات في أن يباشروها كيفما شاءوا، والمشرع بصدد ذلك إما أن ينص على شروط ومبررات هذه الإجراءات بصورة عامه أو بصورة خاصة عندما ينص على كل إجراء من هذه الإجراءات، وهو نوع من التنسيق بين مصلحة المجتمع في معاقبة مرتكبي الجرائم، ومصلحه الفرد في صيانة حقوقه الأساسية ([7]).

كما يعد موضوع ضمانات المتهم من المواضيع التي نالت قدراً كبيراً من الاهتمام من رجال القانون ومن المهتمين بحماية حقوق الإنسان، وذلك لارتباط هذه الضمانات بالأديان السماوية والدساتير وإعلانات ومواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية وقوانين الإجراءات الجنائية، التي دأبت جميعها على النص والتأكيد على تأمينها بحقوق وضمانات تحفظ كرامة الإنسان وتحميه، وعدم السماح للدولة بتضييق الخناق على هذه الحرية الفردية إلا لضرورة حماية أمن وسلامة المجتمع ([8]).

حيث أن القانون كما يهمه عقاب المتهم والقصاص منه حال ثبوت الجرم، يهمه أيضاً من جهة أخرى ألا يطال العقاب بريئاً، لذا توجب في تنظيم الإجراءات الجنائية في دولة القانون مراعاة التنسيق بين مصالح المجتمع في صونه من الإجرام والحد من تفاقمه، وبين حقوق وحريات الأفراد في تطبيق القانون، وتتباين نظم الإجراءات الجنائية تبعاً للسياسة التشريعية السائدة في كل دولة.

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين، سنتناول في المبحث الأول: النطاق القانوني لعناصر التحقيق، ثم ننتقل لنتناول في المبحث الثاني: الضمانات المقررة لاستجواب المتهم.

المبحث الأول
النطاق القانوني لعناصر التحقيق

إن القواعد التي يتصف بها التحقيق الابتدائي هي بالحقيقة قواعد وضعت خصيصا لحسن سير الإجراءات التحقيقية، ولقد نصت تشريعات وقوانين كثيرة على قواعد ومبادئ عامة، وأوجبت أتباعها في مختلف مراحل الإجراءات الجنائية، والحقيقة إذا كانت هذه القواعد والمبادئ تبدو متماسكة ومستندة الواحدة منها على الأخرى، فهذا لا يعني أنها على نفس الأهمية في مختلف مراحل الدعوى العامة، حيث أن مراعاتها في مرحلة من المراحل الدعوى الجزائية تعتمد على طبيعة تلك المرحلة وما تتطلبه من صيغ وإجراءات يجب أن تفرغ فيها.

كما أن افتراض براءة المتهم يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالنهمة الجزائية وينسحب إلى الدعوى الجزائية في جميع مراحلها وعلى امتداد إجراءاتها، ولا تنتفي هذه البراءة إلا عندما يخرج الفرد من دائرة البراءة إلى دائرة التجريم، وذلك بموجب حكم قضائي، وقبل ذلك لا يمكن المساس بالمتهم إلا في الحدود التي تسمح بها النصوص القانونية، وهذا فيه ضمان أكيد لحماية الحرية الشخصية من تحكم السلطة وتعسفها عند افتراض الجرم في حق المتهم.

كذلك يترتب على افتراض براءة المتهم معاملته بريئاً، إذ يتمتع بحقوقه كافة التي كفلها الدستور والقانون وفي الحدود التي لا تمثل اعتداء على المصلحة العامة، إذ لا تنتفي هذه القرينة حتى بتوافر أدلة إثبات ضد المتهم، بل يظل هذا الأصل قائماً لحين صدور حكم قضائي يدينه، غير أن هذا لا يعني منع أي إجراء قد يتخذ ضد المتهم فكل إجراء يسمح به القانون يجب أن يكون مقيداً بهذه الضمانات حتى لا تشكل تلك الإجراءات اعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم ([9]).

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، سنتناول في المطلب الأول: التأصيل القانوني للمتهم والتحقيق الجنائي، ثم ننتقل لنتناول في المطلب الثاني: الاستجواب ومقومات الاعتراف.

المطلب الأول
التأصيل القانوني للمتهم والتحقيق الجنائي

يعتبر المتهم مركزاً لعديد من ممارسات السلطة والتزامات مرتبطة بنوع من الخضوع لهذه السلطة وأيضاً لمجموعة من الحقوق التي ترتبط بالدعوى، وتبدو أهمية التحقيق الجنائي كونه يعد المرحلة الأولى المهمة في طريق كشف الجريمة وجمع أدلتها والربط بينها واتخاذ القرار المبدئي المناسب بشأنها، حتى أن القضاء لا يستطيع السير في طريق الإثبات دون معونة إجراءات التحقيق ونتائجه. وهو ما ينسجم ومفهوم (التحقيق) الذي يعني في ابسط صوره محاولة الكشف عن الحقيقة بمختلف وجوهها سواء ما تعلق منها بالتعرف على الجاني أو شركائه والأسباب التي دعته إلى ارتكاب جريمته وكيفية ارتكابها ([10]).

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين، سنتناول في الفرع الأول: المقصود بالمتهم وذاتيته، ثم ننتقل لنتناول في الفرع الثاني: مفهوم التحقيق الجنائي ومحدداته.

الفرع الأول
المقصود بالمتهم وذاتيته

إن المتهم لم يلاقي تعريفاً واضحاً في التشريعات العربية وإنما اعتمد المشرع على الفقه والقضاء لتعريف المتهم ([11])، حيث خلت أغلب التشريعات الإجرائية العربية باستثناء بعضها من نصوص لتعريف المتهم، وقد كانت هناك محاولات من جانب الفقه لوضع تعريف لمفهوم المتهم، وإن تحديد مفهوم المتهم يكتسب أهميته البالغة وما يقتضي هذا التحديد من حقوق وواجبات أقرتها له منظمات وهيئات عالمية إلا أننا نجد غالبية التشريعات لم تعط الأمر العناية الكافية ([12])، وهذا ما سنتناوله كما يلي:

أولاً-التعريف القانوني للمتهم

لقد سار المشرع العراقي على نهج غالبية التشريعات العربية، إذ لم يعرف المتهم لا في قانون أصول المحاكمات الجزائية ولا في قانون العقوبات، انطلاقاً من فكرة أنه ليس من واجب المشرع إيراد تعريف للمصطلحات، وإنما يترك ذلك للفقهاء في تحديد تلك المصطلحات، وقد استخدم المشرع العراقي لفظة المتهم في جميع مراحل الدعوى الجنائية كما هو مبين في نصوص قانون الأصول الجزائية، حيث عد كل شخص تنطبق عليه لفظة متهم منذ لحظة صدور أمر القبض عليه من الجهة المختصة واستجوابه ومن ثم إحالته للمحاكمة، ومن هنا نجد أن صاحب الصلاحية في إطلاق وصف المتهم هو المدعي العام([13]).

كما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي أخذ بالتعريف الواسع للمتهم([14])، إذ أن المتهم يوصف بهذه الصفة في جميع المراحل قبل وبعد إقامة الدعوى، ولحين إصدار حكم قضائي بالإدانة أو البراءة، أما قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني فقد أورد إشارة إلى تعريف المتهم وخصصه بمن تقام بحقه دعوى الحق العام إذا اتهم بجناية([15])، وقد استعمل المشرع الفرنسي عدة ألفاظ للتعبير عن الطرف المقابل في الدعوى الجزائية، حيث أن الألفاظ تختلف باختلاف مراحل الدعوى الجنائية سواء في مرحلة التحقيق أم في مرحلة المحاكمة ودور المتهم فيها([16]).

أما في التشريع المصري فهو الأخر لم يعرف المتهم فإن النيابة العامة حين ترفع الدعوى الجزائية أي تقيمها أمام القضاء، فهي لا تقدم إليه مرتكب الجريمة، وإنما تقدم إليه من تتهمه بارتكاب الجريمة، أي من كان لديها أكثر رجحاناً لوقوع الجريمة منه، وهو بذلك يسمى (متهماً) ([17]).

ثانياً- التعريف الفقهي للمتهم:

تعددت التعريفات التي خصت المتهم، ففي الفقه الفرنسي عرف المتهم في مرحلة التحقيق بأنه المدعى عليه الذي تنسب إليه مخالفة جنائية خلال التحقيق أما من قامت ضده القرائن أو الدلائل التي تنبئ عن ارتكابه مخالفة جنائية فهو الشخص القابل للاتهام، في حين أن من ترجحت ضده شبهة فأكثر فهو مشتبه فيه ([18]).

وقد عرف بعض الشراح المتهم في العراق على أنه “كل شخص تثار ضده شبهات وظنون على ارتكابه فعلا مجرما، فيصبح ملتزما بمسؤولية تجاه الاتهام بضرورة الخضوع للإجراءات التي يحددها القانون، وتستهدف تلك الإجراءات تمحيص الشبهات وتقدير قيمتها ثم الفصل بالبراءة أو الإدانة”([19])، والآخر عرفه أيضاً على أنه ” الخصم الذي يوجه إليه الاتهام بواسطة تحريك الدعوى الجزائية.

كما يعرف المتهم بأنه كل شخص تثور ضده شبهات معينة لارتكابه فعلاً مجرماً، ويترتب على ذلك التزامه بالخضوع للإجراءات التي يحددها القانون، والتي تستهدف تمحيص هذه الشبهات وتقدير قيمتها، ثم تقرير الإدانة أو البراءة عنها ([20])، وهو من تنسب إليه سلطة الاتهام ارتكاب فعل يعده القانون جريمة، سواء بوصفه فاعلاً أو شريكاً.

ثالثاً-التعريف القضائي للمتهم

يلاحظ في اتجاهات القضاء في تعريف المتهم أن القضاء الفرنسي اتجه في بعض أحكام محاكمه، ومنها المحكمة الكلية في باريس التي أصدرت حكمها المتعلق بتغيير المصطلحات، فأشارت إلى مصطلح المتهم الغائب، إذ جاء فيه ” فإنه أيا كان التغيير الاصطلاحي الجديد والأهمية التي يعطيها القانون الجديد لقرينة البراءة، فإن نعت الشخص بأنه موضوع تحت الاختبار بما لا يدعو للشك، جعل هذا الشخص يوجي بتورطه بارتكاب الجرمية”([21]).

أما القضاء العراقي فلم يشر إلى تعريف المتهم انسجاماً مع مواقف القضاء العربي والدولي، أما القضاء المصري فقد عرف المتهم بأنه” من وجه إليه الاتهام من أية جهة بارتكاب جريمة معينة، فلا مانع قانوناً من أن يعتبر الشخص متهماً أثناء قيام رجال الضابطة القضائية بمهمة جمع الاستدلالات، ما دامت قد حامت حوله الشبهات بأن له ضلعاً في ارتكاب الجريمة التي يجمع بصددها الاستدلالات”([22]).

رابعاً: شروط اكتساب صفة المتهم:

يجب توافر عدد من الشروط في الشخص لاكتساب صفة المتهم وتحريك الدعوى الجنائية ضده، ويكتسب بذلك مركزاً قانونياً يكسبه بعض الحقوق ويلقي عليه بعض الالتزامات وهذه الشروط هي:

  • وقوع الجرمية:

إن قوع الجريمة شرط أساسي لمباشرة إجراءات التحقيق بغية الوصول لمرتكبها، حيث يشترط لاكتساب الشخص صفة المتهم أن تكون هناك جريمة وقعت أو أنها توقفت عند حد الشروع، وهكذا فإن أول ما يجب على المحقق عندما تعرض عليه واقعة من الوقائع الإجرامية أن يبحث عن النص القانوني الذي ينطبق عليها، أي يقوم ببيان التكيف القانوني للفعل الإجرامي وبيان النص الذي ينطبق على ذلك الفعل، وإذا لم يجد نصاً يعاقب الفعل أصدر أمراً بأن لا وجه الإقامة الدعوى ([23]).

  • أن ينسب للمتهم ارتكاب الجريمة:

يلزم أن ترفع الدعوى الجنائية على متهم بارتكاب جريمة سواء بصفته فاعلاً أصلياً أو شريكاً فيها، ويستوي بعد ذلك توافر مانع من موانع المسؤولية أو العقاب أو توافر سبب من أسباب الإباحة، إذ إن تقدير المسؤولية الجنائية عن الفعل تفصل فيه المحكمة، وأن كان هذا لا يمنع حق النيابة العامة في إصدار الأمر لإقامة الدعوى.

  • أن يكون شخصاً قانونياً موجوداً:

إن الإنسان هو الكائن الحي الذي يكون محلاً للمسؤولية الجنائية، وهو الكائن الحي الوحيد الذي ترفع عليه الدعوى الجنائية إذا ما ارتكبت جريمة، وقد ثار الخلاف حول إمكانية رفع الدعوى وتوجيه الاتهام على الأشخاص المعنوية أو الاعتبارية دون الخوض في التفصيلات حول إمكان المساءلة الجنائية للشخص الاعتباري.

حيث أن المشرع في القوانين المقارنة وضع تنظيماً معيناً هذا التنظيم يؤدي إلى أن الشخص الطبيعي وحده هو الذي يمكن أن يكون متهماً لأنه هو الذي يمكن القبض عليه وتفتيشه وحبسه واتخاذ كافة الإجراءات ضده أما الشخص المعنوي فلا تسمح، باتخاذ تلك الإجراءات ضده إلا إن التشريع الجنائي لم ينكر مسؤوليته على الإطلاق وإنما وضع له تنظيماً خاصاً فاعترف بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية([24])، يمكن أن يكون الشخص المعنوي متهماً وتصح محاكمته والحكم بإدانته وتوقيع الجزاء وتنفيذه عليه، حيث يوجه الاتهام إلى من يمثله قانوناً.

  • أن يكون الشخص معيناً:

لا يجوز أن ترفع الدعوى على مجهول فإذا لم يصل التحقيق الابتدائي إلى تحديد المتهم تحديداً نافياً للجهالة فلا يجوز رفع الدعوى ([25])، وهذا لا يعني أن يكون معروفاً باسمه بل يكفي أن يكون معيناً بذاته.

  • أن يكون المتهم متمتعاً بالإدراك والإرادة

إن القاعدة العامة أنه لا يسأل الأشخاص الطبيعيون في حالة كونهم فاقدين للإدراك والإرادة ([26])، فلا بد أن يكون المتهم سليماً من الناحية العقلية والنفسية حتى يتمكن من إبداء دفاعه وقت رفع الدعوى، لذا يشترط فيمن توجه إليه الاتهام أمام المحكمة ألا يكون مصاباً بعاهة عقلية، وعلى ذلك يجوز توجيه هذا الاتهام ابتداء حتى تثبت للسلطة العامة للتحقيق من أن المتهم غير مصاب بمثل هذه الأمراض، فإذا ما تأكد لها أنه مصاب فإنه لا يجوز أن ترفع إلى المحكمة ويجب عليها اتخاذ القرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى.

كما يشترط في المتهم لكي بوجه إليه الاتهام أمام المحكمة أن يكون قد بلغ من التمييز، فإذا لم يبلغ المتهم من التاسعة لا يمكن تحريك الدعوى الجزائية أمام القضاء وتصدر أمراً بأن لا وجه لإقامة الدعوى وذلك لاعتبارات كونه فاقداً للإدراك ([27]).

  • أن يخضع المتهم لسلطة قضاء الدولة:

يجب ألا يكون المتهم قد منح من قبل القانون استثناء من الحصانة التي يتمتع معها محاكمته إمام إقليم الدولة أو القضاء الخاص، مثل رؤساء الدول الأجنبية، وزراء الخارجية الأجانب، ورجال السلك الدبلوماسي والقنصليات، وممثلي الأمم المتحدة والمنضمات الدولية الأخرى المعترف بها بهذا الامتياز، وأفراد القوات المسلحة الأجنبية الموجودين في إقليم الدولة برضاها ([28])، فهؤلاء جميعهم يتمتعون بحصانة إجرائية تحول دون اتهامهم واتخاذ الإجراءات الجنائية ضدهم ورفع الدعوى عليهم ومحاكمتهم.

خامساً- ذاتية المتهم:

إن أغلب التشريعات الوضعية لم تعرف المتهم تعريفاً واضحاً أو كاملاً ولم تقطع في أمر اللحظة الحاسمة للاتهام، إذ جاءت الكثير منها تخلط بينه وبين العديد من المصطلحات القانونية الأخرى، كما أنها لم توحد تسميتها له، وأن الخلط وعدم التمييز هذا يؤثر سلباً في الضمانات الممنوحة للمتهم وغيره ممن يتعرضون للإجراءات الجزائية.

حيث أن التقارب في المفهوم بين المشتبه فيه والمتهم يجعل التفريق بينهما أمراً صعباً في غالب الأحيان، حيث أنهما يتقاربان في المعنى والإجراءات المتعلقة بكل منهما، وقد تضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية البغدادي الملغى في المادة (3) منه جملة من التعاريف جاءت خالية من تعريف المتهم، إلا أنه ميز في المادة (24) من الباب الثالث بين المتهم والمشتبه فيه إذا وضع الشروط الواجب توافرها في الأشخاص، لكي يجوز القبض عليهم من قبل ضابط البوليس أو الخفير العمومي أو المختار أو الشيخ أي شروط المشتبه فيه.

أما قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (23) لسنة 1971 المعدل فإنه لم يحذ حذو قانون أصول المحاكمات الجزائية البغدادي المعدل، إذ أنه لم يذكر تعريف المشتبه فيه، وبذلك فإنه لم يميز بينه وبين المتهم، فيما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني قد أشار في أكثر من موضع إلى المشتبه فيه وحدد الإجراءات المتبعة بحقه وفي مواجهته، ويتبين لنا من نصوص هذا القانون أن المشتبه به هو الشخص الذي يعتقد بارتكابه للجريمة ولم يتم إقامة الدعوى بحقه بعد ([29]).

كما أنه إعمالا لمبدأ شخصية العقوبة أي عدم جواز توقيع العقوبة إلا على من وقعت منه الجريمة، سواء بعده فاعلا لها، أو شريكاً فيها، وحيث لا يمكن تحديد مرتكب الجريمة إلا بعد صدور الحكم النهائي فإن سلطة التحقيق إنما تقوم بتقديم من توافرت ضده الأدلة إلى القضاء أي أنها تقدم من تتهمه بارتكاب الجريمة ولذلك يسمى متهماً، ولا يعد متهما كل من قدم ضده بلاغ أو شكوى أو أجرى بشأنه عضو الضبط القضائي بعض التحريات وإنما يعد مشتبها به ويجب توخي الحذر من استعمال لفظة المتهم لأنها تعني تحريك الدعوى الجزائية قبله([30])، ويترتب اتخاذ الإجراءات المطلوبة بحقه.

الفرع الثاني
مفهوم التحقيق الجنائي ومحدداته

إن التحقيق من الحقيقة وغرضه الوصول إلى حقيقة الجريمة ومرتكبها، وهو إجراء ليس بالحديث بل يرجع في جذوره إلى العصور القديمة مع الاختلاف في الأساليب والإجراءات، وقد عرف التحقيق الجنائي بالعديد من التعريفات من الناحية الاصطلاحية والتي تدور جميعاً حول معنى واحد، وهو بيان الطرق التي ترشد المحقق إلى كيفية السير في التحقيق لكشف الحادث والوصول إلى جميع الأدلة التي تثبت حقيقة وقوع الجريمة وكيفية ارتكابها ومعرفة مرتكبيها ([31]).

كما تبدو مشكلة اختلاف التسمية في مؤلفات هذا العلم بين من يطلق عليه تسمية (التحقيق الإجرامي) وبين من يُسميه (التحقيق الجنائي)، والحقيقة إن هذا الاختلاف بين التسميتين لا يثير إشكالاً على المستوى الموضوعي، إذ إن أصل الاختلاف يعود إلى نفس ذلك الاختلاف بين مفردات (الجزائي) و (الجنائي) و(العقابي) الواردة في إطار تشريعات العقاب وشروحاته، وسنتناول مفهوم التحقيق ومحدداته كما يلي:

أولاً- المعنى الاصطلاحي للتحقيق:

يعرف التحقيق في اصطلاح الفقه الإسلامي بأنه بإثبات المسألة بدليلها، والتحقيق بصفة عامة البحث عن حقيقة الشيء، والبحث في شتى مجالات الحياة([32])، أما التحقيق الجنائي في الاصطلاح القانوني، فقد تعددت التعاريف الفقهية بصدده، حيث عرفه البعض بأنه مجموعة من الإجراءات القضائية تمارسها سلطات التحقيق بالشكل المحدد قانونا، بغية التنقيب عن الأدلة بشأن جريمة ارتكبت، وتجميعها ثم تقديرها لتحديد مدى كفايتها في إحالة المتهم إلى المحكمة، أو الأمر بالا وجه لإقامة الدعوى([33])، فيما عرف جانب آخر من الفقه التحقيق الجنائي بأنه مجموعة الإجراءات القانونية والإدارية والفنية المستخدمة في اكتشاف الجريمة، والتعرف على الجناة، وجمع الأدلة بشأنهم بمختلف الوسائل التقليدية، القائمة على كفاءة وخبرة رجال البحث الجنائي الميداني، وقدرة المحققين وتعاون الجمهور ورجال الأمن.

كما ذهب اتجاه إلى تعريف التحقيق الجنائي بأنه “الطريق الذي يستطيع المحقق من خلاله كشف الجريمة ومعرفة مرتكبها ودوافعها بقصد الوصول إلى أدلة الإدانة ([34])، أو هو مجموعة الإجراءات والوسائل المشروعة التي يتبعها المحقق للوصول إلى الحقيقة، وهو إجراء سابق على رفع الدعوى إلى المحكمة المختصة لغرض جمع الأدلة وتمحيصها وتقديرها بغية التمهيد لإحالة أو عدم إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة حسب أحكام القانون ([35]).

أيضاً يقول الدكتور محمود نجيب حسني أن “التحقيق الجزائي هو مجموعة من الإجراءات المشروعة التي تقوم بها السلطات العامة المختصة بعد حصول الجريمة بهدف جلاء ملابساتها لجهة تحديد أسبابها وكيفية ارتكابها والمشتبه بضلوعهم فيها؛ وبشكل عام كل ما يمكن أن يُنير الملاحقة الجزائية توصلاً لتحقيق غايتها المتمثلة بملاحقة المشتبه فيهم أدلة بارتكاب الجرائم والمساهمين فيها، وإحالتهم الى المحاكمة في حال وجود مبررة لذلك، وإنزال العقوبات والتدابير بحقهم إذا ثبت ما هو منسوب إليهم”([36]).

إذاً تعددت التعريفات التي قيلت بشأن التحقيق الجنائي ألا أنها تتفق على مضمون واحد وهو البحث أما كلمة الجنائي فأنها مأخوذة من كلمة الجناية أي الذنب أو الجرم، وهي في الأصل مصدر جنى ويراد بها اسم المفعول جنا على قومه (جناية) أي أذنب ذنبا يؤاخذ به([37])، لذلك فهو يعبر عن حقيقة الأمر سواء بالنفي أو الإثبات عبر الإجراءات التحقيقية الأساسية، ومن كل ما تقدم يمكننا أن نعرف التحقيق الجنائي بأنه مجموعة الإجراءات المشروع التي يلجأ إليها المحقق في سبيل كشف غموض الجريمة من حيث معرفة مرتكبها وسبب ارتكابها وكيفية ارتكابها ومكان وزمان ارتكابها.

ثانياً: محددات التحقيق الجنائي:

تنطلق مرحلة التحقيق الابتدائي مما جرى جمعه من معطيات وأدلة في مرحلة التحقيق السابقة لتحريك الدعوى العامة التي تعتبر مرحلة إعدادية من مراحل الإجراءات، وتُعرف بالتحقيق الأولي، ويهدف التحقيق الابتدائي الى التحقق من توافر العناصر الجرمية والى الأدلة وتقييمها، حتى إذا كانت كافية للظن بما هو منسوب الى المدعىعليه من جرم تتم إحالته إلى المرجع المختص للمحاكمة بعد إعطاء الوصف القانوني للأفعال الجرمية وإبراز الأدلة المؤيدة ([38]).

أما مرحلة المحاكمة فيطلق عليها تسمية التحقيق النهائي، تختلف من حيث نوع العمل عن المرحلة السابقة لها، فهذه الأخيرة ترمي إلى التنقيب عن الأدلة من قبل السلطات المختصة وفق أصول خاصة يغلب عليها طابع السرية وذلك بهدف تقديمها إلى المحاكم في حال كانت كافية لإطلاق المحاكمة. أما مرحلة المحاكمة فمهمتها تقدير هذه الأدلة بعد طرحها للمناقشة بصورة وجاهية وعلنية، إلا في حالات استثنائية تكون فيها المحاكمة سرية، توصلاً لإصدار الحكم النهائي ([39])،

فإجراءات التحقيق تدور حول الجاني وهي ترمي إلى تعزيز علاقة الشخص أو الأشخاص الذين أشارت الأدلة المتحصلة في إجراءات المرحلة الأولى بالجريمة المرتكبة ([40])، وعليه تتمثل أهداف التحقيق الجنائي بما يأتي:

1_ إثبات حقيقة وقوع الجريمة

 لما كانت الجريمة هي كل فعل أو إمتاع عن فعل يقرر له عقاباً في القوانين الجزائية فأن إثبات حقيقة وقوعها يتطلب التحري عن الأفعال المادية المكونة للجريمة بالبحث أثارها المادية إذا كانت من الجرائم التي تترك أثرًا ماديًا، حيث إن هناك بعض الجرائم لا تترك أثارا مادية بعد وقوعها كجرائم السب والشتم والتهديد بالقول عن جسم الجريمة وفي الحالات التي يلجأ إليها المتهم فيها إلى إتلاف أو إخفاء للتخلص من المسؤولية الجنائية أن يجمع الأدلة المؤيدة لوقوع الجريمة من إفادات الشهود واعترافات المتهمين ومن القرائن الأخرى المحيطة بالجريمة. بيد أن مجرد إثبات وقوع فعل مادي لا يكفي للجزم بوقوع الجريمة ما لم يوجد نص في التشريعات الجزائية ([41]).

2_ بيان كيفية وقوع الجريمة

على المحقق بعد إثبات حقيقة وقوع الجريمة أن يتأكد من كيفية وقوعها، وللتوصل إلى ذلك عليه معرفة مكان وقوع الجريمة وزمان وقوعها وطريقة تنفيذ الفعل المادي المكون لها، لأن الاطلاع على هذه الأمور يساعد المحقق على معرفة الجاني أو على بعض صفاته أو مهنته، فطريقة كسر الباب أو كسر الشباك الحديدي في جريمة سرقة قد تدل على حرفة الجاني وكونه نجاراً أو حداداً مثلاً، كما أن طريقة قلع المزروعات ومساحة قطعة الأراضي المقلوع زرعها في جريمة إتلاف المزروعات قد تدلنا على عدد الجانيين وكونهم من الفلاحين أو غيرهم.

3_ كشف أسباب الجريمة

للجريمة أسباب عامة تنحصر في جملة عوامل اجتماعية ونفسية وبيولوجية (تكوينية) يختص ببحثها علم الإجرام، كما أن للجريمة أسباب خاصة تنحصر في تحقيق مصالح وغايات شخصية لمرتكبها كالانتقام وغسل العار أو الرغبة في الحصول على مال أو ضمان لذة جنسية أو الغيرة والحسد وغير ذلك من مختلف الغايات التي تساعد معرفتها وكشفها المحقق في أحوال كثيرة على الاهتداء إلى مرتكب الجريمة المحقق التوصل إلى معرفة هذه الأسباب من إفادات الشهود ومن وقائع الجريمة نفسها فالانتقام يكاد يبدو سببًا واضحاً الجرائم إتلاف المزروعات وتسميم لمواشي وحرق المحاصيل الزراعية والقتل التي لم يمتد فيها يد الجاني إلى النقود أو الأشياء الثمينة الموجودة في حوزة المجنى عليه أو في محل ارتكاب الجريمة، كذلك غسل العار يكون غالبا سببا لقتل فتاة يتبين من تشر جثتها أنها حامل بالرغم من كون المعروف عنها أنها عذراء([42]).

4_ معرفة مرتكب الجريمة

إذا كانت الغاية الأساسية من التحقيق الجنائي هي التوصل إلى معرفة الجاني وإذا كان المحقق يشرع أولاً في إجراءات جمع الأدلة لإثبات وقائع الجريمة، فأنه يفعل ذلك لان اطلاعه على حقيقة تلك الوقائع يساعده على حصر شبهة الاتهام في شخص أو أشخاص معنيين، فإذا تم له ما تقدم انتقل إلى الشروع في الإجراءات اللازمة للتحقق من شخصية الجاني، وذلك بالتعمق في التحقق مع الشخص أو الأشخاص الذين أشارت إليهم الأدلة التي سبق له استحصالها، ويعززها بأدلة أخرى كمطابقة آثار أقدام وبصمات أصابع أولئك الأشخاص مع آثار أقدام الجاني وبصمات أصابعه التي عثر عليها في مكان وقوع الجريمة وكمقارنة الرصاصة المنطلقة من السلاح المضبوط لدى المشتبه بهم مع الرصاصة التي أصيب بها المجنى عليه([43]).

إن موضوع التحقيق الجنائي هو بيان الطرق والإجراءات المؤدية لمعرفة حقيقة الجريمة المرتكبة وكيفية وقوعها واكتشاف مرتكبها والأفعال المتأتية منه ودرجة مسؤوليته واشتراكه في الواقعة عليه يمكن تحديد أهمية التحقيق الجنائي بأنه يعد الوسيلة الأساسية لجمع أدلة الجريمة ووضعها تحت يد قضاء الحكم لكي يقتص من مرتكب الجريمة، فقضاء الحكم لا يستطيع أن يشق طريقه في الإثبات دون معاونة تقدم له من هيئات أخرى مثل الهيئات المختصة بالتحقيق الجنائي هي إذا كان التحقيق الجنائي يشتمل على أطراف رئيسة ثلاثة المحقق والمتهم والشاهد فأن نجاح التحقيق الجنائي في كشف غموض الجريمة يتوقف بالدرجة الأولى على المحقق([44]).

نخلص مما سبق إلى أن مفهوم المتهم لم يتم تعريفه في غالبية التشريعات العربية، وتم الاعتماد على الفقه والقضاء لتحديد مضمونه، كما أن مفهوم التحقيق أطلق عليه العديد من المسميات، تجتمع في مضمونها بأنها تهدف للوصول إلى الحقائق والأدلة المتعلقة بالتهم المنسوبة للمتهم، وتحديد فاعل الجريمة.

المطلب الثاني
الاستجواب ومقومات الاعتراف

إن الغاية من الاستجواب كإجراء هو الوصول إلى الحقيقة من خلال تمحيص الحقائق والظروف المحيطة بالجريمة للحصول على ما يؤيد الوقائع، كالحصول على اعترافات المتهم ومعلومات عن شركائه في الجريمة أو أي تفاصيل تتعلق بها أو بأي جرائم أخرى ربما اشترك المتهم بارتكابها([45])، إلا أن الاعتراف لا يصلح دليلاً للإثبات في الدعوى الجزائية إلا إذا كان صادراً عن إرادة المتهم الحرة، وبالتالي يستبعد أي اعتراف يمكن الحصول عليه تحت ضغط أو أي صورة من صور التأثير المادي أو المعنوي التي يمكن أن يتعرض لها المتهم، وقد كرست معظم الدساتير هذا المبدأ.

وبناءً على ما سبق سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين سنتناول في الفرع الأول: مرحلة الاستجواب وطبيعتها وسنتطرق في الفرع الثاني: البنية القانونية لاعتراف المتهم.

 الفرع الأول
مرحلة الاستجواب وطبيعتها

تعد مرحلة الاستجواب إجراء تحقيقي في غاية الأهمية، وله قيمة مهنية كبيرة بما يمكن أن يسفر عنه من معلومات تؤدي للكشف عن الحقيقة وتفسير وقائع الدعوى، بحيث يؤدي إلى اعتراف المستجوب بارتكاب الجريمة فيكون عندئذ الاعتراف دليلاً هاماَّ من أدلة الدعوى، وقد يؤدي الاستجواب الى تفنيد الأدلة القائمة ضد المستجوب، ولكن بالرغم من أهمية الاستجواب في إطار الإجراءات التحقيقية الهامة ([46])، فإنَّ التشريعات الجزائية الإجرائية لم تتطرق إلى تعريفه.

أما اصطلاحاً فيشير الفقه الجنائي إلى عدة معاني للاستجواب، وهي إنْ أتت مختلفة في الصياغة إلا أنها متشابهة من حيث المضمون، فالاستجواب يعني سماع أقوال المتهم ومناقشته فيما هو منسوب إليه من وقائع من أوجه دفع التهمه عنه أو اعترافه بها ودراسة ما يقر به ومطابقته على ما وصل اليها التحقيق للوصول إلى حقيقة الواقعة ودرجة مسؤوليته أو براءته منها ([47]).

الاستجواب يعني مناقشة المتهم بالجريمة المنسوبة إليه، والأدلة المقدمة ضده، مناقشة تفصيلية، كيما يفندها منكراً التهمة أو يعترف بها إذا شاء الاعتراف الاستجواب هو إجراء من إجراءات التحقيق يهدف إلى جمع الأدلة حول وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم وإتاحة الفرصة في الدفاع عن نفسه.

كما يعرف الاستجواب على أنه طلب الجواب عن أمر، والاستنطاق كما يطلق عليه بعض التشريعات، وهو مناقشة المتهم تفصيلاً في تهمة وجهت إليه بارتكاب جريمة ودعوته للرد على الأدلة القائمة ضده، أو بتنفيذها أو بالتسليم بها ولم يشأ قانون أصول المحاكمات العراقي شأنه في ذلك شأن قانون الإجراءات الجنائية المصري أن يورد تعريفاً للاستجواب، إذ اقتصر على تحديد حالاته وشروط إجراءاته ([48]).

وبناءً على التعريفات المتقدمة حصل جدل فقهي حول تحديد الطبيعة القانونية للاستجواب، فقد اعتبره اتجاه بأنه وسيلة إثبات، فيما اعتبره فريقٌ آخر بأنه وسيلة دفاع، إلا أنَّ الراجح في الفقه الجزائي هو أنَّ للاستجواب طبيعة ممزوجة فهو ليس فقط وسيلة من وسائل الحصول على دليل فقط أو وسيلة دفاع عن المتهم فقط إنما هي وسيلة سعي إلى الكشف عن الحقيقة، والوظيفة الأولى للاستجواب هي أنه يعد وسيلة أساسية لجمع أدلة الجريمة، ومن ثم لا يكون الاستجواب صحيحاً ألا إذا كان قاضي التحقيق أو المحقق قد اتبع الخطوات الأساسية الآتية:

أولاً: الدراسة الوافية لكل وقائع الجريمة بتفصيلاتها المختلفة

 إذ إن الجهل أو المعرفة غير الصحيحة ولو لواقعة بسيطة واحدة قد تؤدي إلى ضياع فرصاً كثيرة تحول دون التوصل لمعرفة الحقيقة فإذا لم يكن المحقق ملما بجميع ظروف الواقعة، ودارسًا لكل احتمالاتها فإن المتهم لابد وأن يجد الثغرة التي ينفذ منها نتيجة لنقص معلومات المحقق حول الواقعة أو عدم الدقة فيها([49])، ولكي يتمكن المحقق من أن يسد جميع الطرق التي قد يسلكها المتهم يجب عليه أن يحيط بالقضية إحاطة السوار بالمعصم ويكون ذلك بمراجعة محاضر التحقيق جميعها ليتوصل من خلالها إلى الأمور الواجب سؤال المتهم عنها ومناقشته فيها ويمكن من أن يقارن بين إجابته وبين ما ظهر من القرائن والأدلة المحسوسة نتيجة الكشف على محل ارتكاب الجريمة وطريقة ارتكابها والأسباب الدافعة لها والآثار الناتجة عنها وأقوال الشهود وآراء الخبراء وبذلك يستطيع أن يخرج مركز المتهم إذا لم يقرر الحقيقة.

ثانياً: الدراسة الشاملة لشخصية المتهم من جوانبها المختلفة

 يكون ذلك عن طريق الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات عنه كالعائلة التي ينتمي إليها وعدد أفرادها ومركزها الاجتماعي والعمل الذي يزاوله أو عدمه والسوابق القضائية وإن كان من أرباب السوابق والسجون التي دخلها ومتى وأين التحق بالخدمة العسكرية وكل ما من شأنه أن يفصح عن شخصيته بشكل واضح ([50]).

من ناحية أخرى فإن هذه الدراسة سوف تجعل المحقق ينطلق من خلال نقاط ضعف معينة توصل إليها من خلال دراسة فإذا تبين للمتهم بأن المحقق لديه معلومات وافية عنه وعن الجريمة بوقائعها المختلفة فإنه ولا شك سوف يضطرب وهذا من شأنه أن يجعل دفاعه أكثر صعوبة ومن ثم فإن استخراج الحقيقة من قبل المحقق تكون أكثر سهولة.

ثالثاً: السرعة في استجواب المتهم

الأصل أن يتم استجواب المتهم بعد معرفته مباشرة قدر الإمكان، إذ كلما مضى وقت على وقوع الجريمة كلما خف شعور الجاني بالإدانة نتيجة لإعادة تفكيره في المسؤولية والعقوبة التي قد تفرض عليها وعليه فكلما استجوب المتهم مبكراً كلما كانت النتائج أفضل هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن سرعة الاستجواب تساعد المتهم البريء أن يقدم وسائل دفاعه في وقت مبكر وتفنيد الأدلة القائمة ضده حتى لا تستمر الأدلة قائمة ضده مما يؤدي إلى سوء سمعته وحرمانه من حريته وهكذا يبدو بوضوح الاستجواب تخدم مصلحة الاتهام وفي نفس الوقت مصلحة الدفاع([51]).

رابعاً: تحديد مكان الاستجواب

أ_ يفضل إجراء الاستجواب في مكان الحادث كلما كان ممكناً، لأن هذا يجعل الجاني يعيش جو الجريمة وظروفها ويمكنه بالتالي من استعادة الصورة الحقيقية للحادث وهذا من شأنه أن يؤثر عليه نفسيًا ويدفعه إلى أن يتكلم تلقائياً.

ب_ وفي حالة تعذر إجراء الاستجواب في مكان الجريمة فيستجوب المتهم في غرفة خاصة للاستجواب على أن تتوفر فيها بعض الشروط من حيث البساطة في أثاثها الأشياء التي تجلب النظر كالصور والتماثيل وكذلك من الألوان المثيرة وكذلك كاللون الأحمر مثلاً ([52]).

ج_ العمل على منع دخول الأشخاص إلى غرفة الاستجواب أثناء قيام المحقق بالاستجواب حتى لا يعطي المتهم فرصة ليعيد ترتيب دفاعه وتنظيم أقواله بعد أن اتضحت حقيقة موقفه، ومن ناحية ثانية أن اعترافات المتهم لا تتم عادة في وجود أشخاص آخرين إذ يضطر المتهم إلى مراعاة اعتبارات معينة تؤثر في حرية إرادته، فوجود الأبوين والأقارب والأصدقاء قد يمنع المتهم من الكلام بصراحة.

خامساً: اختيار نوعية الأسئلة وكيفيتها في الاستجواب

أ_ ينبغي أن يبدأ الاستجواب ببعض الأسئلة عن الحالة المدنية، هل المتهم متزوج أم أعزب، هل المتهم موظف أم عاطل عن العمل وغير ذلك، والهدف من ذلك هو التأكد شخصية المستجوب وفهم هذه الشخصية وتقديرها.

ب_ من المفضل ألا يفاجئ المحقق المتهم في بداية الاستجواب بالتهمة مباشرة حتى لا يسلك طريق المراوغة ويلتزم جانب الحذر في أجوبته لتضليل التحقيق.

ج_ ينبغي أن ترتب الأسئلة استنادًا إلى التسلسل التاريخي للوقائع التي تتكون منها الحادثة، وهذا من شأنه أن يجعل المتهم يتسلسل في موضوع الحادث وظروفه علاوة على أن المحقق سوف يلم بكل المراحل التي مرت بها الجريمة.

د_ يفضل أن يبدأ الاستجواب بتوجيه الأسئلة التي تتعلق بموضوع الجريمة بشكل عام وبعد أن يثبت ذلك في المحضر يشرع المحقق بتوجيه الأسئلة التفصيلية التي تتعلق بدقائق الموضوع والتي لم تشرح شرحاً وافيًا من قبل المتهم، وفي جميع الأحوال يجب ترك المتهم يتكلم كما يشاء دون مقاطعة إلى أن ينتهي من أقواله حتى لا تشوش عليه أفكاره ولكيلا يعطي في نفس الوقت المجال ليعيد النظر فيما قاله ([53]).

 ه_ ينبغي أن تكون الأسئلة قصيرة ومحددة وواضحة حتى يمكن إدراك المقصود منها بسهولة ولكي يمكن أيضا الحصول على إجابة صريحة خالية من الإبهام بحيث لا يمكن تأويلها أو إعطاءها عدة معان وقطع الطريق على المتهم إذا أراد الرجوع فيها خاصة إذا كانت متضمنة إقرارات منه.

 و_ قد تكون أحياناً إجابة المتهم على أسئلة المحقق بالسكوت المتعمد، ففي هذه الحالة ينبغي على المحقق ألا يفقد السيطرة على نفسه، بل ينبغي تذكير المتهم بأنه ولو أن من حقه عدم الإجابة على الأسئلة المطروحة عليه، ولكنه في عدم إجابته عليها إنما يبرهن على أنه يخفي شيئاً معينًا ([54]).

كما إن استمرار المتهم في موقفه هذا وحاول أن يفلت من الاستجواب بالسكوت المتعمد فيمكن للقائم بالتحقيق أن يصطاده بواسطة أسئلة عديمة الأهمية عاملاً شيئًا فشيئًا على دفعه في الموضوع الذي يدور حوله الاستجواب ولا يفلت من هذه المصيدة إلا الجاني المتمرس في جرمه. به وما تجدر ملاحظته إن نجاح قاضي التحقيق أو المحقق في الاستجواب يعتمد بالدرجة الأساس على مهارته في تقييم طبيعة شخصية المتهم والعوامل المحيطة، ونوع الجريمة وظروف ارتكابها وفي اختيار الأصول المتبعة في الاستجواب التي تتناسب مع كل حالة على حدة وان يضع نصب عينه أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وهذا يقتضي أن يجري حواره مع المتهم بلغة تتم عن احترام لكرامته.

كما أنه ينبغي ألا يعهد بالاستجواب إلا لشخص تتوافر لديه كل المزايا التي تؤكد حياده التام في القيام بعمله يحرص على إقامة العدل بين الناس وإزالة الظلم ونشر الأمن في المجتمع سعيا لتحقيق مصلحة الجماعة ([55]).

الفرع الثاني
البنية القانونية لاعتراف المتهم

لقد حامت الشبهات حول الاعتراف كدليل إثبات، ويرجع ذلك إلى المراحل التي مر بها وماضيه المثقل بالأوزار فقد لازمت فكرة التعذيب اعتراف المتهم ففي العصور القديمة كان الاعتراف إحدى الوسائل التي يستعان بها للوصول إلى معرفة الحقيقة، حيث لا يوجد دليل أقوى من إقرار الإنسان على نفسه، وفي القوانين العراقية القديمة عرف الاعتراف كإحدى الأدلة التي يعتمد عليها القضاء لإثبات التهمة أو نفيها.

فإذا اعترف المتهم بالتهمة يتم التحقق من صحة الوقائع التي وردت بالاعتراف، أما في حالة الإنكار فتبدأ إجراءات البحث عن الإثبات بواسطة الأدلة الجنائية، وكانت هذه الأدلة تجمع بعدة وسائل منها تحليف المتهم للحصول على الاعتراف، فكان يخضع كل من المتهمين والشهود لحلف اليمين وكان يستخدم التعذيب المعرفة الحقيقة، وأي اعتراف يظهر من الجاني في أثناء تعذيبه، يقوم بتدوينه الكاتب حتى يغيب الجاني عن وعيه تماما من جراء التعذيب، ومع هذا فإن أي اعتراف يصدر من الجاني كان يجب التحقق من صحته، وإذا اتضح للقضاء براءة المتهم كان يجب أن يطلق سراحه([56]).

كما يقصد باعتراف المتهم إقراره على نفسه بالتهمة المنسوبة إليه، وينصب اعتراف المتهم على الوقائع المكونة للجريمة كلها أو بعضها، أما إذا كان موضوع الاعتراف وقائع ليست لها علاقة بالجريمة المرتكبة فلا يعد اعترافا بالمعنى القانوني، كما أنه لا يعد اعترافا إقرار المتهم بصحة التهمة المنسوبة إليه دون إقراره صراحة بارتكابه الأفعال المكونة لها بغض النظر عن الوصف القانوني للواقعة التي تسبعه عليها سلطة التحقيق أو الحكم.

وقد أخذت بعض التشريعات العربية معنى مغايرا للاعتراف، فقد أخذ المشرع المصري على أن يسأل المتهم عما إذا كان معترفا بارتكاب الفعل المسند إليه، فإذا اعترف جاز للمحكمة الاكتفاء باعترافه والحكم عليه بغير سماع الشهود، وإلا قتسمع شهود الإثبات ضمن سلطة القاضي في تقدير هذا الاعتراف خاصة إذا كانت هناك قرائن ولو ضعيفة تؤيده([57])، أما المشرع الأردني فقد أخذ بمعنى مغاير للاعتراف، حيث نصت المادة (2/172) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على ما يأتي “إذا اعترف الظنين بالتهمة يأمر الرئيس بتسجيل اعترافه بكلمات أقرب ما يكون إلى الألفاظ التي استعملها في اعترافه”، كما أن المشرع اللبناني قد نص في قانون أصول المحاكمات الجزائية على قرينة الاعتراف([58]). حيث يتضمن هذا المعنى مجمل ما يبوح به المتهم (الظنين)، كما يتباين في ضرورة الإقرار بإتيانه الأفعال المكونة للتهم المنسوبة إليه.

أما المشرع العراقي فقد أورد أحكام الاعتراف في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 إذ نص في المادة (181/د) منه على أنه “إذا اعترف المتهم بالتهمة الموجهة إليه واقتنعت المحكمة بصحة اعترافه وبأنه يقدر نتائجه فتستمع إلى دفاعه وتصدر حكمها في الدعوى بلا حاجة إلى دلائل أخرى. أما إذا أنكر التهمة أو لم يبد دفاعا أو أنه طلب محاكمته أو رأت المحكمة ان اعترافه مشوب أو انه لا يقدر نتائجه وان الجريمة معاقب عليها بالإعدام فتجري محاكمته عنها وتسمع شهود دفاعه”. هنا يبدو أن المشرع العراقي لم يعتمد تصريح المتهم بقيامه بالأعمال المكونة للتهمة المنسوبة إليه، واكتفى باعترافه بالتهمة ذاتها.

كما استخدم المشرع العراقي مصطلحين في القانون وهما (الاعتراف) و (الإقرار )، في قانون أصول المحاكمات الجزائية([59])، بينما أطلق المشرع لفظ الاعتراف في نص المادة (181/د) من نفس القانون، كما نلاحظ أن هذا اللفظ قد ورد في قرارات محكمة التمييز الاتحادية فأحيانا تستخدم في قراراتها لفظ (الإقرار) وأحيانا أخرى لفظ الاعتراف([60])، وعليه يجب ضرورة توحيد المصطلحات القانونية تماشيا مع وحدة الاصطلاح القانوني في التشريع الواحد وندعو إلى إطلاق لفظ الاعتراف فهو اللفظ المألوف في مجال الإثبات الجنائي.

كما أن ابرز المسائل المتعلقة بمفهوم الاعتراف هو الوقوف على أهميته وما يتميز به عن غيره من أدلة الإثبات في الدعوى الجزائية، ثم الإحاطة بأهم ضمانات الاعتراف من لحظة إلقاء القبض عليه، حتى مثوله أمام المحكمة، وبهذا الصدد نلاحظ اهتمام المشرع العراقي في الدستور الجديد الصادر سنة (2005)  بهذا الجانب([61])، ولقاضي الموضوع أيا كان منصبه القضائي في محاكم الجنايات والجنح والأحداث سلطة في تقدير الأدلة.

غير أن تلك الأدلة بمختلف أنواعها ومهما يتميز به كل دليل عن الآخر فإن الاعتراف قد يجسم الأمر في غالبية الدعاوي ويجعل من ارتكاز المحكمة إليه والقناعة به وجعله سببا للحكم أمرا لا مفر منه إذا ما اطمأنت إلى مشروعيته وعدم انتزاعه بالإكراه، وهذا ما أخذت به محكمة التمييز في قراراها المرقم 89/ الهيئة الجزائية / 2005 الصادر في 2006/1/29 حيث قضت بأنه “لدى التدقيق والمداولة وجدت المحكمة بان اعتراف المتهم وشهادات الادعاء الشخصي والشهود معززة بكافة التقارير والمحاضر والكشوفات المرفقة باضبارة الدعوى وهي أدلة كافية ومقنعة بتجريم المتهم وفق المادة (406/ أ / ج) عقوبات عراقي”([62]).

كذلك جاء في قرار آخر لها بقولها “باستناد المتهم (ن) الذي بين بأنه بعد القبض عليه في المرة الأولى وبعد الحادث مباشرة اعترف في التحقيق الابتدائي والقضائي بقيامه بإطلاق النار على المشتكي بسبب وجود خلاف بينهما وان ما ورد في أقواله بسير التحقيق المنظم من قبل قاضي التحقيق بتاريخ 2003/9/18 من أن المتهم قد اعترف ارتكابه الحادث بمفرده لذا لا يمكن إهمال مثل هذا الاعتراف بسبب تلف الأوراق التحقيقية”([63]).

من جانب آخر وعلى الرغم من أهمية الاعتراف والسلطة التي منحها القانون المحكمة الموضوع في تقديره، فإن وصف هذه السلطة بالمطلقة كما هو وارد في نص المادة (217) من قانون أصول المحاكمات الجزائية غير مقبول، فلا وجود لمثل هذه السلطة في العمل القضائي، والقول بأنها سلطة مطلقة يعني انه لا يمكن التعقيب على هذه السلطة عند النظر تمييزاً في القضية من قبل محكمة التمييز الاتحادية.

إذ جاء في قرار لمحكمة التمييز ” وان هذا الاعتراف المجرد الذي تراجع عنه امام قاضي التحقيق والمحكمة لا يرقى الى مستوى الدليل المقنع في جرائم تصل عقوبتها الى الاعدام شنقاً حتى الموت، لذا قرر نقض كافة القرارات الصادرة في الدعوى والغاء التهمتين الموجهتين الى المتهم (ع) والافراج عنه واطلاق سراحه من السجن ان لم يكن مطلوباً عن قضية اخرى ولم يكن هناك مانع قانوني اخر يحول دون ذلك واشعار إدارة السجن بذلك وصدر القرار استناداً لاحكام المادة 259/أ-6 من قانون اصول المحاكمات الجزائية بالاتفاق في 11/جمادي الاخرة/1431 هـ الموافق 25/5/2010″([64]).

أما بنسبة لشروط الاعتراف لكل دليل من أدلة الإثبات في المواد الجنائية قواعد وأصول، تتحقق بها ثقة المحكمة فيها، فتستند إليه في حكمها، وبعض هذه القواعد وارد صراحة في التشريع والبعض الآخر من اجتهاد الفقه والقضاء ([65])، وقد وضعت للاعتراف قواعد وشروط تتفق ومكان الصدارة الذي يحتله هذا الدليل بين أدلة الإثبات على الشكل التالي:

أ_ صدور الاعتراف عن إرادة حرة:

يقصد بالإرادة الحرة قدرة الشخص على توجيه نفسه إلى عمل معين أو إلى الامتناع عنه، هذه القدرة لا تتوفر لدى الشخص إلا إذا انعدمت المؤثرات الخارجية التي من شأنها أن تعيق الإرادة، فيجب أن يكون الشخص المعترف قد أدلى باعترافه وهو في كامل إرادته ووعيه، بعيداً عن كل ضغط من الضغوط المادية والمعنوية التي تعيب الإرادة أو تؤثر فيها، فأي تأثير يقع على المتهم أثناء استجوابه لانتزاع الاعتراف منه بما نسب إليه من اتهام، يعيب إرادته وبالتالي يبطل اعترافه ([66]).

أما إذا صدر الاعتراف من المتهم باختياره وهو في كامل إرادته دون أي تأثير، فإنه يعتد به كدليل إثبات يستند إليه القاضي في إصدار حكمه، أما إذا صدر من المعترف نتيجة إكراه مادي أو معنوي فيكون باطلاً الاعتراف الذي انتزع من المتهم عن طريق استعمال العنف أو إرهاق المتهم بالاستجواب المطول، أو بإعطاء وعد أو استعمال التهديد أو تحليف اليمين ([67]).

كما يشترط لاستبعاده أن تكون هناك علاقة سببية بين احدى هذه الوسائل وبين الاعتراف، أما إذا تبين للقاضي بأن هذه العلاقة منعدمة، فلا مانع من أن يستند على هذا الاعتراف في إصدار حكمه، وقد نص قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني في المادة (61) على أنه ” يلزم قاضي التحقيق باتباع الوسائل المشروعة أثناء قيامه بجميع الإجراءات التحقيقية التي تؤدي إلى كشف الحقيقة ([68]). حيث يظهر أن المشرع اللبناني قد عمد إلى توجيه قاضي التحقيق بالتزام استخدام وسائل التحقيق المشروعة، بهدف الحفاظ على سلامة الاعتراف، وتجنب استبعاده من قبل القاضي.

ب_ وضوح الاعتراف ومطابقته للحقيقة: 

إن الاعتراف في جوهره تعبيراً عن إرادة المتهم بنسبة واقعة معينة اليه فأنه يتعين أن يكون هذا التعبير صريحاً لا لبس ولا غموض فيه، لكي تستطيع المحكمة الركون اليه في حكمها، فلا يصح التعويل على اعتراف غامض أو يحتمل أكثر من تأويل، رغم أن الاعتراف لا يفسر إلا بالمقدار المفهوم منه إذا لم يرد في التحقيق ما يعزز التفسير بصورة أوسع لغير مصلحة المعترف.

كما ينبغي أن ينصب الاعتراف على الواقعة الجرمية المسندة الى المتهم وليس على محل واقعة أخرى عرضية، لذلك لا يعد اعتراف المتهم بأحراز السلاح قوله إنشخص قد ألقىالسلاح في منزله ليقيد له، أو بتسليمه بانه كان موجودا في مكان الجريمة وقت وقوعها أو بوجود ضغينة بينه وبين القتيل، كل هذا لا يعد اعترافاً بارتكاب القتل وإن كان فيه ما يصح أن يعد مجرد دلائل موضوعية لا تكفي للإدانة إلا إذا عززتها أدلة كافية ([69]).

وقد قضت محكمة التمييز الاتحادية العراقية ” إذا ما تطابق اعتراف المتهم المدعم بالضمانات القانونية وتعزز هذا الاعتراف بأقوال المتهم الثاني وتطابق مع بقية إجراءات الدعوى يكون دليلاً كافياً للإدانة والحكم”([70])، فقد يدلي المتهم بأقوال يُستفاد منها ضمناً بارتكاب الجريمة المسندة اليه، كاستعداده للاعتذار، أو التوبة، مثلاً، وهذا النوع من الأقوال لا يمكن الاستناد اليها وحدها في الإدانة، إلا انه يمكن للمحكمة أن تستند اليها إذا وجدت أدلة أخرى تعزز ما انتهت اليه المحكمة في تكوين قناعتها. ولكن لا يلزم لكي يكون الاعتراف صريحاً أن يكون بألفاظ معينة، أو مصاغاً في صيغة الاعتراف، فيكفي أن تحمل أقوال المتهم معنى الاعتراف بشكل لا يحتمل التأويل ([71]).

ج- توفر الأهلية الإجرائية لدى المعترف:

إن الأهلية الإجرائية شرط هام ينبغي أن تتوفر في الشخص الذي صدر عنه الاعتراف وهي تعني الأهلية لمباشرة نوع من الإجراءات على نحو يعد معه هذا الإجراء صحيحا، ويتبع آثاره القانونية، وهي لا ترتبط بضوابط الأهلية للمسؤولية الجنائية ولكن مناطها فهم ماهية الإجراء، وإمكان تقدير آثاره أي توفر الإدراك والتمييز، والأهلية الجنائية فهي الأساس لمساءلة الشخص جنائيا، وعناصر هذه الأهلية هي الشروط التي يوجبها القانون للاعتداد بإرادة الجاني وتتمثل في الإدراك والتمييز وحرية الاختيار ([72]).

نخلص مما سبق إلى أنه بالرغم من أهمية الاستجواب في إطار الإجراءات التحقيقية، فإنَّ التشريعات الجزائية الإجرائية لم تتطرق إلى تعريفه، وهو يقوم على عدد من الركائز الهامة، ومن ثم لا يكون الاستجواب صحيحاً ألا إذا كان قاضي التحقيق أو المحقق قد اتبع الخطوات الأساسية فيه.

كذلك الأمر فإن اعتراف المتهم، ولما يحمله من أهمية يقم على مبادئ غاية في الأهمية يجب أن تتواجد مجتمعة في كل اعتراف صادر عن المتهم للاعتراف بصحة وإمكانية الاعتماد عليه، وذلك ينبع نم الخطورة والأهمية التي يتمتع بها الاعتراف كدليل في الإثبات.

المبحث الثاني
الضمانات المقررة لاستجواب المتهم

إن كل دليل في الدعوى الجزائية له قواعد وأصول تضمن ثقة المحكمة فيه، وتستند عليه في إصدار حكمها فبعض من هذه القواعد منصوص عليها في القانون والبعض الأخر من اجتهاد الفقه والقضاء، بما يقيد حرية القاضي وللرغبة في الحفاظ على كرامة وحقوق وحريات الأفراد التي تضمنتها كافة الدساتير ومنها الدستور العراقي والدستور اللبناني، بأن يصدر الاعتراف غير متأثر بوعد أو وعيد أو عنف أو أية وسيلة تعدم الإرادة وتضعفها وأن يكون الاعتراف صريحاً لا لبس ولا غموض فيه ولا يحتمل التأويل.

وبعد ما كان الاعتراف يحتل المركز الأول والأهم لدى القاضي الجزائي، فَقَدَ هذه المكانة اليوم، ذلك أن قانوني أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، والعراقي، لم يجعلا منه وسيلة إثبات أساسية ومطلقة، أي لم يعتبراه الغاية الأساسية التي يهدفان إلى تحقيقها([73])، لكن مع ذلك حرص القانون على حماية حقوق المتهم وإحاطتها بضمانات عديدة، وبتعبير آخر، لا يمكن للمحكمة أن تأخذ بالاعتراف إلا إذا كان صادراً عن إرادة حرة واعية بعيداً عن أي ضغوط مادية أو معنوية، وأن يكون صريحاً واضحاً مستنداً إلى إجراءات صحيحة أي يجب أن يستوفي الاعتراف عدة شروط لصحته تجمعها فكرة أساسية وهي أن الاعتراف تعبير عن إرادة الإفضاء بمعلومات، وهذه الشروط ضمان لصحة الحكم وضمان للمتهم([74]).

كما أن المتهم في نهاية الأمر هو إنسان تعترف له العلوم القانونية بالحقوق التي تضمن صيانة كرامته وحريته، ومن أهم هذه الحقوق حريته في الكلام أو عدمه عند استجوابه، لا سيما أن وسائل الاستجواب في تطور مستمر، مما يوجب تكريس الحق في الصمت في كل مرة يحصل فيها استجواب للمتهم، لأن في ذلك أعلى درجات تطبيق العدالة.

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، سنتناول في المطلب الأول: ضمانات شرعية الإجراءات، ثم ننتقل لنتناول في المطلب الثاني: الحق في الصمت.

المطلب الأول
ضمانات شرعية الإجراءات

تشكل الشرعية الجزائية أو كمـا تـسمى (بمبـدأ قانونية الإجراءات الجنائية وشرعيتها) ضمانة مهمة لحماية حقوق المتهم في ظل الإجراءات الجنائية بشكل عـام وفي مرحلة المحاكمة بشكل خاص لأهمية هذه المرحلـة كونهـا تـمثـل المرحلة الختامية للدعوى الجزائية، حيث تقوم المحكمة بحسم موضوع النزاع المتعلق باقتضاء حق الدولة في العقاب اتجاه المتهم، فتقوم بإجراءات التحقيق القضائي النهائي التي تتسم بخصائص متميزة عن إجراءات التحقيق الابتدائي ثم تصدر حكمها بالإدانة والعقوبة أو إلغاء التهمة والإفراج أو عـدم المسؤولية ([75]).

كما يقوم مبدأ قانونية الإجراءات الجزائية وشرعيتها على أساس أن تصدر جميع القواعد القانونية التي تنظم هذه الإجراءات عن السلطة التشريعية نظراً لمساسها بالحريات الشخصية، فخطـورة الإجـراءات الجزائيـة على الحريات الشخصية للأفراد توجب إلا تنظم هذه الإجراءات ومنذ اللحظة الأولى التي ترتكب فيها الجريمة ويتم التحقيق فيها وحتى صدور الحكم النهائي وتنفيذه من قبل سلطة غير السلطة التشريعية وبأداة أخرى غير القانون ([76]).

بناءً على ما سبق سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين سنتناول في الفرع الأول الضمانات المتعلقة بإجراءات الاستجواب وسنتطرق في الفرع الثاني ضمانات المتهم في الإجراءات الاحتياطية.

الفرع الأول
الضمانات المتعلقة بإجراءات الاستجواب

يقف الاستجواب على حقيقة المدعى عليه بارتكاب الجريمة، وهو يربط بين وقائع الدعوى لتحقيق هدفها في الوصول إلى الحقيقة، ومن ثم توقيع الجزاء الرادع على مرتكبهافاستجواب المتهم من قبل قاضي التحقيق في أدلة الاتهام قد تمكنه من الوصول إلى اعتراف منه أو تفنيد الأدلة القائمة ضده حتى تجنبه الظن به أو اتهامه.

وبما أنَّ الأصل في الإنسان البراءة فإن جل هذه تنبثق من الأصل الذي يتطلب معاملة المشتبه به معاملة تتفق مع الإنسان وكرامته في مراحل الدعوى الجزائية كافة، بغض النظر عن جسامة الجريمة وبشاعتها وأسلوب ارتكابها، وهو لا يكون إلا بكفالة حريته الشخصية على نحو تام([77])، وبما أن البراءة أصل مفترض فيجب أن لا يفهم بأن الاستجواب طريق لتمكين المشتبه به من إثبات براءته، لأنه غير مكلف بعبء إثباتها، بل الاستجواب هنا يتيح له الاطلاع على الأدلة المقدمة ضده لردها ومواجهة أثرها الفعلي في غير صالحه وذلك ضمن كفالة حق الدفاع له([78]).

أولاً: الضمانات المتعلقة بالسلطة القائمة بالاستجواب

يعد الضمان القضائي خير ضمان لحماية الحقوق والحريات، لأنه من خلال تقوم الموازنة بين المصلحة العامة وحماية الحقوق والحريات، وأن هذا الضمان لا غنى عنه في حماية هذه الحقوق، وخاصة في مرحلة التحقيق الابتدائي؛ لما لهذه المرحلة من خصوصية قد تتعرض فيها حقوق الإنسان للخطر، كما إن جوهر هذه المرحلة هو الموازنة بين أدلة الدفاع وأدلة الاتهام ومن ثم الترجيح بين الاثنين، وهي كذلك وظيفة قضائية، وأن القضاء هو الأقدر والأجدر على مراعاة الضمانات القانونية والدستورية التي تكفل التوازن بين المصلحة العامة وحريات الأفراد.

وبما إن الاستجواب سلاح ذو حدين وأنه إجراء خطير، فقد يؤدي إلى اعتراف المشتبه به بالتهمة الموجهة إليه، كما قد يؤدي إلى نفيها بما يملكه من وسائل دفاع يقدمها لدحض ما موجه إليه من تهم، ومن ثم فمن غير المسوغ أن تناط هذه المهمة أو تعهد إلى النيابة العامة وهو خصم المشتبه به، بل يجب أن توكل إلى قاض مستقل عنها من جهة، وعن السلطة التنفيذية من جهة أخرى ([79]).

بهذا الصدد تقول محكمة التمييز الاتحادية العراقية “ولدى عطف النظر على أوراق الدعوى والقرارات الصادرة فيها من لدن هذه الهيئة فقد وجد أن كافة القرارات الصادرة في الدعوى المذكورة آنفاً بنيت على خطأ في تطبيق القانون تطبيقاً صحيحاً، وذلك لأن التحقيق جرى مع المتهمين في مديرية استخبارات وأمن المثنى والمحكمة العسكرية بدون حضور عضو الادعاء العام وانتداب محام للدفاع عنهما خلافاً لقواعد الاختصاص المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية، إذ أن المتهمين مدنيان وليسا من أفراد القوات المسلحة، ومن ثم ليس من حق الجهات العسكرية التحقيق معهما([80]).

 كذلك تنص المادة (123) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: “([81])على حاكم التحقيقأو المحقق أن يستجوب المتهم خلال أربع وعشرين ساعة من حضوره وبعد التثبت من شخصيته وإحاطته علما بالجريمة المنسوبة إليه، ويدون أقواله بشأنها مع بيان ما لديه من أدلة لنفيها عنه وله أن يعيد استجواب المتهم فيما يراه لازما لاستجلاء الحقيقة” وكذلك فقد حدد المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية، في بابه الأول من الكتاب الثاني أعضاء الضبط القضائي ([82]).

إذاً يتبين من تحليل النص القانوني حرص المشرع العراقي على التمسك بالضمانات المقررة للمتهم خلال الاستجواب، وذلك بالإيعاز إلى المحقق بأن يجعل المتهم على بينة من التهم المنسوبة إليه، ويتبع السرعة في الاستجواب والابتعاد عن المماطلة.

 كما حدد المشرع العراقي اختصاصات أعضاء الضبط القضائي في المادة (43) من القانون نفسه عندما نص “على عضو الضبط القضائي في حدود اختصاصه المبين في المادة (39) إذا أخبر عن جريم مشهودة أو اتصل علمه بها أن يخبر حاكم التحقيق أو الادعاء العام بوقوعها وينتقل فوراً إلى محل الحادثة ويدون إفادة المجني عليه ويسأل المتهم عن التهمة المسندة إليه شفوياً”، بهذا يتضح أنه لا يجوز لعضو الضبط القضائي أن يقوم باستجواب المتهم، وإنما يجوز سؤاله فقط عن التهمة المنسوبة إليه دون أن يتضمن هذا السؤال مناقشة المتهم مناقشة تفصيلية أو مواجهته بأدلة الدعوى.

الجدير بالذكر أنه يجب التنويه إلى أن المشرع العراقي لم يعط أعضاء الضبط القضائي الحق في الاستجواب بل جعله حقا أصيلاً لسلطة التحقيق، إلا أنه قيد جواز إجرائه لأعضاء الضبط القضائي بحالتين تمثلان بمجملها وضعا استثنائيا من القاعدة العامة، يجوز أي منهما قيام رجال الضبط القضائي بالاستجواب وهما:

أ- صدور أمر من حاكم التحقيق أو المحقق.

ب- اعتقاد المسؤول في مركز الشرطة أن إحالة المخبر إلى حاكم التحقيق والمحقق تؤخر الإجراءات، مما يؤدي إلى ضياع معالم الجريمة أو الإضرار بسير التحقيق أو هرب المشتبه به، على أن تعرض الأوراق التحقيقية على الحاكم أو المحقق حال فراغه ([83]).

وبهذا يتضح أن المشرع العراقي، قد حضر على عضو الضبط القضائي من حيث المبدأ القيام باستجواب المتهم وإنما له سؤاله وإذا دعت الضرورة، إلى إنابة جهة أخرى غير قاضي التحقيق المختص لإجراء الاستجواب، فإنه نظراً لخطورته يجب إنابة قاضي تحقيق آخر للقيام بهذا الاستجواب عملاً بأحكام المادة (56/ب) من الأصول الجزائية، ولا يجوز إنابة عضو الضبط القضائي لذلك.

أما لدى المشرع اللبناني، فإنَّ الاستجواب لا يجوز مباشرته إلا من قبل سلطة التحقيق: “قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية”، وللمحكمة أيضاً سلطة استجواب المشتبه به، لكن ليس للضابطة العدلية ولا للنيابة العامة بحسب الأصل استجواب المدعى عليه، فالمادة (84/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد تحظر على قاضي التحقيق أن يستنيب ضابطاً عدلياً لإجراء الاستجواب، بقولها: “إذا أبدى المدعي عليه المقيم خارج نطاق دائرة قاضي التحقيق عذراً مشروعاً يمنعه من الحضور إلى دائرته فلقاضي التحقيق أن يستنيب لاستجوابه قاضي التحقيق التابع له محل إقامة المدعى عليه ولا يجوز أن يستنيب ضابطا عدليا لهذا الغرض”.

يتبين من تحليل النص القانوني أن المشرع اللبناني عند إلى

بالرغم من ذلك فقد أجاز القانون لكل من الضابطة العدلية والنيابة العامة استجواب المدعى عليه على سبيل الاستثناء في حالة وقوع جناية مشهودة، وذلك بموجب المادة (41/1)، فله أن يستجوب المشتبه فيه بشرط أن يدلي بأقواله بإرادة واعية حرة دون استعمال أي وجه من وجوه الإكراه ضده، وإذا التزم الصمت فلا يجوز إكراهه على الكلام([84]).

كذلك نصت المادة (32/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني على أنه “إذا وجد بين الحضور شخص توافرت فيه شبهات قوية فيأمر بالقبض عليه ويستجوبه ويبقيه محتجزاً على ذمة التحقيق مدة لا تزيد عن أربع وعشرين ساعة “عدلت المدة لتصبح ثمان وأربعين ساعة وفقا للقانون رقم 359 في تاريخ 16/8/2001 ما لم ير أن التحقيق يحتم مهلة إضافية فيقرر تمديد احتجازه مدة مماثلة وللمستجوب أن يستعين بمحام لحضور استجوابه.

ثانياً: الضمانات المتعلقة بكفالة حق الدفاع أثناء الاستجواب

يعد حق الدفاع من أهم الإجراءات التي يجب مراعاتها أثناء الاستجواب في مرحلة التحقيق الابتدائي، بل إن الاستجواب هو الوسيلة الأولية التي يمارس بواسطتها المشتبه به حقه في الدفاع، وهو لم يقرر لمصلحة المشتبه به المتقاضي وبقية المتقاضين فحسب بل لمصلحة المجتمع وفي تحقيق العدالة أيضاً([85])، وهذه الضمانات تتمثل في وجود قاضي محايد وأمين يتولى التحقيق ولذلك أياً كانت الضمانات الميسرة والتي من شأنها تقوية حق الدفاع في مرحلة التحقيق الابتدائي، فهي بلا شك لا زالت عاجزة ويشوبها القصور في حماية حقوق الإنسان طالما كان الضمان القضائي غائباً في هذه المرحلة.

إن كفالة حق الدفاع تبنى على أساس تكافؤ الفرص أو التوازن بين السلطة الممثلة للدولة في الاتهام وبين المشتبه به وخوفاً من تعرض هذا الأخير وهو الجانب الضعيف في الدعوى الجزائية لأية مخاطر قد تلحق به، وإن هذه الكفالة تعد رافداً من روافد حقوق الإنسان فهي الصورة المنقحة لحق الإنسان في الدفاع عن نفسه، بعد أن انحسر هذا الحق في اقتضائه باليد تحول إلى حق عن طريق المجادلة أمام القضاء.

من الملاحظ أن هذا الحق لا يتضمن التزاماً على المحقق بأن ينبئ عن شخصيته للمتهم، فلم يلزم القانون المحقق بأن ينبئ عن شخصيته للمتهم كما لا يترتب أي بطلان لإغفاله ذلك، وقد ورد التأكيد على مسألة الإحاطة بالتهمة الموجهة للمتهم في العديد من التشريعات، وقد جاء في نص المادة (123) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي بقولها: “على قاضي التحقيق أو المحقق أن يستجوب المشتبه به خلال أربع وعشرين ساعة من حضوره بعد التثبت من شخصيته وإحاطته علماً بالجريمة المنسوبة إليه”([86]).

كما يتبين هنا أن المشرع العراقي قد أوجب إحاطة المشتبه به بالتهمة المنسوبة إليه خلال أربع وعشرين ساعة، وذلك حماية وضمانة للمتهم ([87])، من تكرار حبسه احتياطيا مدد متعاقبة، إذ أن المشتبه به بعد إحاطته بالتهمة يستطيع إعداد دفاعه في المدة التي حددها المشرع العراقي، ويفند أي اتهام ضده والأدلة القائمة عليه، ومن ثم قد يتخلص من قيد التوقيف “الحبس الاحتياطي”، سواء أكان من قبل قاضي التحقيق أو من قبل المحكمة المختصة. وهذه الضمانة تعطي انطباعاً حضارياً عن أهم الحقوق التي يتمتع بها الأفراد وهي حمايتهم من أي تصرف قانوني دونما سند من القانون ([88]).

أما المشرع اللبناني فقد أعطى الحق للمدعى عليه من الإحاطة بالتهمة المنسوبة إليه، لكي يتيسر له معرفة الفعل المنسوب إليه والأدلة القائمة ضده، وهو الأمر الذي يفيده ولا شك في تحضير دفاعه، وقد كفلت هذا الحق نص المادة (76) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد بقولها: “على قاضي التحقيق عند مثول المدعى عليه أمامه في المرة الأولى، أن يحيطه علماً بالجريمة المسندة إليه فيلخص له وقائعها ويطلعه على الأدلة المتوفرة لديه أو على الشبهات القائمة ضده لكي يتمكن من تفنيدها والدفاع عن نفسه. لا يلزم قاضي التحقيق بأن يعطيه الوصف القانوني للوقائع.. إذا أغفل قاضي التحقيق إعلام المدعى عليه بالجريمة المسندة إليه، وفقا لما سبق بيانه.. أدى ذلك إلى بطلان الاستجواب كدليل من أدلة الإثبات”.

وفي هذا الصدد قضت محكمة التمييز اللبنانية في قرارٍ لها بأنَّ ” لان محكمة الجنايات لم تقم باستجواب المتهم المميّز تمهيديا وقبل السير بالمحاكمة، ما يجعل المحاكمة الجنائية مفتقرة الى معاملة جوهرية بحيث تتصف هذه المحاكمة بإجراءات باطلة تتعلق بحقوق الدفاع، وبالتالي تكون محاكمة مخالفة للانتظام العام، ما يؤدي الى نقض الحكم المطعون فيه”([89])، وأيضاً قضت بأنه: “نقض القرار الجزائي لعدم إبلاغ المشتبه به قرار الاتهام وقائمة شهود الحق العام لا قبل إجراء المحاكمة ولا خلالها ([90]).

فالقانون يوجب على قاضي التحقيق اطلاع المدعى عليه ليس فقط على التهمة المسندة ضده وكفى، بل أيضاً، وهذا هو الأهم، على وقائع التهمة، والأدلة المقامة ضده ([91]) مثل الأشياء المضبوطة أثر التفتيش وإفادات الشهود وتقارير الخبراء وما إلى ذلك، ويعطي القانون أيضاً للمدعى عليه حق الاطلاع على ملف القضية، علماً أن المادة (76) المشار إليها لم تذكر ذلك صراحة، ولكن هذا مؤدى التعبير المنطقي لها.

كما نلاحظ أنَّ القانون الجزائي الإجرائي اللبناني لم يلزم فقط وجوب إطلاع المدعى عليه على أوراق التحقيق، وإنما قضى أيضاً بوجوب إطلاع محاميه على أوراق التحقيق وحضور الاستجواب، وأنه إذا قام قاضي التحقيق باستجواب المتهم دون حضور وكيله المحامي فيترتب عليه بطلان الاستجواب والإجراءات اللاحقة له، حيث أنه يجب على قاضي التحقيق أن يدعو المحامي بمذكرة قبل يوم واحد على الأقل من الاستجواب، فإذا لم يحضر جاز للقاضي متابعة الاستجواب ([92]).

الفرع الثاني
ضمانات المتهم في الإجراءات الاحتياطية

إن ضمانات المتهم في الإجراءات الاحتياطية من لأمور واعتبارات تتعلق بضمان سلامة التحقيق تستطيع سلطة التحقيق اتخاذ بعض الأوامر الاحتياطية الماسة بحرية المتهم، ويطلق على هذه الأوامر الإجراءات الاحتياطية، ولعل الأسباب التي تدعو إلى اتخاذ هذه الإجراءات هي ضرورة تأمين سلامة التحقيق وتقديم مصلحة المجتمع في معرفة الحقيقة على مصلحة المتهم في عدم المساس بحريته قبل صدور حكم بات ضده بالإدانة ([93]).

كما تتمثل هذه الإجراءات في القبض والحبس الاحتياطي (التوقيف)، وأحاط المشرع هذه الإجراءات بعدد من الضمانات التي تصون حقوق المتهم، وعليه سنتناول ضمانات الأمر بالقبض وضمانات الحبس الاحتياطي “التوقيف وفق الآتي:

أولاً: ضمانات الأمر بالقبض.

نصت المادة (92) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على أنّه لا يجوز القبض على أي شخص أو توقيفه إلّا بمقتضى أمـر صـادر مـن قـاض أو محكمة أو في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك، ويتبين من النص المذكور أن أمر القبض يصدر من قاضي التحقيق أو محكمة جزائية وثمة أحوال أخرى يجوز فيها القبض منها ما نص عليه قانون الادعاء العام الذي خول أعضاء الادعاء العام صلاحية قاضي التحقيق في مكان الحادث في حال غياب القاضي، وبما أنّه يمارس صلاحية قاضي التحقيق.

كما إن هذه الصلاحية تخوله سلطة إصدار أمر القبض، غير أنّ هذه الصلاحية تزول عند حضور قاضي التحقيق المختص ما لم يطلب منه الأخير مواصلة التحقيق كلاً أو جزءاً فيما تولى القيام به، ذلك فثمة أحوال أخرى يجوز فيها القبض ولو لم يكن هناك أمر من القاضي، وهذه الأحوال نصت عليه المواد (102) و103 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي. وسوف نتناول حالات القبض التي أوردته المواد (102) و103) وفق الآتي:

أ_ حالات القبض الوجوبي:

لقد أشارت المادة (103) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي إلى حالات القبض الوجوبي، إذ نصت على كل فرد من أفراد الشرطة أو عضو الضبط القضائي أن يقبض على أي من الأشخاص الآتية ولو لم يصدر أمراً بالقبض ([94]).

1_ كل شخص صدر أمر بالقبض عليه عن سلطة مختصة: كان حاملاً سلاحاً ظاهراً أو مخبئاً خلافاً لأحكام القانون.

2_ كل شخص ظن لأسباب معقولة أنّه ارتكب جناية أو جنحة عمدية ولو لم يكن له محل إقامة معين ([95]).

3_ كل من تعرض لأحد أعضاء الضبط القضائي أو أي مكلف بخدمة عامة أداء واجبه. في هذه المادة واضحة في أنها أوجبت على المكلف بالقبض سواء أكان من أفراد الشرطة أو من بين أعضاء الضبط القضائي أن يقبض على الشخص الذي صدر أمر بالقبض عليه كمَنْ يكون حاملاً سلاحاً غير مجاز بحمله أو ممنوع حيازته كالأسلحة الحربية وأن يجرده من سلاحه وإذا اشتبه بأي شخص ارتكب جناية أو جنحة كما في حالة دوريات الشرطة وخصوصاً في الليل إذا وجدت بين الدور في حالات يحاول فيها أن يبعد نفسه عن الشرطة أو الاختفاء فلها في هذه الحالة أن تستوقفه وإذا كان حاملاً أمتعة أن تستفسر منه عن مصدرها وكذلك أوجب القانون على أفراد الشرطة القبض على أي شخص تعرض للموظف عند قيامه بواجبه.

ب_ حالات القبض الجوازي

لقد أشارت المادة (102) من قانون أصول المحاكمات العراقي النافذ إلى حالات القبض الجوازي وأعطت الحق لكل شخص ولو بغير أمر من السلطة المختصة أن يقبض على أي متهم بجناية أو جنحة وهذه الحالات هي ([96]):

1_ إذا كانت الجريمة مشهودة أو متلبس بها.

2_ إذا كان فارا بعد القبض عليه قانوناً.

3_ إذا كان محكوماً عليه غيابياً بعقوبة مقيدة للحرية.

4_ لكل شخص ولو بغير أمر من السلطة المختصة أن يقبض على كل مَنْ وجد في محل عام في سكر بين واختلال وأحدث شغباً أو كان فاقداً صوابه.

إنّ هذه المادة بينت حالات القبض الجوازي لكل شخص دون الحصول على أمر قضائي وهي حالة الجرم المشهود، وأن المشرع العراقي قد حصر الجرم المشهود في أربع حالات وهي:

1_ حالة الجرم الذي يضبط عند نهايته.

2_ حالة إذا تبع المجني عليه مرتكبها أثر وقوعها أو تبعه الجمهـور مـع الصياح.

3_ حالة ما يضبط مع الفاعل أشياء أو أسلحة أو أدوات أو أوراق يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها شرط أن يحصل ذلك في وقت قريب من الفعل

 4_ حالة الجرم الذي يرتكب حالاً.

ثانياً: ضمانات الحبس الاحتياطي “التوقيف.

الحبس الاحتياطي أشد إجراءات التحقيق الابتدائي عدواناً على الحرية الشخصية، لأنه يؤدي إلى سلب حرية المتهم، مع ذلك رأى فيه المشرع إجراء قد تقتضيه مصلحة التحقيق، فقرره بقيود تحدد من نطاقه إلى الدرجة التي لا يتجاوز بها تحقيق المصلحة العامة ([97]).

كما إن للحبس الاحتياطي فائدة في حماية المجتمع والمتهم في نفس الوقت، فهو يعوق بعض المتهمين من العودة إلى ارتكاب الجريمة إذا ما أطلق سراحهم، وقد تكون حبس المتهم احتياطياً لصالح المتهم، ففي الجرائم الجسيمة يخشى على المتهم إذا ظل طليقاً من اعتداء أفراد المجتمع عليه، فالهدف من الحبس الاحتياطي إرضاء الشعور العام وبث الطمأنينة في نفوس أفراد المجتمع.

 كما إن من صالح المجتمع ومن مقتضيات أمنه أنْ يُودَع المتهم السجن ويتم التحفظ عليه حتى لا يعود إلى فعلته مرة أخرى إذ في ترك المتهم حرّاً بعد اقترافه الجرم ما يثير الشعور العامة ويضعف إيمانهم بسلطة القانون وكفالة القصاص من المجرم سيما شعور المجني عليه وأصله ومن لهم علاقة به وهو ما قد يدفعهم إلى الاعتداء على الجاني، فتوقيف المتهم فيه إرضاء جريء لشعور المجني عليه وبالتالي المجتمع يخفّف من حدّة غضبه، بل هو حماية للمتهم ذاته عليه ([98]).

 وفي هذه الصورة يبدو جلياً النزاع بين مصلحتين متعارضتين بين مصلحة المجتمع في توقيف المتهم ومصلحة المتهم في بقائه حتى تثبت إدانته بحكم قضائي، ولما كانت الظواهر تدل على أن المتهم هو مرتكب الجرم أو أنَّ الأحوال التي يجوز فيها توقيف المتهم تحمل في طياتها توافر تلك الدلائل:

أ_ إجراء يضمن تنفيذ العقوبة

يرى بعضهم أنَّ للحبس الاحتياطي وظيفة تتمثل في ضمان تنفيذ المتهم للعقوبة المحكوم بها عليه، ذلك أنَّ المتهم قد يعمد إلى الهرب لخشيته من صدور حكم بالإدانة عليه، لذلك فإن حبسه احتياطياً يحول دون هربه ويضمن بالتالي تنفيذ العقوبة عليه، وتبين الإحصاءات الجنائية أنَّ عدداً كبيراً من الأحكام الغيابية يسقط لعدم تنفيذه ويرجع هذا إلى سهولة فرار المجرمين بعد ما تعددت سبل الانتقال وتيسرت، وكان من نتيجة هذا أنَّ كثرة الجرائم التي لا يلحقها العقاب قد يؤدي إلى اختلال الأمن في الدولة ([99]).

ب_ إجراء من إجراءات التحقيق

ذهب أغلب الفقهاء إلى اعتبار الحبس الاحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق وذلك لما فيه من ضمان السلامة التحقيق الابتدائي عن طريق وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتسيير استجوابه أو مواجهته كلما استدعي التحقيق ذلك والحيلولة دون تمكينه من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه، فهو إجراء من إجراءات التحقيق لتمكين المحقق من القيام بدوره في البحث عن الحقيقة دون أدنى معوقات سير التحقيق على أساس صحيح.

ج_ إجراء يهدف إلى إرضاء الشعور العام

اتجه جانب من الفقه إلى أنَّ أحد أغراض ومبررات الحبس الاحتياطي هو إرضاء الشعور العام، إذ يبث الطمأنينة في نفوس أفراد المجتمع، فهذا الإجراء يُعَدُّ وسيلة أمن تهدف إلى منع المتهم إذا ما أطلق سراحه من ارتكاب جرائم أخرى مماثلة وفي هذا تحقيق لمصلحة المجتمع وقد تباينت موقف التشريعات من بيان غاية الحبس الاحتياطي ([100]).

كما إن التشريع العراقي فإنَّ التوقيف الحبس الاحتياطي يجد سنده كإجراء ضروري لسير التحقيق وضمان تنفيذ العقوبة فحسب نص المادة (109) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي فإنَّ للقاضي أن يأمر بتوقيف المتهم أو يقرر إطلاق سراحه بتعهد مقرون بالكفالة إذا وجد أن إطلاق سراحه لا يؤدي إلى هروبه ولا التحقيق.

كما إن حبس المتهم احتياطياً إجراء خطير فإنّه يتعين استجواب المتهم قبل حبسه احتياطياً وبذلك يعطي المتهم فرصة لدحض الاتهام ([101])، فمن حق المتهم أن يواجه بالأدلة القائمة ضده حتى يستطيع إبداء دفاعه ويدحض ما يسند إليه من تهم، وعلة الاستجواب قبل الأمر بالتوقيف وضرورة سماع أقوال المتهم هي تمكين المحقق من تقدير أدلة الاتهام ومدى كفايتها لإصدار أمر التوقيف الحبس الاحتياطي.

كما يستطيع المتهم من خلال استجوابه أن يفنّد الأدلة القائمة ضده ويقنع المحقق ببراءته فيخلي سبيله، أو لا يستطيع تفنيد الأدلة القائمة ضده وتتولّد قناعة لدى المحقق على اتهامه فيصدر الأمر بتوقيفه وحبسه احتياطياً، حيث أن القانون يوجب على قاضي التحقيق اطلاع المدعي عليه ليس فقط التهمة المسندة ضده بل أيضاً وهذا هو الأهم([102])، على وقائع التهمة، والأدلة المقامة ضده فإذا لم يستجوب المتهم كان الأمر بالحبس الاحتياطي باطلاً، ولم يستثن المشرع من ذلك إلا حالة هروب المتهم، فيجوز الأمر بحبسه احتياطياً دون استجوابه، ولا يشترط إصدار الأمر بالحبس الاحتياطي عقب (2) (3) (4) الاستجواب مباشرة بل يجوز ذلك في أي وقت بعد استجوابه.

نخلص مما سبق أن الشرعية الجزائية أو كمـا تـسمى (بمبـدأ قانونية الإجراءات الجنائية وشرعيتها) تشكل ضمانة مهمة لحماية حقوق المتهم في ظل الإجراءات الجنائية بشكل عـام وفي مرحلة المحاكمة بشكل خاص، وتتعدد الضمانات الممنوحة للحفاظ على شرعية الإجراءات بين ضمانات مرحلة الاستجواب بشكل أصلي، والمتعلقة بسلطات الاستجواب وحق الدفاع، وكذلك الضمانات في الإجراءات الاحتياطية.

المطلب الثاني
الحق بالصمت

تحرص التشريعات الحديثة على عدم إكراه المتهم على الحديث عن الجريمة، خاصة إذا ما كانت أقواله تمثل نوعاً من الشهادة ضده أو إجباره على الكلام بما لا يتناسب مع حقوق الدفاع التي أقرتها جميع قوانين الإجراءات الجزائية في العالم([103])، وإن كفالة حق المتهم في التزام الصمت استناداً للإجراءات الجزائية المتمثلة في مرحلة التحقيق أم في مرحلة المحاكمة وباعتبارها إحدى ضمانات المتهم والتي تعتبر صورة من صور حقوق الإنسان، حيث أنها لم تأتي اعتباطاً كما أنها لم تك مِنةً بل هي نتاج تطور الفكر القانوني الإنساني عبر مرور الزمن وتطور الأنظمة القانونية والآراء الفقهية التي سايرت هذه الضمانات ووجدت تأييداً من القضاء عبر إصدار القرارات القضائية الكافلة لهذه الضمانات.

بناءً عليه سنقوم بتقسيم عذا المطلب إلى فرعين، سنتناول في الفرع الأول: مفهوم الحق في الصمت ونطاقه، ثم ننتقل لنتناول في الفرع الثاني: الحق في الصمت في التشريعات الوطنية والدولية.

الفرع الأول
مفهوم الحق في الصمت ونطاقه

قد تكون أحيانا إجابة المتهم على أسئلة المحقق بالسكوت، فقد يكون صمت المتهم طبيعياً وذلك عندما يكون المتهم أصما وابكماً، وفي هذه الحالة إذا كان المتهم يعرف الكتابة فيحرر له السؤال وهو يجيب عليه كتابةً، أما إذا كان لا يستطيع الكتابة فيعين له القاضي مترجماً له خبرة في التحدث مع الصم والبكم ([104]).  

واحياناً قد يكون صمت المتهم عن تعمد، فإذا قرر القانون للمتهم حقاً في ألا يجيب على سؤال يوجه إليه، فانه يترتب عليه ألا تتخذ المحكمة من امتناعه قرينة ضده كما أن صمت المتهم لا يجوز بأي حال من الأحوال اعتباره اعترافاً، لان هذا الصمت لا يعتبر صراحة إقرار بالواقعة الإجرامية المنسوبة إليه، وهي في حقيقة الأمر ليست إلا استعمالاً لحق منحه القانون للمتهم.

 كما تأخذ كل التشريعات الجزائية بحرية المتهم في الإجابة وحقه في التزام الصمت، ولكنها تختلف من حيث صراحة النص. فبعضها ينص صراحة على هذا الحق، وبعضها الآخر يفهم من نصوصها أن للمتهم حق الصمت والامتناع عن الإجابة، غير أنه لا يوجد جانب من التشريع لا يقر للمتهم بهذا الحق، ومن هذه التشريعات التي تنص صراحة على حق المتهم في الصمت، قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي الذي نص في المادة (126) منه على انه” لا يجبر المتهم على الإجابة على الأسئلة التي توجه إليه ([105]).

كما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني الجديدالذي لم يجعل من الاعتراف وسيلة إثبات أساسية ومطلقة، لأن القانون الجديد يحمل تطوراً مهماً من خلال حرصه على حقوق المتهم وحمايتها من خلال النص على “قاعدة الصمت المشروع” عن طريق عدم السماح للضابط العدلي باستخدام أي وسيلة من وسائل الإكراه المادي أو المعنوي لحمل المشتبه به على الكلام, وقد نصت المادة (180) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني على أنه اذا رفض المدعى عليه الإجابة والتزم الصمت فلا يحق للقاضي أو المدعي أن يكرهه على الكلام, ولا يجوز للقاضي يتخذ من صمته قرينة لأدانته([106])، والتشريعات الحديثة تحرص على عدم إكراه المتهم على الحديث عن الجريمة، خاصة إذا ما كانت أقواله تمثل نوعاً من الشهادة ضده أو إجباره على الكلام بما لا يتناسب مع حقوق الدفاع التي أقرتها جميع قوانين الإجراءات الجزائية في العالم.

أولاً: التعريف بالحق في الصمت

قبل التعريف بحق المتهم في الصمت، لابد من تعريف الحق الذي عرفه الفقهاء المسلمون عدة تعاريف منها أن الحق اختصاص يقر به الشرع سلطة أو تكليف» وعرف بأنه «وضع شرعي يجعل للشخص الاختصاص بمنفعة مادية أو معنوية ([107]) كما عرف الحق أيضا بأنه ما يثبت في الشرع للإنسان أو لله تعالى على الغير.

فقد ورد لفظ «الحق» في القرآن الكريم بمعان مختلفة في مواضع عدة، إذ ورد لفظ حق (34) مرة في (34) آية وورد لفظ الحق (109) مرة في (103) آية.

أما في القوانين الوضعية، فالحق صلاحية أو سلطة أو امتياز يمنحها القانون لشخص. حقيقي أو معنوي دون الآخر، والحق في الفقه الإسلامي يأتي بهذا المعنى وله أركان ثلاث من له الحق ومن عليه الحق ومتعلق الحق يقابل في الحكم والملكية ([108]).

وقد عرفت المادة (88) من مشروع القانون المدني العراقي بأنه ميزة يمنعها القانون ويحميها تحقيقاً لمصلحة اجتماعية ولذلك فهو ميزة أو مصلحة معتبرة وجه الشارع نظرة اليها كونه ذات أهمية كبيرة فأضفى عليها اعترافه ومن ثم منحها الحماية القانونية اللازمة ووضع الجزاءات المختلفة التي تفرض عند انتهاك هذه المصلحة، وذلك لاعتبارها ذات قيمة اجتماعية كبيرة» ([109]).

أما حق المتهم في الصمت فأن تعريفه يقتضي أن تجمع فيه اهم عناصر هذا الحق، ومن خلال نصوص المواد (1-2-3) المعدلة و (126) و (179) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقية رقم 23 لسنة 1971 حيث يمكن تعريف حق الصمت بأنه (حرية المتهم في الكلام والإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه أو الامتناع عن ذلك ولا يعد امتناعه دليلاً ضده على أن ينبه المتهم قبل إجراء التحقيق معه بأن له الحق في الامتناع عن الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه ([110])، ومما تقدم يمكن القول بأن عناصر حق المتهم في الصمت هي:

1- أن يتمتع المتهم بحرية الكلام والإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه أو الامتناع عن ذلك، ومن ثم لا يمكن القول بوجود حق المتهم في الصمت إذا أجاز القانون إكراهه على الكلام عموماً أو على الاعتراف بوجه خاص.

2- ألا يعد صمت المتهم دليلاً ضده، لأنه لا يمكن في الوقت نفسه منح المتهم الحق في التزام الصمت، ثم الاستناد الى هذا الصمت وتحويله الى دليل إدانة ضده ([111])، خاصة وان المتهم في حالة التزامه الصمت إنما يستعمل حقاً مقرراً له بموجب القانون.

3- ضرورة تنبيه المتهم على أن له الحق في التزام الصمت، وان لم يتم تنبيه المتهم بصورة واضحة وصريحة وقبل أي سؤال يوجه اليه، فان استجواب المتهم يُعد، باطلاً، ومن ثم فان تنبيه المتهم يعد عنصراً من عناصر حق المتهم في الصمت ([112]).

كذلك قد أشار قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد في المادة (47) بأنه “إن امتنعوا أو التزموا الصمت فيشار الى ذلك في المحضر ولا يحق لهم إكراههم على الكلام أو استجوابهم تحت طائلة بطلان إفادتهم”

وكذلك المادة 77 من نفس القانون بأنه “إذا رفض المدعي عليه الإجابة والتزم الصمت فلا يحق لقاضي التحقيق أن يكرهه على الكلام”.

ثانياً: نطاق الحق في الصمت

الحقيقة أن نطاق حق المتهم في الصمت يتوقف على الصفة المعطاة للاستجواب كونه يعد وسيلة دفاع أم وسيلة للتحقيق والإثبات فالاستجواب هو «توجيه التهمة للمتهم ومناقشته تفصيلياً في الأدلة المتوافرة أمام المحكمة أثناء نظر الدعوى» ([113])، وعرفته محكمة النقض المصرية بأنه “مجابهة المتهم بالأدلة المتوافرة قبله ومناقشته مناقشة تفصيلية، كي ما يفند التهمة أن كان منكراً للتهمة، أو يعترف بها إذا شاء الاعتراف”

ويذهب البعض الى القول بأن الاستجواب حق المتهم، وهو في الوقت نفسه واجب على المحقق يلتزم بالقيام به لأنه وسيلة دفاع المتهم، لا إجراء من إجراءات جمع الأدلة فقط ([114])، ولكي يبقى الاستجواب وسيلة يستطيع المتهم من خلالها أن يدحض التهمة عن نفسه، وحتى لا يُستغل للحصول على اعتراف كاذب من المتهم. لذا يجب أن يحاط هذا الأخير بضمانات تحمي حريته وحقه في الدفاع أثناء الاستجواب وتجنبه إبداء أقوال في غير صالحه، وهي في الوقت نفسه تكفل حصول الاستجواب بشكل قانوني. ومن أهم هذه الضمانات وجوب تمتع المتهم بحريته التامة في الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه من قبل المحقق ومن حقه أن يلتزم الصمت إذا شاء، لأن الموقف يخضع لتقديره الخاص ولا عقاب عليه إذا امتنع عن الإجابة عن أي سؤال ([115]).

فاذا كان الاستجواب وسيلة للدفاع فقط، كما في مرحلة المحاكمة فالمتهم يملك عند استجوابه مطلق الحرية في أن يجيب على أسئلة القاضي، أو يمتنع عن الإجابة عليها كلها أو بعضها، فحق المتهم في الصمت في مرحلة المحاكمة معترف به وله سنده ذلك لان الاستجواب بالنسبة اليه وسيلة من وسائل الدفاع، فليس لاحد أن يحمله على استعمالها، ولا يصح تفسير امتناعه عن الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه من انه إقرار بصحة الاتهام الموجه اليه وتسليم بإدانته واذا عد الحكم الصادر هذا الامتناع دليلاً أو قرينة ضده كان معيباً، لأن الامتناع عن الإجابة على ما يوجه من أسئلة، لا يعد اعترافاً صريحاً ولا ضمنياً([116]). إلا أن للقاضي في هذه الحالة حق تقدير سلوك المتهم صمته تردده وانفعالاته والاستناد اليها في حكمه.

أما إذا كان الاستجواب مجرد وسيلة للتحقيق – مرحلة التحقيق، ففي هذه المرحلة لا يحق للمتهم أن يصمت أو يمتنع عن الإجابة عن الأسئلة الموجهة اليه بل يجب أن يقدم كل ما يثبت براءته، حتى لا يفسر صمته ضده، وذلك بناء على أن الاستجواب وسيلة للتحقيق يجب أن يؤدي الى كشف الحقيقة، ومن ثم من واجب المحقق البحث في إجابات المتهم عن عناصر الحقيقة.

ولكن كما أشرنا سابقاً الى أن الاستجواب ليس فقط وسيلة للتحقيق يلجأ اليها للحصول على الاعتراف، ولكنه في الوقت نفسه وسيلة للدفاع ([117]). فالاستجواب إجراء تجتمع فيه الصفتان (الصفة الدفاعية والصفة التحقيقية)، فهو أحسن سلاح في يد المتهم لرد التهم الموجهة اليه، لذلك لا يجوز من المحقق إجباره على الكلام، وما عليه في هذه الحالة إلا أن يتعرف منه ما أمكن أسباب الامتناع، ويثبت ذلك في المحضر، ثم يستمر في أعمال التحقيق.

أما عن مرحلة الاستدلال، فالاستجواب فيها لا يعدو كونه تحقيقاً ودفاعاً معاً. واستقر الرأي على أن صمت المتهم في مراحل الاتهام جميعها، هو حق له، لا يعد اعترافاً لأن الصمت ليس إقراراً صريحاً بالواقعة الإجرامية المنسوبة اليه، وهو في حقيقته ليس إلا استعمالاً لحق أقره له القانون ([118]).

فلذلك يجب أن نقر له بحقه في رفض الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه أثناء استجوابه في مراحل الدعوى الجزائية جميعها، ولا يصح في الأحوال جميعها أن يؤول صمته على وجه يضر بمصلحته، ولا أن يعد سبباً مسوغاً لإثبات الوقائع المبنية عليها الأسئلة، فحق المتهم في الصمت ممتد الى مراحل الدعوى جميعها، ولا يجوز في أي مرحلة أن يكون صمته قرينة على إدانته يستند اليها في الحكم أبدا، وإلا كان الحكم معيباً ([119]).

أن حق المتهم في الصمت لا يعني أن المتهم له الحق بعدم الإجابة على الأسئلة التي لا تتعلق بالجريمة، لان نطاق حق المتهم بالصمت يشمل الأسئلة التي تتعلق بالجريمة، أما الأسئلة التي تتعلق بالبيانات الشخصية كاسمه وعمره ومحل سكنه فلا يشمله هذا الحق والعلة في ذلك أن تلك البيانات الشخصية تحمل المحقق على التأكد من أن الشخص الماثل أمامه هو المتهم حتى لا يتخذ أي إجراء ضد بريء ([120]).

الفرع الثاني
الحق في الصمت في التشريعات الوطنية والدولية

إن حق الصمت هو ترسيخ لحق الإنسان في حرمة حياته الخاصة وهو يعني حقه أيضاً في ألا يقتحم أحد ذلك النطاق من الخصوصية الذي يحيط به نفسه، ومن ثُمَّ تحويل الأفراد حق الاحتفاظ بسرية ما يريدون كتمانه عن الغير([121])، لذا يحق للمتهم عند استجوابه رفض الإجابة على ما يوجه إليه من أسئلة دون أن يؤخذ امتناعه هذا على أنه قرينة على ثبوت التهمة ضده فهو حق مستمد من أصل مقرر هو افتراض البراءة، ومن ثَمَّ يعد هذا الحق مانعاً أمام سلطات التحقيق والمحاكمة ضد اقتحام الحياة الخاصة للمتهم لإرغامه على الإفضاء بما يختزنه في ذاكرته، مع ملاحظة أن امتناع المتهم عن الإجابة قد يكون في غير مصلحته خاصة إذا كانت أدلة الاتهام متوفرة ضده، ومن ثَمَّ فإن امتناعه عن الإجابة معناه بقاء تلك الأدلة ضده([122]).

أولاً: موقف الاتفاقيات الدولية في حق المتهم بالصمت

عقدت العديد من المؤتمرات الدولية والندوات والحلقات الدراسية كان أبرز أعمالها طرح حق المتهم في الصمت للنقاش، وأصدر توصيات عدة تضمن للمتهم الحق في الصمت، هذه المؤتمرات الدولية لم تكن لتهتم بموضوع حق الصمت لولا خصوصية هذا الموضوع وأهميته، وسوف نستعرض اهم هذه المؤتمرات والحلقات الدراسية والمواثيق:

  1. قررت اللجنة الدولية للمسائل الجزائية المنعقدة في برن سنة ([123]) 1939 انه من المرغوب فيه أن تقرر القوانين، ويوضح مبدأ عدم إلزام الشخص باتهام نفسه، وإذا رفض الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه، فان تصرفه يكون محل تقدير المحكمة، فضلاً عن باقي الأدلة التي جمعت دون عد صمت المتهم دليلاً على الإدانة.
  2. أوصى المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات المنعقد في روما سنة 1953، على انه لا يجبر المتهم على الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه، ومن باب أولى لا يكره على الاعتراف، فله الحرية المطلقة في اختيار الطريق الذي يشكله ويراه محققاً لمصلحته.
  3. قررت لجنة القانون الجزائي في المؤتمر الدولي الذي نظمته اللجنة الدولية لرجال القانون في أثينا سنة 1955 أن المتهم يستطيع أن يرفض الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه من قبل الشرطة وسلطة الاتهام، ويطلب سماعه من قبل القاضي، ولا يجوز للمحكمة أن تجبره على الكلام
  4. اجمع المشتركون في الحلقة الدراسية التي عقدتها الأمم المتحدة لبحث حقوق الإنسان في الدعوى الجزائية سنة 1960 في فيناعلى أن للمتهم الحرية الكاملة في أن يرفض إعطاء أية معلومات أو بيانات تطلب منه، كما انه غير ملزم بالبت في موضوع إدانته يوجه اليه السؤال المتعلق بهذا الشأن ([124]).
  5. أوصت لجنة حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة سنة 1962، على انه لا يجبر أحد على الشهادة ضد نفسه، ويجب قبل سؤال أو استجواب كل شخص مقبوض عليه أو محبوس، أن يحاط علماً بحقه في التزام الصمت.
  6. 6-   أوصى المؤتمر الدولي الثاني عشر الذي عقدته الجمعية الدولية لقانون العقوبات في المانيا (هامبورغ) سنة 1976 على ضرورة تأكيد حق المتهم في الصمت، من دون أن يكون لهذا الصمت أية آثار سلبية تدين المتهم.
  7. جاءت التوصية الخامسة لحلقة فينا سنة 1971، أن للمتهم الحق في أن يلتزم الصمت حيال الأسئلة الموجهة اليه، ويجب تنبيهه الى هذا الحق.
  8. الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان والتي تضمنت العديد من حقوق المتهم بارتكاب جريمة ومن بين تلك الحقوق، إخطار المتهم مسبقاً بالتهم الموجهة اليه، وحق المتهم في إلا يُجبر على أن يكون شاهداً ضد نفسه أو أن يعترف بالذنب.
  9. الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب: لم يصدر عن المؤتمر بشكل صريح عن حق التزام الصمت للمتهم ولكن تضمن ذلك ضمناً ما يشكل حماية لهذا الحق وحظر كافة أشكال العدوان عليه من ذلك “لا يجوز انتهاك حرمة الإنسان. ومن حقه احترام حياته وسلامة شخصه بدنياً ومعنوياً ولا يجوز حرمانه من هذا الحق تعسفاً”. كما ورد لكل فرد الحق في احترام كرامته والاعتراف بشخصيته القانونية وتحظر جميع أشكال استغلاله وامتهانه واستعباده خاصة التعذيب بجميع أنواعه.
  10. الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان المدنية والسياسية ورد في هذه الاتفاقية العديد من ضمانات المتهم ووصفت بأنها ضمانات دنيا أو أنها بمثابة الحد الأدنى من الضمانات والتي من بينها (أن يكون المحاكم حضورياً وأن يدافع عن نفسه ….. الخ)، (ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب). أن يتم إعلامه سريعاً وبالتفصيل، وفي لغة يفهمها بطبيعة التهمة الموجهة اليه وأسبابها) ([125]).

كما أنه بالرغم من عدم النص صراحة على حق المتهم في الصمت في المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان إلا أن حق المتهم في التزام الصمت أثناء استجواب الشرطة له وخلال المحاكمة متضمناً حقين من الحقوق المكفولة بموجب المواثيق الدولية وهما الحق في افتراض البراءة، والحق في عدم الإكراه على الشهادة ضد النفس أو الاعتراف بالذنب ([126]).

ثانياً: حق المتهم في الصمت في القانون العراقي

لقد نص قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي النافذ رقم 23 لسنة 1971 في المادة 126 منه على أنه

  • “لا يحلف المتهم اليمين إلا إذا كان في مقام الشهادة على غيره من المتهمين.
  • يجبر المتهم على الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه». كما أن للمتهم حرية التوقيع على المحضر الذي تثبت فيه أقواله هذا ما أشارت اليه المادة 128/أ من قانون أصول المحكمات الجزائية إذ نصت على أنه «تدون في المحضر أقوال المتهم من قبل قاضي أو المحقق، وإذا امتنع عن التوقيع فيثبت ذلك في المحضر”

فقد يجبر المتهم على الإدلاء بأقوال أو اعترافات، ثم يمتنع عن التوقيع على تلك الأقوال ومن شأن ذلك يساعده على ادعائه أنه أرغم على الإدلاء بتلك الأقوال والاعترافات، وامتنع عن التوقيع بسبب ذلك، خاصة وأنه من النادر أن يمتنع المتهم عن التوقيع على المحضر الذي تم فيه تدوين أقواله. إذا كان قد أدلى بهذه الأقوال بحرية تامة.

كما تقضي المادة (127) من القانون نفسه بأنه لا يجوز استعمال أية وسيلة غير مشروعة، للتأثير على المتهم، للحصول على إقراره، ويعتبر من الوسائل غير المشروعة إساءة المعاملة بالإيذاء والإغراء، والوعد والوعيد، والتأثير النفسي، واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير وهذا ما أكده قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في المادة 15 ي والتي تنص على أنه يحرم التعذيب بكل أشكاله الجسدية منها والنفسية وفي كل الأحوال، كما يحرم التعامل القاسي المهين وغير الإنساني، ولا يقبل كدليل في المحكمة أي اعتراف انتزع بالإكراه أو التعذيب أو التهديد لأي سبب كان وفي أي من الإجراءات الجزائية الأخرى([127]).

وتنص المادة (179) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على أنه “للمحكمة أن توجه للمتهم ما تراه من الأسئلة، لكشف الحقيقة قبل توجيه التهمة اليه أو بعدها ولا يعد امتناعه عن الإجابة دليلا ضده”.

ومن خلال النصوص المتقدمة نرى أن المشرع العراقي قد قرر صراحة حق المتهم في الصمت في جميع مراحل الدعوى الجزائية إلا أنه لم يلزم الجهات القائمة بالتحقيق (قاضي التحقيق، أو المحقق أو ضابط الشرطة الممنوح سلطة محقق) وكذلك محكمة الموضوع بتنبيه المتهم عند استجوابه على أن له الحق في التزام الصمت والامتناع الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه أي أن المشرع العراقي قد قرر حق المتهم في الصمت مع استبعاد التنبيه.

ثالثاً: حق المتهم في الصمت في القانون اللبناني

إن المشرع اللبناني لا يقر بالاعتراف الصادر بالإكراه، وأوجب على النيابة العامة أن تقيم الدليل على صحة الاعتراف في حال أدلى المدعى عليه أنه انتزع بالإكراه، بل أن القانون يعاقب من يكره شخصا على الاعتراف بارتكاب جريمة([128])، من جملة الضمانات التي أحاطها المشرع بالمتهم لمنع انتزاع اعتراف منه بالإكراه، وجاء في قرار لمحكمة التميز اللبنانية بقولها ” إن القرار المطعون فيه بقوله أن المتهم اعترف أمام المحكمة انه لم يتعرض للضرب والإكراه في حين تبين انه صرح انه تعرض للتهديد والشتائم وهو وجه من أوجه الإكراه يكون قد شوه الوقائع مما يؤدي الى نقض القرار”([129])، وقضت كذلك في قرار أخر بقولها ” لم يتوافر للمحكمة أي دليل كاف لإدانة المتهم بالجرم المنسوب اليه وهو إلقاء قنبلة يدوية في مكان مهجور (المادتان 72 و75 من قانون الأسلحة والذخائر)، سوى إقراره في التحقيقات التي ادعى فيها انه تعرض خلالها للضرب، ولقد انكر المتهم الجرم في التحقيقات اللاحقة ولم يتوافر أي دليل جدي يدينه”([130]).

وقد أشارت المادة (77) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد بالقانون رقم 359 الصادر في 2001/8/16 الى أنه (على قاضي التحقيق أن يراعي مبدأ حرية أرادة المدعي عليه أثناء استجوابه وأن يتأكد من أنه يدلي بإفادته بعيداً عن كل تأثير خارجي عليه سواء أكان معنوياً أم مادياً. إذا رفض المدعي عليه الإجابة والتزم الصمت فلا يحق لقاضي التحقيق أن يكرهه على الكلام).

وكذلك فقد أشارت المادة (41) من القانون نفسه وبخصوص إجراءات الضابطة العدلية في الجريمة المشهودة (له أن يستجوب المشتبه فيه شرط أن يدلي بأقواله بإرادة واعية حرة ودون استعمال أي وجه من وجوه الإكراه ضده، إذا التزم الصمت فلا يجوز إكراهه على الكلام).

ونجد أن المادة (61) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد في الجرائم الغير مشهودة حيث نصت على (يلزم قاضي التحقيق باتباع الوسائل المشروعة أثناء قيامه بجميع الإجراءات التحقيقية التي تؤدي الى كشف الحقيقة).

وقد حظر التشريع اللبناني ضمنياً تحليف المتهم اليمين أثناء الاستجواب ويستفاد من هذا الحظر من النص على مراعات مبدأ حرمة إرادة المدعي عليه أثناء استجوابه، والتأكد من انه يدلي بإفادته بعيداً عن كل تأثير خارجي سواء كان مادياً أو معنويا. وان هذا الحظر يجد سنده القانوني في المبادئ الأساسية للقانون فقرينة البراءة لا تقع على عاتق المتهم أثبات براءته، ومن باب أولى فإنها تحظر إكراهه على أن يقدم الدليل ضد نفسه ([131]).

والخصلاصة نجد أن المؤتمر الدولي الثاني عشر لقانون العقوبات المنعقد في هامبورغ في 1979 بأن اوصى «المتهم له الحق في ان يظل صامتا ، ويجب تنبيهه الى هذا الحق، كما ان المادة (67) من الدستور المصري نصت على ان للمتهم الحق ان يلزم الصمت اثناء استجوابه او مواجهته بغيره وهذا الحق مستمد من قرينة ان الأصل في الانسان البراءة حتى يثبت العكس»، وفي الوقت نفسه لم ينص القانون المصري صراحة عن حق المتهم في السكوت او عدم الاجابة عند الاستجواب والمواجهة لكنه حق بديهي مستمد من قرينة البراءة ولذا فليس للمحكمة ان تستمد من هذا السكوت قرينة ضده.

وقد اشارت المادة (123/ أولاً) من قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقية “للمتهم الحق في السكوت، ولا يستنتج من ممارسته هذا الحق اي قرينة ضده”([132])، وكذلك فقد اشارت المادة (77) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد “اذا رفض المدعي عليه الاجابة والتزم الصمت فلا يحق لقاضي التحقيق ان يكرهه على الكلام”.

وعليه فإن ظاهرة الصمت وعدم الاجابة من قبل المدعي عليه امام المحقق في الاستجواب نادرة الحدوث لاعتبارات غريزية كالحرص على نفسه من الوقوع في الاتهام الموجه اليه وهو في هذه الحالة اما ان يصر على الانكار او ابتكار أساليب دفاعية وغير مقنعة لتضليل المحقق او الاعتراف، وفي هذه الحالة سيكون امام صراع نفسي داخلي ولربما يفضل الصمت على الكلام الا انه يهدف الى عدة([133]) أمور منها:

  1. التستر على شخص يفضل عدم البوح بهويته لغرض ما .
  2. قناعته بتحمل المسؤولية والجريمة المنسوبة اليه ويخشى الاساءة لسمعته فيما اذا تكلم.
  3. احتمال تعرضه لمرض نفسي يجعله غير قادر على دفع ما اسند اليه من تهمة وبذلك ضرورة عرضه على لجنة طبية لبيان مدى اهليته العقلية والنفسية
  4. لربما يكون قد تطوع من تلقاء نفسه لدفع الضرر يعتقد بأنه أكبر فيما اذا اعترف بالحقيقة الجرمية.

نخلص مما تقدم أن المتهم لم يحظ بالقدر الكافي من التعريف والتحديد في الأنظمة والتشريعات القانونية، إلا أن الفقه القانوني حدده بأنه من تثار حوله الشبهات بارتكابه جرماً، ويعد التحقيق الجنائي هو العملية التي يحاول من خلالها المحقق اكتشاف إثبات حقيقة وقوع الجريمة، وبيان كيفية وقوع الجريمة، إضافة إلى كشف أسباب الجريمة ومعرفة مرتكبها، كما أن مرحلة الاستجواب هي من إجراءات التحقيق الهامة، إذ يمكن أن يسفر عن معلومات تؤدي للكشف عن الحقيقة وتفسير وقائع الدعوى، وقد يؤدي إلى اعتراف المتهم بالجرم المنسوب إليه وهو ما يعد دليلاً هاماً بشرط توفر شروط صحته.

كما أن المشرعين قد عملوا على تضمين قوانين أصول المحاكمات الجزائية وقوانين العقوبات المبادئ المتعلقة بالضمانات المقررة للمتهم في الاستجواب، مما يتيح للسلطة القائمة بالتحقيق معرفة الحدود المشروعة لاستحصال المعلومات، ويضمن للمتهم حقوقه المكرسة وطنياً وعالمياً، ويفضي في الختام إلى تحقيق الغاية المرجوة من عملية التحقيق في استخلاص المعلومات والحقائق الواقعية.

الفصل الثاني
عدم شرعية وسائل التحقيق وتبعاته

كان من نتائج التطور التقني أن ظهرت بعض الوسائل الحديثة التي استخدمت في التحقيق الجنائي، ومن نتائج هذه الوسائل التأثير في إرادة المتهم، وبعضها يؤثر في إرادة المتهم بأساليب مادية، كما في العنف وإرهاق المتهم بالاستجواب واستخدام الكلاب البوليسية، والبعض الآخر يعدم إرادة المتهم المستجوب بالطرق المعنوية، كما في الغش والخداع وتحليف اليمين وغيرها من الأساليب ([1]).

حيث أن المشاكل الرئيسة في الدعوى الجنائية تبدو واضحة في مرحلتها هذه لاتصالها بطبيعة سلطات التحقيق في الجرائم، لاسيما حين يعهد بالتحقيق إلى أفراد غير مختصين، ومن أهم المشاكل التي تثار أثناء هذه المرحلة مسألة حفظ الكرامة الإنسانية من القيود الماسة بحرية الشخص المتهم والوسائل غير المشروعة التي تباشر ضدهم سعياً للحصول على أدلة الإدانة ([2]).

فاستجواب المتهم من أهم إجراءات التحقيق الابتدائي التي يكون فيها السلطة التحقيق حق مناقشة المتهم مناقشة تفصيلية في التهمة الموجهة إليه ومواجهته بالأدلة المختلفة القائمة ضده والاستماع إلى ما يبديه من أوجه دفع التهمة وإثبات براءته أو اعترافه بالتهمة([3])، والتحقيق هو مناقشة المتهم في أدلة الجريمة المرتكبة ومواجهته بالدلائل المقامة ضده والاستماع إلى دفاعه بشأن ما يقدم أمامه من دلائل وبراهين، فالهدف من مناقشة المتهم تفصيلياً بالتهمة المسندة إليه هو إثبات أنه الشخص الذي ارتكب الجريمة، أو على العكس من ذلك، انهيار هذه الأدلة ومن ثم إثبات برامته وعدم اتخاذ أي إجراء شده بعد ذلك.

إذ تقوم حماية المتهم أثناء فترة التحقيق على فكرتين الأولى توافر ضمانات يتمتع بها المتهم أثناء هذه الفترة من جهة، والمسؤولية المترتبة على انتهاك هذه الضمانات من جهة أخرى، فتعد ضمانات المتهم أثناء فترة التحقيق من أهم الموضوعات الإجرائية، فالالتزام بحماية المتهم خلال فترة التحقيق وملاءمة هذا الالتزام مع ضرورة حفظ النظام العام يثير الكثير من المشاكل التي يصعب حلها، ذلك لأنه يثير تصادماً بين قواعد تبدو إلى حد ما غير قابلة للملاءمة مع بعضها.

كذلك فالضمانات المقررة لمشروعية التحقيق وضمان حقوق المتهم يعتبر كل منها ضرورية ولازمة، إذ إن هناك مبدأ العقاب الذي لا يمكن بدونه بقاء مجتمع يعيش في مأمن، ومن جهة أخرى ثمة مبدأ لا بد من مراعاته وهو المحافظة على حرية وسلامة الفرد، وهذا المبدأ إنما هو حق طبيعي لا يجوز لأي فرد الاعتداء عليه بصورة غير مشروعة، وعليه فإن المتهم يتمتع بحقوق في كل مراحل الدعوى ولاسيما في مرحلة التحقيق ([4]).

كما أن حرص المشرع على عدم يستغل الاستجواب كوسيلة للضغط على المتهم للحصول على إقراره، ولكي يتمكن المتهم أن يستعمل حقه في الدفاع أثناء الاستجواب أحاط المشرع التحقيق بعدة ضمانات، منها ما يتعلق بالأساليب والأدوات المادية والمعنوية غير المشروعة المستخدمة في التحقيق، ومنها ما يتعلق بتجريم تعذيب المتهم، ومخالفة أو إهدار هذه الضمانات يترتب عليها بطلان الاستجواب مما ينتج عنه بطلان الإجراءات والنتائج المتولدة عنه.

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين، سنتناول في المبحث الأول: أوجه عدم مشروعية التحقيق الجنائي، ثم ننتقل لنتناول في المبحث الثاني: جزاء الإخلال بضمانات التحقيق.

المبحث الأول
أوجه عدم مشروعية التحقيق الجنائي

شرع التحقيق الجنائي لغرض أساسي هو إعداد القضية وإحالتها إلى قضاء الحكم، فلا يطرح عليه غير التهم المرتكزة على أساس متين من الوقائع والقانون، وفي ذلك مراعاة لمصلحة الأفراد والمصلحة العامة على حد سواء، فمن المهم للعدالة وللمتهم ألا تحال الدعوى على قضاء الحكم اعتباطاً ([5])، وأن تبنى الأدلة التي يتم مواجهة المتهم بها على إجراءات محقة وصحيحة، وأن يتم الحصول عليها وفقاً للإجراءات القانونية، وتبعاً لقواعد المشروعية

أصبحت حرية المتهم في التعبير أمرا معترفا به في معظم التشريعات وتداخلت القوانين بالنص على ذلك صراحة دون أن تترك مجالا للشك، ولم يكتف البعض منها بوضع قوانين فقط بل ذهبت إلى ابعد من ذلك حيث قررت فرض عقوبات جنائية على الذين يخالفون هذه القوانين، إلى جانب ذلك عدت الإجراءات المتبعة خلافا للقانون غير صحيحة ولا تترتب عليها أية نتيجة يمكن أن يعتد بها في الإثبات، إن هذا الحق لم يتقرر للمتهم لمجرد احترام شخصيته أو لحماية معالمه، بل لتحقيق عدالة كاملة أيضا، فما دام المتهم لا يكره على الاعتراف فإن أقواله ستكون تلقائية وتصبح اقرب للحقيقة ولها قيمة أكبر.

أما الأدلة الذي يحصل عليه بطريقة غير مشروعة، فتكون في العادة غير موثوق بصحتها، كما أن هناك بعض القيم والمبادئ التي تمليها الإنسانية والكفاءة وتمليها أحكام القانون الطبيعي ومن أهمها القواعد التي تفرضها على نفسها هي عدم قبول الدلائل في الدعوى إذا كان قد تم الحصول عليها بشكل غير مشروع، عليه فإن كل قرينة أو دليل يستدل عليه بوسائل غير قانونية يجب أن يستبعد ولا يجوز الركون إليه في الدعوى ([6]).

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، سنتناول في المطلب الأول: الوسائل المادية والمعنوية غير المشروعة، ثم ننتقل لنتناول في المطلب الثاني: تعذيب المتهم.

المطلب الأول
الوسائل المادية والمعنوية غير المشروعة

إن وقوع الجريمة ينشئ للدولة حق معاقبة المجرم للمحافظة على النظام العام والأمن في المجتمع، لكن هذا لا يعني استباحة حقوق الأفراد وحرياتهم وتقييدها، ما لم تكن هناك مسوغات تسوغ ذلك، لاسيما وأن هدف الإجراءات الجزائية هو الاهتداء إلى الحقيقة بإثبات الوقائع ونسبتها إلى شخص معين، فالأصل في الإنسان البراءة و الذي يعد من المبادئ الأساسية لضمان الحرية الشخصية للمتهم، ولاسيما أن قرينة البراءة في المتهم تلزم المشرع وهو يصوغ القواعد الإجرائية أن يحتاط بعدم السماح لأية جهة المساس بحرية الأفراد وحقوقهم إلا بالقدر اللازم للوصول إلى الحقيقية، لأنها تحمي الحرية الشخصية من أي تعسف أو تحكم من جانب السلطة المختصة([7]).

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين، سنتناول في الفرع الأول: الوسائل المادية غير المشروعة، ثم ننتقل لنتناول في الفرع الثاني: الأساليب والإكراه المعنوي.

الفرع الأول
الوسائل المادية غير المشروعة

أكدت المبادئ التشريعية الوطنية ومبادئ القانون الدولي على عدم جواز تعريض أي شخص للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وقد نص العهد الدولي على أنه لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المعاملة التي تحط من كرامته، وعلى وجه الخصوص لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر ([8]).

كما أن الأدلة المستحصلة من المتهم لكي تكون مقبولة في الإثبات يجب أن يصدر عن إرادة حرة بعيدا عن أي تأثير خارجي، وإن كان هناك تأثير على إرادة المتهم أثناء الاستجواب، وبالتالي فإن الاعتراف الصادر نتيجة لهذا التأثير يكون باطلا، ومن أهم صور هذا التأثير العنف، وإرهاق المتهم بالاستجواب المطول، والاستعانة بكلاب بوليسية، الاعتراف تحت تأثير التنويم المغناطيسي، والاعتراف الناتج عن تناول عقاقير مخدرة، الاعتراف نتيجة استخدام جهاز كشف الكذب، وسنتناول هذه الصور كما يلي:

أولاً- العنف:

العنف هو فعل مباشر يمس جسم الإنسان فيشل إرادته ويفقد السيطرة على أعصابه، ويتحقق ذلك بأية درجة من درجات العنف، وتتمثل بالاعتداء بقوة مادية فتنعدم حرية الاختيار لدى المتهم وتؤثر في إرادته بشكل سلبي، فيترك لها فرصة أن تعبر ولكنها تكون معيبة، فلا يكون هنالك أية عبرة باعتراف المتهم أو أقواله بغض النظر عن التعذيب والألم الذي لحق بالمتهم، وبعد التعذيب أشد أنواع الإكراه المادي وكثيرا ما يدفع إنسانا بريئا إلى الاعتراف بأقوال كاذبة تخلصا من العذاب ([9]).

كما يلجأ إلى التعذيب المحقق الذي يعجز عن إثبات الحقيقة من خلال إتباع أسلوب غير مشروع، والقصور في التحقيق والتهرب من بذل الجهد المعقول الذي تستلزمه المواصلة في البحث، والتقصي عن الموضوعية السليمة ويستوي أن يكون العنف مباشر أم غير مباشر كالحبس في زنزانة منفردة أو الحرمان من لقاء ذويه، أو الحبس الاحتياطي دون وجه قانوني، أي انتفاء الضرورة لسلامة ومتطلبات التحقيق ([10]).

ولم تتردد التشريعات قديما وحديثا في إدانة الإكراه المادي، حيث نصت على اعتباره طريقا غير مشروع ووسيلة غير مقبولة كأساس في الإثبات، وأحاطت المتهم بضمانات تكفل حمايته في أثناء الاستجواب، وهو ما أخذ به في فرنسا إذ يتوجب على قاضي التحقيق عند مثول المتهم أمامه أن يتثبت من شخصيته ويعرفه بالتهمة الموجهة إليه، ويسمع أقواله بعد أن ينبهه بأنه حر في الإجابة على الأسئلة أو عدم الإجابة عليها ويكتب هذا التنبيه في المحضر وإلا كان الاستجواب باطلاً ([11]).

إضافة إلى أن القانون الإنكليزي إلى أبعد من ذلك، فيوجب على المحقق أن يطلع المتهم على كل الشهادات التي وردت وينبهه إلى عدم إلزامه بالإجابة كدليل في أثناء المحاكمة، وهذا ما استقر عليه القضاء الأنجلو أمريكي في أن العنف يفسد الاعتراف، كما أن اللجوء إلى العنف والشدة والتوقيف بقصد الحصول على الاعتراف يعد من الأعمال المحظورة.

كذلك فالاعتراف الصادر نتيجة العنف أو الإكراه المادي مستبعد، وعد هذا التأثير غير مشروع في المادة (218) من قانون الأصول الجزائية العراقي، والعلة في ذلك هو أن الإكراه قد يدفع البريء إلى الاعتراف الجريمة لم يرتكبها تخلصا من الأمر، وبذلك يكون من مارس الإكراه المادي قد مارس خطأين الأول إدانة متهم بريء والثاني ترك الجاني الحقيقي يفلت من قبضة العدالة وإعطائه فرصة أخرى لارتكاب الجرائم، وجاء في قانون العقوبات العراقي النص على تجريم اللجوء إلى التعذيب أو استعمال القوة من قبل موظف أو مكلف بخدمة([12])، ويستدل من نصوصه أن المشرع العراقي أخذ بالإكراه المادي دون المعنوي.

بالرغم من أن التشريعات العربية عامة والعراقية واللبنانية بشكل عام قد رفضت اللجور إلى التعذيب والعنف للحصول على الاعتراف إلا أن أساليب وطرق العنف في التحقيق لا تزال موجودة في أغلب البلدان العربية، بالرغم من أن اتجاهات القضاء قد سارت إلى رفض التعذيب رفضاً مطلقاً، وقد تبين اتجاه القضاء في لبنان للأخذ بالإكراه المادي كوسيلة غير مشروعة في التحقيق وذلك في أحكامه التي بحث فيها تعرض المتهم للإكراه عند الإدلاء بأقواله([13]) واعتبر القضاء في لبنان أن الإقرار تحت الإكراه إنما يجب أن يقوم الدليل عليه([14])، وكذلك قررت محكمة التمييز الاتحادية في العراق بأن انتزاع الاعتراف بالإكراه من أسباب إعادة المحاكمة([15])، إن استخدام الإكراه المادي بعد كل ما تقدم لا فائدة منه بل يهدم القضية كاملا، ويؤدي بالتالي إلى إفلات الحاني من العقاب وتعذيب البرئ في اغلب الأحيان، إلا أنه لا يعد من صور الإكراه المادي إجبار المتهم وإرغامه على تمكين المختصين من أخذ بصمات أصابعه أو الكشف على جسمه أو أخذ عينة من دمه، وقد نص قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على ذلك([16])، وقد نص المشرع اللبناني على جواز الاستعانة بالخبراء لاستيضاح بعض المسائل التقنية، إلا انه أردفها بأن الإجراءات التحقيقية يجب أن تكون مشروعة ولا يشوبها الإكراه سواء المادي أو المعنوي([17]).

ثانياً-الإرهاق بالاستجواب الطويل:

إن الاستجواب في حد ذاته إجراء مشروع من إجراءات التحقيق، حيث يبدأ المحقق عند مثول المتهم أمامه لأول مرة التثبت من هويته ويتلو التهمة المنسوبة إليه، ويطلب جوابه عليها منبها إياه أن من حقه السكوت وعدم الإجابة إلا بحضور المحامي([18])، ([19])، وقد قرر المشرع اللبناني حرية إرادة المدعى عليه أثناء استجوابه وأن ما يدلي به بعيد عن التأثير الخارجي([20])، وحق المتهم بالاستعانة بالمحامي وبطلان إجراءات التحقيق التي تتم بغيابه([21]).

ولما كانت الغاية من الاستجواب هي الوصول إلى الحقيقة من خلال فحص الحقائق والظروف المحيطة بالجريمة، كالحصول على اعتراف المتهم مثلا أو التعرف على الشركاء أو أية تفاصيل تتعلق بتلك الجريمة أو بأية جريمة أخرى، لذا فإن القائم بالتحقيق يجب أن يتحلى بدرجة من الكفاءة والعقلية وأن يكون محل ثقة وحياد حتى لا يتعرض إلى المساس بحريات الأفراد وزجهم في السجون بمجرد الاشتباه([22]).

إن ما يترتب على الاستجواب صحيح إلا إذا لجأ المحقق إإلى إرهاق المتهم بالاستجواب المطول حتى تضعف معنوياته، ويقلل من حدة انتباهه في أثناء الإجابة فيحمله على الاستجواب، فيؤدي الاستجواب المطول إلى إرهاق المتهم وقول ما ليس في صالحه، ويتعين على المحاكم بحث ما إذا كان من شأنه أن يؤثر في إرادة المتهم، وذلك بدراسة الظروف المختلفة المحيطة به والضغط الذي يواجهه وقوة مقاومته مع | الأخذ بالاعتبار سنه وحالته الصحية والعقلية، إطالة الاستجواب بقصد إرهاق المتهم وإضعاف إرادته للحصول على اعترافه، يعيب الإرادة ويبطل أقوال واعتراف المتهم.

والضابط في عد الاستجواب مطولا ليس زمنياً لكنه مجرد شعور المتهم بالإرهاق، وهو معيار نسبي يختلف باختلاف حالة كل شخص ودرجة تحمله، فيخرج المحقق عن الحياد الواجب متى تعمد إطالة الاستجواب لإرهاق المتهم وإجباره على الاعتراف، الأمر الذي يمس أهليته الإجرائية في مباشرة التحقيق وتحديد اثر هذه الإطالة هو أمر موضوعي، يخضع لتقدير المحقق تحت إشراف محكمة الموضوع([23]).

كما ذهب المشرع العراقي في قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي على أنه لا يجوز استخدام أية وسيلة غير مشروعة للتاثير على المتهم للحصول على اقراره، ويعتبر من الوسائل غير المشروعة إساءة المعاملة والتهديد بالايذاء أو الاغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير([24]).

ثالثاً-استخدام الكلاب البوليسية:

إن كلاب الشرطة هو نوع خاص من الكلاب ينفرد بمزايا خاصة تتمثل بقوة حاسة الشم لديه، لذا فقد استغلت هذه الحقيقة للاستفادة منها في مهام متعددة، في التحقيق لتتبع الأثر، والتعرف على الجاني أو الجناة وللحراسة والتفتيش والمطاردة والاستعراف، واستعراف الكلب البوليسي من الوسائل العلمية الحديثة التي قد تعد كدليل من أدلة الإثبات، ويستعين المحققون بالكلاب البوليسية لملاحقة الفاعل، ومكان اختفاء الجناة الهاربين والمكان الذي تخفي فيه المسروقات والمواد المخدرة والأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وكل ذلك دون المساس بنفسية المتهمين وسلامة أجسامهم.

إن الأحكام الجنائية لا تبنى إلا على الجزم واليقين، لا على الظن والاحتمال واستعراف الكلب البوليسي على المتهم لا يكون إلا مجرد قرينة يصح الاستشهاد بها في تعزيز الأدلة القائمة في الدعوى، ولا تصح وحدها دليلاً أساسياً في ثبوت التهمة على المتهم، أما الاعتراف الناجم عن الخوف المتمثل في هجوم الكلاب البوليسية فهو اعتراف وليد إرادة غير حرة فلا يعول عليه([25]).

أما في العراق فإن استخدام الكلاب البوليسية قانوناً لم يتضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقية أي نص يجيز أو يمنع استخدام الكلاب البوليسية خلال مرحلة التحري وجمع الأدلة، لاسيما وان استخدام الكلاب البوليسية لا يعد دليلا مستقلا من أدلة الإثبات فهو لا يعد أكثر من قرينة بحاجة إلى ما يعززها من أدلة ([26]).

لهذه الأسباب حدت بالمحاكم إلى عدم الاعتماد على استعراف الكلاب البوليسية في الإثبات الجنائي وعدم الاستناد في أحكامها إلى الدليل الذي يقدمه الكلب البوليسي سواء عند تعقب الجناة أم في الاستعراف على المتهمين خلال مرحلة التحري وجمع الأدلة بحيث لم يعد استعراف الكلب البوليسي قرينة أو وسيلة من وسائل الاستدلال التي للقاضي أن يعزز بها ما لديه من أدلة أخرى.

رابعاً-استخدام العقاقير المخدرة:

إن الأقوال التي يدلي بها الشخص سواء أكان متهما أم شاهدا وهو تحت تأثير المواد المخدرة ليست مطابقة للحقيقة فهي تحتمل الصدق والكذب، حيث إن النتائج التي أسفرت عن التجارب لم تثبت نجاحها بشكل قاطع، والحصول على اعتراف المتهم باستخدام العقاقير المخدرة فيه اعتداء كبير على الحرية الشخصية ومساس بكرامة الإنسان وكل الحقوق الأساسية التي أكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ([27])، واستخدام هذه الوسيلة تسبب أضرار صحية للشخص الذي يجري اختباره بها فهي تشكل اعتداء على سلامة الجسد أو النفس.

كما أن الأشخاص الذين يخضعون للحقن بالمواد المخدرة لا يعبرون عن أفكارهم الحقيقية، حيث تأتي أقوالهم غير مطابقة للواقع وأنها تتمثل في الأقوال التي أوحيت إليهم وقد يعبر المتهم في بعض الأحيان عن رغبات إجرامية وميول أئمة التي لم يتمكن من تحقيقها فيتكلم وهو تحت تأثير المخدر على اعتبار أنها وقائع مادية قام بارتكابها في حين ليست سوى أوهام، فالأقوال التي يدلي بها الشخص المخدر على الأغلب غير مطابقة للحقيقة.

كذلك فإن استخدم العقاقير المخدرة تؤثر في الوعي والشعور وتستعمل للارتخاء وتطلق السيطرة على المشاعر ولا التحكم بالإرادة، لذلك فإن استعمالها يعد اعتداء على الحرية الشخصية للفرد، وما تقوم به هذه العقاقير من تعطيل ملكة الانتباه وتقليل السيطرة على الإرادة وما يشكله من اعتداء على سلامة الجسم والحرية الشخصية وإخلال بحقوق الدفاع وفيه مساس بكرامة الإنسان ([28]).

أما في العراق فقد حرم دستور العراق الدائم لعام 2005 استخدام المؤثرات العقلية، فالاعتداء على كرامة الإنسان أو تعذيبه الجسدي أو النفسي مخالف لأحكام الدستور ([29])، وعليه لا يجوز إجبار المتهم على حقته بمصل الحقيقة بغية حمله على الاعتراف، وانسجاماً مع النص الدستوري فقد منع قانون أصول المحاكمات الجزائية المحقق أو قاضي التحقيق أو المحكمة من أن يمارسوا الضغط على إرادة المتهم([30])، وقد نص المشرع اللبناني على ضرورة تثبيت تفاصيل الإجراءات المتعبة في التحقيق بمحاضر التحقيق للتعرف على تأثيرها على إرادة المشتبه فيه([31]).

خامساً- استخدام جهاز كشف الكذب:

يعد جهاز كشف الكذب من الوسائل العلمية الحديثة التي استخدمت في المجال الجنائي التي لا تعدم الإرادة كليا، وهناك عوامل كثيرة لها أثر كبير في فشل الاختبار أو رصد النتائج غير الصحيحة ومن العوامل التي تؤثر في الشخص المراد اختباره تعب الأعصاب والحالة الشخصية التي تواكب الأشخاص المتهمين، والألم الناتج عن استخدام إجراءات العنف الأخرى في التحقيق، والأمراض الجسمانية، إضافة للأعمال العمدية في إعاقة عمل الجهاز.

يعد استخدام جهاز كشف الكذب من قبيل الإكراه المادي، لما فيه من اعتداء على حق المتهم في الصمت واعتداء على حقه في الدفاع. وبالتالي فإن كل الاعترافات الصادرة نتيجة هذا الجهاز تكون باطلة، حتى لو رضي المتهم استعمال هذا الجهاز على أساس أن هذا الرضا لا يكون في الواقع صادرا عن إرادة حرة، فالمتهم أو المشتبه به يخشى أن يرفض الخضوع للتجربة من أن يفسر الرفض قرينة لإدانته ([32]).

في العراق بالرغم من عدم وجود نص صريح يبيح استخدام الجهاز في مرحلة التحقيق، لكن استعمال الجهاز رغما عن المتهم فإنه يتعارض مع الضمانات التي كفلها الدستور العراقي، كما أنها تتعارض مع حق الصمت الذي كفله القانون.

الفرع الثاني
الأساليب والإكراه المعنوي

إن الإكراه المعنوي لا يقل أهمية في تأثيره على إرادة المتهم عن الإكراه المادي، حيث أن وسائل وأساليب الإكراه المعنوي تحمل خطورة كبيرة على إرادته، ويتخذ التأثير المعنوي على المتهم لحمله على الاعتراف عدة صور أهمها الوعد أو الإغراء، والتهديد تحليف المتهم اليمين الحيلة والخداع، وسنتناولها كما يلي:

أولاً- الوعد والإغراء

يعني الوعد بعث الأمل في نفس المتهم بأمر يتحسن به مركزه ويكون له تأثير في حرية اختيار المتهم بين الإنكار والاعتراف فيضعف الاعتراف بعده دليل إثبات، فقد يأمل المتهم بالوعد بمنفعة يجرها إليه اعترافه بالتهمة المنسوبة إليه، ويعتقد أن الاعتراف بالجريمة يجعله بمنأى عن العقاب، أو قد ينتج عنه حكما مخففا أو قد يعترف اعترافا غير حقيقيا أملا في المنفعة التي وعد بها مثل إطلاق سراحه أو عده شاهدا أو بعدم المساس بزوجته أو أولاده أو شخص عزيز عليه ([33]).

فالاعتراف بتأثير الوعد والإغراء يكون باطلاً في حال كان من الصعب على الشخص العادي مقاومته مما يؤدي إلى اعترافه، وأن يصدر الوعد من شخص له سلطة في الدعوى بحيث يستطيع أن ينجز ما وعد به أو يساعد على تحقيقه بأية كيفية كانت كالمحقق ونائب المدعي العام وضابط الشرطة، وعلى المحكمة أن تبين مدى تأثير ذلك الوعد على إرادة المتهم أو الرابطة بين ذلك الوعد والاعتراف، وان يبحث في كل الظروف التي أحاطت بالاعتراف وصفة الشخص الذي أصدره لكي يقرر فيما إذا كان الاعتراف باطلاً أم صحيحاً.

إذا كانت القاعدة العامة تقضي بان الوعد والإغراء يبطل الاعتراف، إلا أنه يرد استثناء على هذه القاعدة بحيث لا يبطل الوعد الاعتراف في حالة صدور الاعتراف من المتهم نتيجة أمل راوده في احتمال العفو والإفراج عنه، أو عدم محاكمته دون أن يكون الأمل صادرا من المحقق فيعد الاعتراف صحيحا ومقبولا في الإثبات متى ثبت إنه كان صادقا ومطابقا للحقيقة، وإذا وعد المحقق المتهم بامتيازات طيلة فترة وجوده بالتوقيف فإن ذلك يعد وعد فيما لو اعلمه بان عقوبة جريمته تتحقق فيها إذا لو اعترف فإنه يعد إغراء ([34]).

ثانياً-العفو القضائي:

هو وسيلة قانونية لكشف الجريمة والحصول على أقوال المتهم وهذا الإجراء يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجزائية عند اكتسابه درجة البتات، وقد ورد ذكره في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي ([35])، وتختلف الحالة القانونية العرض العفو القضائي عن حالة الوعد غير المشروع، وذلك لأن الأول هو تخویل قانوني للسلطة القضائية، فأجاز قانون أصول المحاكمات لقاضي التحقيق أن يقرر عرض العفو القضائي على المتهم بغية الاستفادة من معلوماته في جرائم الجنايات الخطيرة والغامضة، بعد استحصال موافقة محكمة الجنايات.

 إن قبول المتهم لعرض العفو يحوله من متهم إلى شاهد ويلزم تحليفه اليمين قبل أدائه الشهادة، كما ويتم تفريق دعوى المتهم الشاهد عن بقية زملائه، ويعرض العفو في قضايا الجنايات الخطيرة فقط بعدها جرائم خطيرة ويشترط فيها موافقة محكمة الجنايات، ويكون ذلك في أي مرحلة من مراحل التحقيق وقبل الإحالة إلى المحكمة، وبعد أن تؤخذ موافقة المتهم بقصد الحصول على شهادته الكاملة للجريمة مع إرشاد جهة التحقيق إلى بقية المتهمين.

ثالثاً- التهديد والوعيد:

يعني الضغط الذي يمارسه شخص على إرادة شخص آخر، لتوجيهها إلى سلوك معين، ويستوي في ذلك أن يكون التهديد بإيذاء المهدد في شخصه أو ماله أو شخص عزيز عليه، فإذا اعترف المتهم نتيجة للتهديد الذي وقع على إرادته، عد اعترافه باطلا ويجب استبعاده كدليل في الإثبات فالتهديد المبطل للاعتراف يستوي أن يكون مصحوبا بفعل مادي أم لا، والتهديد قد يكون مباشر أو غير مباشر ويكون مباشراً ([36]).

كما يشترط في التهديد المبطل للاعتراف شرطان، الشرط الأول صدور التهديد بناء على سبب غير مشروع، فبعض إجراءات التحقيق وجمع الأدلة تتسم بطبيعتها بالقهر والعنف، لذلك يجب التمييز بين الوسائل المشروعة وغير المشروعة التي اتبعت مع المتهم الحمله على الاعتراف، فلا يكفي مجرد إخضاع المتهم للتهديد ما لم يكن هذا التهديد وليد إجراء غير مشروع.

أما الشرط الثاني فيجب أن يؤدي التهديد مباشرة إلى الاعتراف، فلا يكفي مجرد حصول تهديد غير مشروع على المتهم لبطلان اعترافه، بل يجب أن يؤدي هذا التهديد مباشرة إلى حمل المتهم على الاعتراف وإذا لم يصدر من المتهم أي اعتراف نتيجة لهذا التهديد ثم صدر منه اعتراف في مناسبة أخرى، فلا يجوز الادعاء أن ذلك الاعتراف جاء نتيجة التهديد.

رابعاً- تحليف المتهم اليمين:

يعد تحليف اليمين صورة من صور التأثير الأدبي على إرادة المتهم، فالمتهم يوضع في موقف حرج يحتم عليه أما أن يكذب ويقول الحقيقة أو يعترف ويضحي بنفسه، أو يضطر لارتكاب شهادة الزور لإنقاذ نفسه، ولهذا فمن غير الإنصاف أن نضع المتهم بين مصلحته في حلف اليمين كذبا فيخالف ضميره للاعتبارات الدينية والأخلاقية، وبين أن يقر بالحقيقة ويتهم نفسه ويتعرض للعقوبة([37]).

وقد ألزمت مختلف القوانين الإجرائية المختلفة الشاهد بأن يحلف اليمين([38])، وذلك لحمله على قول الصدق في أقواله، إلا أن هذا الإلزام لا ينطبق على المتهم لمخالفته للمبادئ الدستورية ووثيقة حقوق الإنسان، واستقر الفقه على أن مخالفة تلك القاعدة يعيب الاستجواب على أساس أنها تؤثر في حرية دفاع المتهم على نفسه فتعد أقواله باطلة([39]).

خامساً-الحيلة والخداع:

الحيلة هي تلك الأعمال الخارجية التي يؤديها الشخص ليؤيد بها أقواله الكاذبة ويستمر بها غشه، لأن الكذب المجرد لا يكفي لتكوين الحيلة بل يلزم تأييده بمظاهر خارجية تعززه، والقانون لا يجيز الاستعانة بوسائل الحيلة والخداع للحصول على اعترافات المتهم، ولو كان الوصول إلى الحقيقة متعذرا بدون استعمالها وأكد باستبعاد الاعتراف الناتج عن الحيلة والخداع، لانطواء الحيلة على نوع من التدليس الذي يوقع في الخطأ فيعيب الإرادة الحرة.

حيثلا أنه إذا كانت إرادة المتهم معيبة وقت الإدلاء بالاعتراف فإنه لا يكون صحيحا، ومن أهم صور الحيلة والخداع والتي يتم اللجوء إليها للحصول على اعتراف المتهمين هو الاستماع خلسة إلى المحادثات الهاتفية والتسجيل الصوتي لأقوال المتهمين:

  • التنصت على المكالمات الهاتفية:

من الوسائل العلمية الحديثة التي تستخدم في مجال الكشف عن الجريمة ومعرفة فاعلها التنصت على المكالمات الهاتفية خلسة وتسجيل ما يدور فيها، وهذه الوسيلة تختلف من حيث نوعها وأحجامها وتركيبها بحيث يمكن استخدامها بطريقة فنية بدون أن تثير أي شك أو شبهة عند التصنت على المكالمات الهاتفية، والتنصت كشفا صريحا لستار الحرية وحجاب الكتمان الذي يستتر المتحدثان خلاله.

أما علاقة التنصت بالاستجواب، فإن للتصنت الآلي علاقة غير مباشرة إذ يقتصر مهامه على جمع المعلومات والوقائع بصورة سرية عن طريق الإصغاء بالهواتف وتسجيله، ومجابهة المتهم بها عند مناقشته عنها في مرحلة الاستجواب، وقد كفلت معظم الدساتير سرية المحادثات الهاتفية بعدها تتضمن في كثير من الحالات معظم أسرار الناس الدقيقة وتفاصيل حياتهم الشخصية([40])، فالأصل العام يذهب إلى عد الاستماع خلسة إلى المحادثات التلفونية أمر غير مشروع وطريقة تعد من طرق الاحتيال المحرمة.

أما المشرع العراقي فلم يعالج في قانون أصول المحاكمات الجزائية مشروعية التنصت على المحادثات الهاتفية، ويرى جانب من الفقه أن نص المادة (74) من قانون أصول المحاكمات الجزائية يمكن القاضي من إصدار الأمر إلى الأشخاص لتقديم أي مستند أو معين مبين في الأمر إذا صدر وفقا للقانون، ولما كان الاستماع إلى المكالمات التلفونية أمرا غير مسموح به المخالفة ذلك لنص الدستور التي أوجبت عدم كشفها إلا للضرورات الأمنية والقانونية وبأمر قضائي([41]).

إلا أن النص الدستوري السابق أجاز الضرورات الأمن والقانون كشفها على أن يكون ذلك بأمر صادر من قاضي تحقيق مختص، وأن تكون هناك دعوى قائمة ووفقا للحدود التي رسمها القانون كقانون أصول المحاكمات الجزائية أو القوانين المرعية.

  • التسجيل الصوتي:

التسجيل الصوتي عبارة عن عملية ترجمة للتغيرات المؤمنة لموجات الصوت الخاصة بالكلام أو الموسيقى إلى نوع آخر من الموجات أو التغيرات الدائمة([42])، ولقد انتشرت عملية أجهزة التسجيل بأنواعها بين رجال الشرطة والأمن في العديد من دول العالم لتسجيل أصوات المتهمين والشهود والاحتفاظ بها كدليل جنائي، والتسجيل الصوتي لا يتم إلا برضا وموافقة جميع الأطراف، أما تسجيله بغير موافقة بقية الأطراف ومن ثَمَّ طرحه أمام القضاء فإنه يعد دليلا غير مشروع([43]).

فالتسجيل الذي يتم بصورة خفية دون علم أو رضاء الشخص الذي يجري تسجيل أقواله سواء أكان منهما أم شاهدا والذي يجريه أعضاء الضبط القضائي أو أحد السلطات التحقيقية، يمثل اعتداء على حقوق الإنسان ويأتي فاقدا لأحد شروط صحته وهو الإرادة الحرة في حالة اعتراف المتهم، وتنتقد هذه الوسيلة لأنه بالإمكان حذف مقطع أو كلمة أو حدث من الشريط المسجل وإعادة تركيب الجملة بشكل مميز فيتغير المعنى الأصلي.

في العراق لم يتطرق  قانون أصول المحاكمات الجزائية الحالة التسجيلات الصوتية، إلا أن الدستور العراقي لسنة 2005 كفل سرية المراسلات البريدية والبرقية والهاتفية، إلا للضرورات الأمنية والقانونية، كما أن المادة (74) من الأصول الجزائية مكن القاضي من إصدار الأمر إلى الأشخاص أطراف الدعوى بتقديم أي مستند مبين في الأمر وفقا لأحكام القانون.

نخلص مما تقدم أن الوسائل المادية غير المشروعة والتي يمكن أن تستخدم خلال التحقيق تتعدد في صورها، وتجتمع في تأثيرها على إرادة المتهم وحريته ف الإدلاء بأقواله بشكل مستقل وبعيد عن المؤثرات والضغوط والإكراه، فالأدلة المستحصلة من المتهم لكي تكون مقبولة في الإثبات يجب أن يصدر عن إرادة حرة بعيدا عن أي تأثير خارجي، كما أن الإكراه المعنوي لا يقل أهمية في تأثيره على إرادة المتهم عن الإكراه المادي، حيث أن وسائل وأساليب الإكراه المعنوي تحمل خطورة كبيرة على إرادته، وبالربط بين تأثير هذه الوسائل على إرادة المتهم والضمانات المقررة له، وشرعية إجراءات التحقيق، وأسس وركائز الاعتراف نخلص ان الاعتراف تحت تأثير تلك الوسائل يتسم بالبطلان.

المطلب الثاني
تعذيب المتهم

يعد التعذيب من الممارسات الموغلة في القدم إذ عرفته المجتمعات القديمة التي سادت فيها مفاهيم القوة والانتقام فقد مارسته كأسلوب من أساليب تنفيذ العقوبة، وكإجراء من إجراءات التحقيق للحصول على الإقرار أو الإدلاء بشهادة، كما إن هناك حقبة تاريخية أخرى عرف عنها إنها من أشهر الحقب في ابتداع وسائل التعذيب وابتكارها تلك هي حقبة القرون الوسطى ([44]).

وقد أصبح التعذيب سمة من سمات العصر الحاضر وخصوصاً في التحقيق في الجرائم السياسية منها والعادية، مما حدى بأغلب التشريعات والقوانين الجنائية الى اعتباره جريمة لما يشكله من إهدار لآدمية الإنسان ومساس بحقه في سلامة جسمه وتجاوز على إرادته وحقه في محاكمة عادلة، فكما يحمى القانون الجنائي أفراد السلطة العامة من الاعتداءات الواقعة عليهم ليفسح المجال لهم ليمارسوا مهامهم المخولة لهم، فأنه وبالمقابل يعمد الى حماية الفرد من اعتداءات هؤلاء الأشخاص متى ما تجاوزا حدود مهامهم ووظائفهم المرسومة لهم.

بناءُ على ما سبق سوف نقوم بتقسيم المطلب إلى فرعين، نتكلم في الفرع الأول عن جريمة تعذيب المتهم، لننتقل للحديث في الفرع الثاني عن مسؤولية المحقق عن التعذيب.

الفرع الأول
جريمة تعذيب المتهم

يعتبر اللجوء إلى وسائل الإكراه وأساليب مختلفة في تعذيب المتهم للاعتراف بما نسب أليه أعمالاً تتنافى مع الضمير والأخلاق، وتحط من الكرامة الإنسانية، ويلغي كافة الحقوق والحريات، لأن البعض قد لا يحتمل الألم ويدلي بأقوال غير صحيحة بقصد التخلص من التعذيب، وهذه الإجراءات لا تعتبر قانونية وغير مشروعة فحسب، بل تعتبر أعمالاً إجرامية يجب معاقبة فاعليها، ولا يعتد بأي عذر له في ذلك حتى ولو كان تنفيذاً لأمر رئيس تجب طاعته ([45]).

فتعذيب الإنسان جريمة تأباها الإنسانية والمجتمعات المتحضرة وتجرمها الكثير من المواثيق الدولية والقوانين الداخلية لمختلف الدول، فالتشريعات الوطنية تشدد العقاب على الموظفين (المحققين) أو المستخدمين الذين يأمرون بتعذيب المتهم كي لا يفعلون ذلك بأنفسهم، فالسلوك الإجرامي في جريمة التعذيب يتم بإحدى صورتين الأمر بالتعذيب وممارسة الموظف العام التعذيب بنفسه ([46]).

ويشكل الوصول إلى الحقيقة لتحقيق العدالة وضمان الاستقرار الاجتماعي الغرض الأساسي من الإجراءات الجنائية، إلا أنه لا يمكن التذرع في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة في مظهرها بانتهاك كرامة الإنسان وحرياته الأساسية فلا قيمة لحقيقة يتم الوصول إليها بهذه الطريقة.

ومن هذا المنطلق تعرف جريمة التعذيب على إنها كل فعل أو امتناع من شانه الحاق الأذى بالمجني عليه سواء كان هذا الإيذاء مادياً أم معنوياً، جسيماً أم غير جسيم، ويعرف البعض التعذيب بأنه الاعتداءات الجسيمة، وتشمل بالحرمان من الطعام أو الملابس أو النوم، كما يرى البعض أن التعذيب يجب أن يشمل كل إيذاء جسيم أو تصرف عنيف أو وحشي وقع على المتهم أساساً بهدف تسبيب العناء له لحمله على الاعتراف.

فكما يحمي القانون الجنائي أفراد السلطة العامة من الاعتداءات الواقعة عليهم والسمات المعطاة لهم بموجب القانون ليفسح لهم أن يمارسوا مهامهم المخولة لهم، فأنه وبالمقابل يعمد إلى حماية الفرد من اعتداءات هؤلاء الأشخاص متى تجاوزا حدود مهامهم ووظائفهم المرسومة لهم بموجب القانون واللوائح الخاصة بطبيعة كل وظيفة، وللوقوف على مفهوم جريمة التعذيب لا بد لنا من توضيح النقاط التالية:

أولاً: الركن المادي في جريمة التعذيب

 يقصد بالركن المادي السلوك المادي الخارجي الذي ينص على تجريمه القانون، فهو يشمل كل ما يدخل في كيان الجريمة وتكون له طبيعة مادية تلمسه الحواس، فلا وجود للجريمة دون هذا الركن فالقانون لا يعرف جرائم بدون ركن مادي، فبغير ماديات ملموسة لا ينال المجتمع اضطراب ولا يصيب الحقوق الجديرة بالحماية اعتداء.

وهذا الركن يتكون من عناصر تتمثل أولاً بالسلوك الجرمي، وثانياً بالنتيجة الجرمية، وأخيراً بالعلاقة السببية بينهما، ويقصد بالسلوك الجرمي النشاط المادي الخارجي المكون للجريمة فلا جريمة من دون هذا النشاط لأن القانون لا يعاقب على مجرد النوايا والرغبات، وهذا النشاط أما أن يكون نشاطاً إيجابيا يتمثل بحركة عضوية من جسم الإنسان يمكن إدراكها بالحواس، كما لو قام المحقق بضرب أو جرح المجني عليه (المتهم)، كما يمكن أن يكون النشاط سلبياً أيضاً والمتمثل بإحجام الشخص عن إتيان فعل إيجابي معين كان القانون قد أمره به، كما لو امتنع الموظف عن إعطاء المجني عليه الطعام أو الشراب أو الدواء بقصد إيذائه ([47]).

فالسلوك الجرمي لجريمة التعذيب الواردة في (المادة 333) من قانون العقوبات العراقي يتحقق على صورتين فتتمثل الأولى منها بممارسة فعل التعذيب وهو ما أشار إليه المشرع بقوله: ” كل موظف أو مكلف بخدمة عامة عذب أو امر بتعذيب متهم أو شاهد أو خبير لحمله على الاعتراف بجريمة أو للأدلاء بأقوال أو معلومات بشأنها أو الكتمان امر من الأمور أو لإعطاء رأي معين بشأنها، ويكون بحكم التعذيب استعمال القوة أو التهديد…”. أما الثانية فتقع على صورة الأمر بالتعذيب وهو ما أشارت إليه هذه المادة بقولها: “.. أو أمر بتعذيب متهم أو شاهد أو خبير..” فقد ساوى المشرع في هذا النص بين فعل التعذيب وبين مجرد الإفصاح عن إرادة الفعل” ([48]).

كما نص تعديل قانون العقوبات اللبناني في المادة رقم (401) على الشكل التالي: “يقصد بالتعذيب في هذا القانون أي عمل يقوم به أو يحرض عليه أو يوافق عليه صراحة أو ضمناً موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية أثناء الاستقصاء والتحقيق الأولي والتحقيق القضائي والمحاكمات وتنفيذ العقوبات، ينتج عنه ألم شديد أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق قصداً بشخص ما، لا سيما: للحصول منه أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، ومعاقبة أي شخص على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه، هو أو شخص ثالث، لتخويف أي شخص أو إرغامه، هو أو أي شخص ثالث، على القيام أو الامتناع عن القيام بعمل ما، لتعريض أي شخص لمثل هذا الألم الشديد أو العذاب الشديد لأي سبب يقوم على التمييز أياً كان نوعه” ([49]).

ثانياً: النتيجة الجرمية في جريمة التعذيب

 يقصد بالنتيجة الأثر أو التغير في العالم الخارجي الذي يتمخض عن السلوك أو هي الاعتداء على مصلحة أو حق يحميه القانون سواء أدى هذا الاعتداء إلى الإضرار بها أو مجرد تهديدها بالخطر، والنتيجة الجرمية في هذه الجريمة تتمثل في الصورة الأولى بإيذاء المجني عليه مادياً ومعنوياً مهما تضاءل قدر هذا الإيذاء، أو قيمته، ومهما كانت صورته من ضرب أو جرح أو ترويع أو تحقير… الخ، وما يمكن أن ينتج عنها من سحابات أو كدمات أو خوف ورعب…الخ، من الأثار المترتبة على ارتكاب مثل هذه الأفعال أو مجرد التهديد بها ([50]).

فالنتيجة هنا تتمثل بالضرر البدني الذي يصيب حق الإنسان في سلامة جسمه أو ضرر معنوي ينال من شرفه واعتباره وسكينته النفسية، أما النتيجة الجرمية في الصورة الثانية (الأمر بالتعذيب) فتتمثل بالخطر الذي يهدد حق الإنسان في سلامته البدنية والنفسية وفي حقه في عدم المساس بشرفه واعتباره، ولما يشكله إصدار مثل هذا الأمر من استغلال الجاني لسلطته الوظيفية.

إلا أنه وفي بعض الحالات قد لا يترتب على فعل التعذيب النيل من حق الإنسان في سلامة جسمه فقط وإنما يصل إلى درجة النيل من حقه في الحياة أيضا فتكون نتيجة فعل التعذيب هنا هي إزهاق روح المجني عليه والتي تبدو لنا نتيجة طبيعية ومنطقية لما تتسم به أفعال التعذيب من شدة وقسوة بالغتين.

فقد درجت القوانين على ذكر هذه الحالة معتبرة تحقق هذه النتيجة الجسيمة ظرفاً يرتفع بعقوبة فاعلها إلى عقوبة القتل العمد، ومن هذه التشريعات قانون العقوبات البغدادي الملغى في (المادة 113) التي ذكرت: “.. وإذا مات المجني عليه بسبب التعذيب يحكم بالعقوبة المقررة للقتل قصداً”، أما قانون العقوبات العراقي الحالي سكت عن حكم هذه الحالة وهذا أيضاً كان اتجاه القانون اللبناني.

ثالثاً: العلاقة السببية في جريمة التعذيب

تشكل العلاقة السببية الصلة التي تربط بين الفعل والنتيجة فهي العنصر الثالث من عناصر الركن المادي وتتمثل في هذه الجريمة بالرابطة التي تربط فعل التعذيب بالنتيجة المتحققة وهي إيذاء المجني عليه مادياً أو نفسياً بحيث أنه لولا فعل الجاني لما ترتبت تلك النتيجة الجرمية، فالجاني يسأل عن النتيجة الجرمية المترتبة على فعله عوامل وأسباب أخرى سواء أكانت سابقة، أو معاصرة، أو لاحقة ولو كان الجاني يجهلها على ألا يكون ذلك العامل كافياً لوحده لإحداث النتيجة ([51]).

وبالتالي فلا يسأل الفاعل في هذه الحالة إلا عن الفعل الذي ارتكبه وهذا ما نصت عليه (م29) من قانون العقوبات العراقي والتي أخذ بها المشرع بنظرية تعادل الأسباب والتي ذكرت: “لا يسأل شخص عن جريمة لم تكن نتيجة لسلوكه الإجرامي لكنه يسأل عن الجريمة ولو كان قد ساهم مع سلوكه الإجرامي في إحداثها سبب آخر سابق أو معاصر أو لاحق ولو كان يجهله ” ([52])، فالمشرع العراقي ينظر إلى الفعل الإجرامي على أنه سبب النتيجة التي وقعت لمجرد كونه قد ساهم بنصيب في إحداثها.

وتقدير وجود العلاقة السلبية من عدمها من الأمور الموضوعية التي تفصل فيها محكمة الموضوع دون تعقيب من محكمة التمييز إلا أن حرية المحكمة هذه ليست مطلقة فلمحكمة التمييز الحق في مراقبة صلاحية العمل الذي كان سبباً للنتيجة من حيث صلاحيته من عدمها في إحداثها، هذا قضت محكمة التمييز الاتحادية بأن الاعتراف الذي يتم انتزاعه من المتهم تحت التعذيب ينجم عنه إلغاء ذاك الاعتراف ([53]).

وهي رقابة تستند (للمادة 249/أ) من الأصول الجزائية التي أعطت مجالاً واسعاً لتدخل محكمة بقاعدة قانونية تحكم أحد عناصر المسؤولية الجزائية ([54])، فمتى ما لاحظت محكمة التمييز على حكم القاضي انحرافه عن اختيار المعيار القانوني الصحيح لرابطة السببية ردت عليه ونقضت حكمه، فهي مسألة قانونية وليست موضوعية يترك أمر تقديرها لمحكمة الموضوع.

أما فيما يتعلق بموقف القضاء العراقي من العلاقة السببية في حالة حدوث الوفاة بسبب التعذيب، فإن الملاحظ على قضاء محكمة التمييز والمحاكم العراقية أنها تتمسك بالعنصر المادي لمعيار علاقة السببية طبقا لنظرية تعادل الأسباب.

هذا العنصر الذي قوامه العلاقة المادية بين الفعل والنتيجة، فيذهب القضاء للاعتراف بوجود هذه العلاقة ما دام الفعل هو أحد عوامل النتيجة، وأن النتيجة (الوفاة) ما كانت لتقع لو أن الجاني لم يرتكب فعله، كما ذهبت أيضاً إلى الاكتفاء بأن فعل الجاني قد يكون له أثر في تعجيل الوفاة مع أن السبب الحقيقي للوفاة كان إصابة المجني عليه بذات الرئة أو التهاب القصبات، أو توقف القلب المفاجئ بسبب التهاب عضلة القلب ([55]).

رابعاً: الركن المعنوي في جريمة التعذيب.

إن توافر الركن المادي لجريمة التعذيب بعناصره السابقة لا يعد كافية لتحقق مسؤولية الشخص ولتوقيع العقوبة عليه، فضلاً عن العلاقة المادية بين الجاني والجريمة والتي تحققت بوقوع الركن المادي لابد من أن تتوافر علاقة أخرى ذات خصائص نفسية أو معنوية تربط بين الجاني وبين ماديات الجريمة، وهو يطلق عليه بالركن المعنوي للجريمة ([56]).

حيث تعد جريمة التعذيب من الجرائم العمدية التي يتطلب لقيامها توافر القصد الجنائي بعنصري (الإرادة والعلم)، هذا بالإضافة إلى عنصر مضاف بنص القانون ألا وهو الغرض من التعذيب والمتمثل بحمل المجني عليه على الاعتراف أو الإدلاء بمعلومات أو كتمان بعض الأمور.

ويذهب البعض إلى تعريف القصد الجنائي بأنه انصراف إرادة الجاني إلى السلوك الإجرامي والى ما يترتب عليه من نتيجة، إلا أن الرأي السائد في الفقه الجنائي يضيف للإرادة عنصرا أخر وهو العلم معرفة القصد الجنائي بأنه علم بعناصر الجريمة وإرادة متجهة إلى تحقيق هذه العناصر.

ويتوافر القصد الجنائي في جريمة التعذيب عندما تنصرف إرادة الجاني إتيان فعل التعذيب وهو عالم بأن فعله هذا من شانه المساس بسلامة المجني عليه البدنية أو النفسية، ومهما كان قدر هذا المساس، سواء أكان جسيماً أم بسيطاً والإرادة هنا يجب أن تنصرف إلى الفعل والى النتيجة الإجرامية وهي إيذاء المجني عليه بأي قدر إيذاء بدنياً أو معنوياَ، ولا بد من توافر قصد خاص لجريمة التعذيب وهي صفة الموظف (المحقق) أو المكلف بخدمة عامة وصفة المجني عليه (المتهم).

ويعود الأصل إن الجريمة يرتكبها كل شخص يقوم بالفعل الذي ينهي عنه القانون، ولكن هناك بعض الجرائم تخرج على هذا الأصل فلا يتصور أن يرتكبها إلا من يحمل صفة معينة، وجريمة التعذيب من هذه الجرائم التي اشترط فيها المشرع أن يكون صفة مرتكبها أما موظفاً أو مكلفاً بخدمة عامة.

فقد عرف الفقه القانوني الموظف على أنه: ” كل شخص عهدت إليه وظيفة داخله في الملاك الدائم للمرفق العام، أو هو كل شخص يعهد إليه بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام” ([57]).

وفي مفهوم صفة المجني عليه(المتهم) لقد أشترط المشرع العراقي في (المادة 333) أن يكون المجني عليه أما متهماً أو شاهداً أو خبيراً في جريمة التعذيب ويكون قد حدد صفة المجني عليه مما يعني إنه إذا لم تتحقق الصفات السابق ذكرها فلا يمكن القول بوجود جريمة التعذيب ويمكن أن يكون للفعل توصيف جرمي أخر.

كما نجد أن للمحكمة السلطة التقديرية في أثبات هذه الجريمة ما دامت المحكمة في استخدامها لصلاحياتها هذه قد أخذت بالأدلة التي اطمأنت إلى اتفاقها مع الحقيقة وتعبيرها عنها، فمثلاً الحكم بالإدانة للمتهمين مع عدم ورود شهادة الشهود على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفصيلاتها ([58])، بل تكتفي أن يكون شأن هذه الشهادة أن تؤدي إلى تلك الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه هيئة المحكمة بما يتلاءم مع الإجراءات المتخذة في سماع أقوال الشهود.

الفرع الثاني
مسؤولية المحقق عن التعذيب

إن جريمة التعذيب كونها من الأفعال التي نصت على تجريمها أغلب القوانين بدءاً من الدستور والقانون الجنائي والقانون الدولي والقانون المدني والقانون الإداري، لما تمثله من مخالفة لقواعد الوظيفة العامة، فهي تصلح لأن تثير جميع الصور الممكنة للمسؤولية، ومن اهم صور هذه المسؤولية لدينا المسؤولية الجزائية والمسؤولية المدنية، وهذا ما سنوضحه على الشكل التالي:

أولاً: المسؤولية الجزائية عن جريمة التعذيب

تعرف المسؤولية الجنائية بأنها سؤال مرتكب الجريمة عما أرتكبه من سلوك مناقض لنظم المجتمع ومصالحه ثم التعبير عن اللوم الاجتماعي إزاء هذا السلوك بإعطائه مظهراً محسوساً في شكل العقوبة أو الجزاء بشكل عام، ومن المسلم به في التشريعات الجنائية الحديثة والمعاصرة إن الإنسان مرتكب الجريمة وحده هو الذي يتحمل نتائج فعله، فشخصية المسؤولية الجزائية مبدأ سائد ومقتضاه أن هذه المسؤولية لا يتحملها إلا من اكتملت في سلوكه وأرادته أركان الجريمة سواء أكان فاعلاً أو شريكاً فإن مسؤوليته تقوم على أساسه فعله هو فقط، وهذا المبدأ يؤدي إلى نتيجتين مهمتين هما: أن المسؤولية لا تتقرر على الشخص إلا عن أفعاله هو فقط، والثانية هي عدم مسؤولية الشخص عن أعمال غيره، فالمحقق إذا قام بارتكاب أي فعل مجرم وفق القانون اللبناني أو العراقي فأنه يسأل جنائياً عن هذا الجرم وفق قواعد وأركان كل جريمة.

وبما أن الدولة تباشر مجموعة من الاختصاصات حددها الدستور والقانون وبعض هذه الاختصاصات قد يشكل مساساً بحقوق الأفراد ومصالحهم التي يحميها القانون، مما يدفع الموظفين إلى تعسف في استعمال الميزات الممنوحة لهم وللإدارة العامة التابعين لها، إلا أن هذا المساس له ما يبرره وهو تحقيق مصلحة المجتمع والمصلحة العامة عن المصلحة الخاصة ولذلك أقره القانون ونظمه، فظهرت فكرة أداء الواجب كسبب من أسباب الإباحة التي نصت عليها أغلب قوانين العقوبات الحديثة منظمة حدوده وشروطه ومنها قانون العقوبات العراقي ([59]).

فهل بإمكان المحقق الذي يقوم بارتكاب أفعال تشكل جريمة وفق نصوص القانون أن يدفع عن مسؤوليته عن الجرائم استناداً لفكرة أداء الواجب؟ وللإجابة على هذا التساؤل يمكن القول انه عندما يكون فعل المحقق قانونياً، فلا يمكن التمسك بمسائلته عن الأفعال التي تشكل بحد ذاتها جرائم كمنفذ حكم الإعدام مثلاً، ومما لا شك فيه أن الأمر بالتعذيب يخالف القانون والدستور لا ينبغي فعله صراحة ولا يمكن للمحقق التمسك بعدم مخالفته للقانون وارتكابه أفعال مجرمة ومنصوص عليها.

وفي حال كان عمل المحقق غير قانوني مثل تنفيذ امر غير مشروع صادر من الرئيس للمرؤوس، فلكي يتمتع المحقق بالإباحة لأفعاله الصادرة عنه يجب أن يتوافر شرطان هما: حسن النية، وأن يثبت أن اعتقاده بمشروعية الفعل كان مبيناً على أسباب معقولة، والمقصود بحسن النية هنا هو اعتقاده المحقق أو المرؤوس مشروعية الفعل أي إن يكون جاهلاً ما أنطوى عليه من مخالفة للقانون وهو ما ينفي عنه القصد الجنائي.

أما إذا كان المرؤوس غير جاهل ما أنطوى عليه الأمر من جريمة ومع ذلك نفذه فهنا يكون مسؤولاً عن فعله إذا لا يصح بأي حال من الأحوال أن تمتد طاعة الرؤساء إلى حد ارتكاب الجرائم، ويكون الآمر كذلك كلما كانت الواقعة التي أمر بها الرئيس صارخة في خروجها على القانون ومما لا يمكن للرجل العادي أن يفترض أنها مما يجوز أن يأمر رئيس بارتكابها لخروجها عن حدود صلاحياته ([60]).

ومما تقدم يتبين أنه يتعذر على المرؤوس الدفع بحسن النية مهما ثبت أنه كان يعمل بوحي من رؤسائه أو بأمر صريح منهم، فطاعة القانون الذي ينهاه عن أرتكب الجريمة أولى من طاعة أمر رئيسه، ولا يترتب على ذلك مساءلة الموظف (المحقق) عن فعله جنائياً فحسب وإنما أجازه استخدام حق الدفاع الشرعي للمعتدي عليه لدفع الاعتداء الواقع عليه مع إن المشرع في المادة 46 من القانون لم يجز استخدام هذا الحق ضد أحد أفراد السلطة العامة أثناء قيامه بعمل تنفيذاً لواجبات وظيفته ولو تخطى حدود وظيفته أن كان حسن النية ([61]).

فهذه المادة لا تمنع استخدام حق الدفاع الشرعي ضد رجل السلطة العامة إلا في حالة قيامه بواجبات وظيفته كما هي فعلاً من الناحية القانونية وإن استخدام المحقق بعض وسائل التعذيب للحصول على الاعتراف أو المعلومات لا يمكن أن يكون ضمن هذه الواجبات.

وحتى في حالة اعتبار أن تعذيب المجني عليه يعد تجاوزاً من رجل السلطة العامة لحدود وظيفته فلا يمكن القول بعدم إباحة حق الدفاع الشرعي، ذلك إن هذه الحالة قد اشترطت أن يكون هذا التجاوز بحسن نية، ذلك إن حسن النية في هذا الموضع له مدلول نفسه في المادة 40 من قانون العقوبات التي نصت على إباحة أداء الواجب، فإعفاء المرؤوس من العقوبة في هذه الحالة سببه العيب الذي شاب إرادته والذي أفقدها حريتها، فالمرؤوس يكون هنا ملزم بإطاعة أمرين أحدهما ينهاه عن ارتكاب الجريمة والثاني يأمره بارتكابها بسبب إلزامه بإطاعة أوامر رئيسه وأن إطاعة أحدهما معناه مخالفة الآخر ([62]).

ومما سبق يتبين لدينا أن المشرع لم يقصي مسؤولية المحقق ولم يبيح أفعاله التي تشكل أفعال جرمية بحد ذاتها مثل (التعذيب) لدفع المتهم على الاعتراف بما لم يقترف من أفعال جرمية بل جعل كلا المشرعين اللبناني والعراقي المسؤولية جزائياً عن أفعاله التي يقترفها بما يخالف مبدأ المشروعية الدستورية أو استباحة هذا الآمر بالاستناد إلى أوامر المرؤوس في السلطة الإدارية التابع لها مما يبيح له أفعاله، لذلك وضح المشرع ذلك وشدد في المسؤولية في بعض المواد التي ترتكب من الموظف (المحقق) أثناء تأديته وظيفته أو في معرض تأديته إياها، والذي يكفل حماية حقوق وحريات الإفراد ومنها الحق في سلامة جسدهم وعدم الاعتقال التعسفي دون أمر قضائي صادر من السلطة المختصة بذلك، وهذا ما كفله الدستور العراقي والدستور اللبناني.

وخلاصة القول فأنه لا تطبق المسؤولية الجزائية العادية دائماً على من يتجاوز حدود الإباحة ويكون له حكم خاص يختلف من تشريع لآخر، ففي قانون العقوبات العراقي تخفف مسؤولية المتجاوز، سواءً كان التجاوز عمدياً أم غير عمدياً أو إنه أعتقد خطأ في حالة الدفاع الشرعي وذلك وفقاً ([63])، أما قانون العقوبات اللبناني فقد اتجه نحو منحنى آخر يختلف عن القوانين الأخرى حيث نص على أنه: ” إذا أفرط فاعل الجريمة في ممارسة حق الدفاع المشروع لا يعاقب إذا أقدم على الفعل في ثورة انفعال شديد انعدمت معها قوة وعيه وإرادته” ([64]).

فقد أعفي هذا الأخير بالمادة أعلاه المتجاوز لحدود الدفاع الشرعي من العقوبة شرط أنه كان قد أقدم على الفعل بعد ثورة من الانفعال الشديد الذي انعدمت معه قوة وعيه وإرادته بحث لم يتمكن من أن يعي قوة تأثير فعله ولم يتمالك السيطرة على نفسه وإرادته فأحدث الفعل ([65])، فلا يمكن للموظف(المحقق) التملص من المسؤولية الجزائية والدفع بفكرة أداء الواجب إلا في حدود المواد المنصوص عليها في كلا التشريعين اللبناني والعراقي.

ثانياً: المسؤولية المدنية عن جريمة التعذيب

يقصد بالمسؤولية المدنية في مجال جريمة التعذيب المسؤولية عن عمل غير المشروع أو ما يطلق عليه بالمسؤولية التقصيرية والتي تعرف بأنها الترام شخص بتعويض الضرر الناشئ عن فعله الشخصي أو عن فعل من هم تحت رعايته أو رقابته من الأشخاص الأتباع أو الأشياء في الحدود التي يرسمها القانون، وهذه المسؤولية تقوم على أركان لابد من توافرها للقول بوجودها، كما أن هناك حالات قد تنتفي فيها هذه المسؤولية لانتفاء أحد أركانها، وهذا ما نشرحه وفقاً لما يلي:

أ-أركان المسؤولية المدنية للمسؤولية التقصيرية ثلاثة أركان هي ما يأتي:

الركن الأول: الضرر ويقصد به الأذى الذي يصيب الشخص من جراء المساس بحق من حقوقه أومصلحة مشروعة سواء أكان ذلك الحق أو المصلحة متعلقة بسلامته أو ماله أوحريته أو شرفه أو اعتباره، وهو على نوعين ضرر مادي يصيب المضرور في جسمه أو ماله كالتعدي علىحياته أو أتلاف عضو أو أحداث جرح أو إصابة في الجسم، أو ضرر أدبي يلحق الشخص في غير حقوقه المالية وهو ما يصيبه في شعوره وعاطفته أو في كرامته وشرفه ما يترتب عليه من حزن وقلق وألم لما الحق به منإهانة أو سب أو قذف أو تحقير ([66]).

والضرر الذي يصيب الشخص في هذه الجريمة هو ضرر مادي ومعنوي يتمثل فيما يلحق المجني عليه من إصابات أو عاهات أو جروح وما يصيبه في عاطفته وشعوره من ألم وخوف ومعاناة نتيجة للترويع والتخويف والإهانة، وكل ما يشترط في هذا الضرر أن يكون ضررا محققا أي مؤكد الوقوع، وأن يكون نتيجة مباشرة وطبيعية لفعل التعذيب سواء أكان متوقعاً أو غير متوقع فلا يمكن للمدعى عليه التنصل عن مسؤوليته عن إحداث عاهة مستديمة للمتضرر أو تسببه بوفاته على أساس أنه لم يتوقع أن يؤدي فعله إلى حدوث مثل هذه النتيجة.

أما بالنسبة للشرط الثالث للضرر فمما لا شك فيه أن فعل التعذيب يمس مصلحة وحقاً مشروعين للمتضرر تتمثل في حقه بالحياة أو في سلامة جسمه وحقه في صون كرامته الآدمية واعتباره، والتي تعد من الحقوق المشروعة التي نصت عليها أغلبية الأديان والقوانين والمواثيق الدولية ([67]).

الركن الثاني: الخطأ يعرف الخطأ التقصيري بأنه الإخلال بالتزام قانوني سابق يصدر عن إدراك، وهذاالالتزام هو الواجب الذي يفرضه القانون على كل فرد بعدم الإضرار بالآخرين، فهو يقوم على عنصرين عنصر مادي هو التعدي المتمثل بتصرف الشخصتصرفاً لا يقره القانون وهو ما يشكل هنا جريمة يعاقب عليها القانون، فهو سلوك معيبلا يأتيه شخص متبصر وجد في الظروف التي وجد فيها محدث الضرر، وعنصر معنوي يتمثل بالإدراك أي مقدرة الشخص على معرفة مدى خطورة فعلهوما يترتب عليه من نتائج.

وعليه يكون الخطأ المدني في هذه الحالة لا يختلف في عناصره عن الخطأ الجنائي مما يترتب عليه أن ما يقرره القاضي الجنائي بشأن خطأ المتهم إثباتاً ونفياً يقيد القاضي المدني ويتعين عليه أن يلتزم به في بحث الحقوق المتصلة ([68]).

الركن الثالث: العلاقة السببية ويقصد بها أن يكون الضرر نتيجة طبيعة ومباشرة لإخلال المدين بواجبه القانونيفهي الرابطة التي تربط الخطأ (السبب) بضرر (مسببا)، إما إذ انقطعت هذه العلاقةفلا مسؤولية إذ لا يمكن أن يطالب الشخص بتعويض بالضرر لم يكن هو السبب فيحدوثه ([69]).

أما بشأن النظريات التي قيلت في تحقق العلاقة السببية من عدمها فيما لو تعددت الأسباب المؤدية إلى النتيجة فهي نظرية السبب المنتج ونظرية تعادل الأسباب الذي يذهب القضاء العراقي للأخذ بها في أحكامه الحديثة.

ب-حالة انتفاء الخطأ عن الفعل الضار

لقد أشار القانون المدني العراقي إلى حالات معينة ينتفي عن الفعل صفة الخطأ وبذلك لا يمكن أن تقوم المسؤولية المدنية تبعاً لانتفاء أحد أركانها، ومن هذه الحالات ما نصت عليه المادة 215 ف2 من القانون المدني “2 – ومع ذلك لا يكون الموظف العام مسؤولا عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيسه متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو يعتقد إنها واجبة. وعلى من أحدث الضرر أن يثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه بأن يقيم الدليل على أنه راعي في ذلك واجب الحيطة وأن اعتقاده كان مبنيا على أسباب معقولة” ([70]).

فهذه الفقرة تشير إلى حالة انتفاء الخطأ عن مرتكب الفعل الضار بسبب تنفيذه لأمر صادر إليه من رئيس تجب عليه طاعته، وبذلك قد يدفع الجاني بانتفاء مسؤوليته عن التعويض استناداً لهذه الفقرة، ولكن هذه الحالة من حالات انتفاء الخطأ التقصيري لا يمكن الدفع بها هنا ذلك أن من شروط تحققها هو أن يثبت محدث الضرر أنه كان يعتقد مشروعية الأمر الصادر إليه من رئيسه ومشروعية العمل الذي أتاه (حسن النية)، وأن اعتقاده هذا كان مبنيا على أسباب معقولة وأن يقيم الدليل على انه راعي واجب الحيطة والحذر فيما أقدم عليه.

فتعذيب أي شخص مهما كانت صفته، لا يعد أمراً مشروعاً ولا يصح أن يعتقد أنه أمر مشروع وذلك لخروجه عن حدود القانون كما لا يجوز إطاعته مطلقاً، وإذا أطاع المرؤوس الأمر الصادر إليه بالتعذيب كان مسؤولاً عن تعويض الضرر هو ومن أصدر الأمر إليه، إلا أنه بإمكان المأمور نفي الخطأ من جانبه فتقتصر المسؤولية في هذه الحالة على الأمر دون المأمور فيما لو أنه قد أكره إكراها ملجئاً من قبل الأخير ([71]).

المبحث الثاني
جزاء الإخلال بضمانات التحقيق

إن المقبولية الفقهية والتشريعية لمبدأ البراءة لا تجد في الحقيقة شيئاً إذا لم ينتهج المشرع نهجاً حمائياً لهذا المبدأ، وذلك بأن يضع من الضمانات والقيود التي يضمن بها حظر وحصر الانتهاكات الماسة بالبراءة المفترضة للمتهم قبل أن يصدر حكماً قضائياً باتاً يمثل عنوان الحقيقة حول الجرم المرتكب وسلامة الأدلة على نسبتها للشخص المعين فالحقيقة لا يمكن توافرها إلا باليقين التام لا بمجرد الظن والاحتمال ([72]).

حيث يتعين تدعيم مبدأ البراءة إلى حين صدور الحكم البات، لذلك اتجهت أغلب التشريعات إلى وضع ضمانات حقيقية وجزاءات لمنع أي انتهاك لهذا المبدأ لحين صدور الحكم القضائي، وترتكز الجزاءات التي أوجبها المشرع على عدم مشروعية وسائل التحقيق وأدواته والطرق والسبل التي تم تحصيل الأدلة بموجبها، على سقوط قيمة الاعتراف الذي قد يدلي به المتهم، إضافة إلى بطلان الإجراءات التي تتم مخالفة للقواعد القانونية الناظمة للتحقيق.

كما أن الأصل أن أية ضمانات للحرية مهما كانت قوة التشريع الذي يقررها، تفقد أهميتها وفاعليتها في ترتيب آثارها إذا لم تدعم بجزاء يكفل لها الاحترام وحسن التطبيق، لذلك تقرر تشريعات غالبية الدول عدداً من الجزاءات المتباينة، في مواجهة الإجراءات غير المشروعة التي يباشرها ممثلو السلطة ضد المتهم ([73])، كما منحت التشريعات سلطات الرقابة القضائية الحق في التحقق من الأدلة المتحصلة وتقرير شرعيتها.

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، سنتناول في المطلب الأول: تأثر الاعتراف المستحصل من المتهم، ثم ننتقل لنتناول في المطلب الثاني: بطلان إجراءات التحقيق.

المطلب الأول
تأثر الاعتراف المستحصل من المتهم

إن قوانين الإجراءات الجزائية تحدد وسائل الإثبات التي يجوز اللجوء إليها لإقامة الدليل على الأفعال والأعمال القانونية، والجهة التي يقع عليها عبء الإثبات، ودور القاضي في تقدير الأدلة، إذ أن القاضي في الدعوى الجزائية يتولى في مرحلتي التحقيق الأولي والقضائي، اكتشاف الأدلة وجمعها ولهذا السبب منح القانون القاضي صلاحيات واسعة ومنها تفتيش المنازل وضبط الأوراق وكل ما يتبين أنه استعمل في ارتكاب الجريمة أو أعّد لهذا الغرض، والاستماع إلى الشهود، والإحضار والتوقيف والاستجواب، إلا أن على القاضي لدى ممارسته لهذه الصلاحيات أن يراعي مبادئ أساسية وعلى رأسها صون قرينة البراءة التي يستفيد منها الشخص المدعى عليه أو المتهم بارتكابه أفعالاً جرمية, واعتبار أن أي شك يؤول لمصلحة الشخص الملاحق([74]).

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين، سنتناول في الفرع الأول: القيمة القانونية للاعتراف، ثم ننتقل لنتناول في الفرع الثاني: بطلان إجراءات التحقيق.

الفرع الأول
القيمة القانونية للاعتراف

إن الاعتراف في الدعوى الجزائية هو دليل للإثبات تخضع قيمته لتقدير محكمة الأساسلذلك فهو لا يعتبر حجة في الإثبات طالما يخضع لتقدير المحكمة، وفقاً لمبدأ الاقتناع القضائي وخضوع الاعتراف لمطلق تقدير المحكمة، وقد حكمت محكمة التمييز الاتحادية العراقية بأن اعتراف المتهم المشتمل على الضمانات القانونية في مرحلة التحقيق حجة على المتهم ولا ينفيه تراجع المتهم عنه ([75]).

وذلك واضح من المادة (216/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي والتي تنص على أنه “للمحكمة سلطة مطلقة في تقدير إقرار المتهم والأخذ به سواء صدر أمامها أو أمام قاضي التحقيق أو أمام محكمة أخرى في الدعوى ذاتها أو في دعوى أخرى ولو عدل عنه بعد ذلك، أي للمحكمة أن تأخذ بإقرار المتهم وأن تصدر حكمها بالاستناد إليه، ولها أن تسير في الدعوى إلى نهايتها وتُحقق في الأدلة الأخرى رغم صدور اعتراف من المتهم أمامها ([76]).

كما تتمتع المحكمة بسلطة تقديرية مطلقة لقبول أو عدم قبول اعتراف المتهم، لأن الاعتراف في المجال الجنائي لا يعتبر حجة، على عكس الاعتراف في المجال المدني، والذي يعتبر حجة على المقر لأنه يتضمن – إلغاء المعلن حقه في مطالبة خصمه بإثبات الحق الذي يدعيه أمامه، وإذا كان الاعتراف هو البينة الوحيدة في الدعوى الجزائية فلا يجوز للمحكمة أن تفرقه، بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ما ورد فيها، والمتهم الذي يقر بارتكاب جريمة القتل، لا يجوز تجزئة هذا الاعتراف إذا كان هو الدليل الوحيد.

كما إن هناك رأي لبعض الفقهاء أن الاعتراف هو نوع من الشهادة أي شهادة المرء على نفسه بما يضرها، بينما الشهادة هي إقرار المرء على غيره، سواء كان هذا الإقرار مضّراً بالمتهم أم كان نافعاً له ولما كان إقرار المتهم على نفسه أقرب إلى الصدق من شهادته على غيره، فالاعتراف كدليل إثبات، أقوى من الشهادة، بل أي دليل أقوى على المرء من إقراره على نفسه بالجريمة. ([77])

فالاعتراف في القضايا الجزائية هو إقرار المدعى عليه على نفسه بكل أو ببعض ما نسب إليه ([78]).

وقد كان للاعتراف شأن كبير في النظام التحقيقي، وكان القاضي، للحصول عليه، يسوم المتهم ألواناً شتى من التعذيب، وكان يرى فيه طريقاً للإثبات لا يعادلها أي طريق آخر، وكان المتهم يستجّوب قبل الحكم عليه لحمله على الاعتراف بجرمه.

كما إن  تطور العلم الجنائي وعلم النفس أظهر إن الإقرار لا يكشف دوماً الحقيقة، وليس له تلك المكانة التي أحلّه فيها النظام التحقيقي, فكم من اعتراف مغلوط صدر عن شخص تطوع لإلصاق التهمة به قصد أبعادها عن الفاعل الأصيل ليتحمل وحده وزرها، وكم من أفراد مصابين بمرض نفسي أو بمّس في عقولهم اتهموا أنفسهم بجرائم خيالية، وكم من سجناء أضافوا إلى جرائمهم جرائم غيرهم أو جرائم لم تقع أما لتأخير محاكمتهم، أو رغبة في الانتقال من سجن إلى آخر أخّف وطأة عليهم، وأما اعتقاداً من إنهم لن يُحكموا إلا بعقوبة واحدة عن سلسلة الجرائم التي اقترفوها.

وقد يصدر الاعتراف عن شخص يبغي أن يلفت الأنظار إليه ويثير اهتمام الرأي، وقد يعترف المدعى عليه كذباً بارتكابه جريمة وقعت في بلد، أبعاداً للشبهات عنه حول جريمة أخرى ارتكبها في الواقع وبذلك التاريخ في بلد آخر مضللاً بذلك القضاء وكان العبيد في عصور الرق يعترفون بجرائم وهمية حيث يسجنوا أو يعدموا أو يبعدوا، للتخلص من ظلم أسيادها ([79]).

كما إن الاعتراف كدليل في الإثبات الجزائي هو من عناصر الاستدلال التي تملك المحكمة كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، ولها في سبيل ذلك أن تأخذ باعتراف المتهم في محضر ضبط الواقعة متى ما اطمأنت إلى مطابقته للحقيقة، وهي ليست ملزمة في استنادها إلى اعتراف المتهم بأن تلتزم به نصاً، بل لها أن تستنبط منه الحقيقة كما كشفت دون الأخذ بظاهره ([80]).

فالاعتراف الذي أدلى به المتهم يجب أن يكون منصباً على نفسه بالذات لا على غيره، أي أن يكون متعلقاً بشخص المتهم لا بشخص غيره، حتى وإن كانوا شركاء في الجريمة التي يعترف بصددها أما إذا تضمن اعترافه أفعالاً إجرامية ارتكبها غيره من الأشخاص، فلا نكون والحالة هذه بصدد اعتراف وإنما يكون بمثابة شهادة على الغير، وهنا يجب أن تفرّق أوراق الدعوى بحقه وتدون أقواله بصفة شاهد بعد تحليفه اليمين القانونية مع بقاء صفته كمتهم في دعواه، وإن اعتراف متهم على متهم آخر تعبير خاطئ، ولا يعتبر في نظر القانون اعترافاً وإنما يعد من قبيل الاستدلالات التي يجوز أن يعزز بها ما لديه من أدلة([81]).

لكي تتمكن المحكمة من الاستناد في حكمها بالإدانة إلى اعتراف المتهم لا بد من توافر أركانه وإلا يترتب عنه البطلان في حالة تخلف ركن من أركانه وهذا البطلان يتعلق بالنظام العام يجوز التمسك به في أي مرحلة من مراحل الدعوى، وتقضي به تلقاء نفسها ولو بغير طلب وأركان الاعتراف هي العناصر اللازمة لوجوده، وهذه الأركان كما حددها بعض الفقهاء والشراح هي كالآتي:

أولاً: أن يكون صادراً من المتهم نفسه

حتى يكون الاعتراف صحيحاً ومقبولاً يجب أن يكون صادرا من شخص يكون في وقت اعترافه متهما بارتكاب الجريمة وان يدلي بأقواله بدون حلف اليمين حيث يتعين صدور الاعتراف من المتهم نفسه فيشترط في الاعتراف أن يصدر من المتهم وعن واقعة تتعلق بشخصه فإن تطرق إلى وقائع صدرت عن غيره عد ذلك شهادة على الغير وليس اعترافا، أما ما جرى به التعبير الخاطئ في وصف أقوال متهم في الدعوى على متهم آخر فيها بأنه (اعتراف متهم على متهم) فلا يعد اعترافا ولا يجوز أن يكون سبباً في عدم سماع الشهود وإن كان لا يوجد ما يمنع القاضي من الاعتماد عليه متى اطمأن إليه سواء أكان المتهم الذي اخذ القاضي بأقوال زميله المتهم الآخر مقراً أم منكراً للتهمة([82]).

ثانياً: أن يكون موضوع الاعتراف واقعة إجرامية

يجب أن يكون موضوع الاعتراف وقائع مكونة للجريمة كلها أو بعضها، فالإقرار ببعض الوقائع التي لا تتعلق بالجريمة لا يعد اعترافا بالمعنى القانوني، وما يصدر من المتهم في شان نسبه وصف قانوني معين إلى الواقعة التي صدرت عنه ليس اعترافا، وإنما هو مجرد رأي في الدعوى وليس له قوة إثبات إذ إن الوصف القانوني للمتهم هو أمر متعلق بوظيفة سلطة التحقيق أو الحكم، ولا يعد اعترافا إقرار المتهم بوجود عداء سابق بينه وبين المجني عليه دون أن يعترف بقتله فيصح أن تصبح أقواله قرينة بسيطة على وجود دوافع للقتل.

ثالثاً- وضوح الاعتراف ومطابقته للحقيقة: 

لما كان الاعتراف في جوهره تعبيراً عن إرادة المتهم بنسبة واقعة معينة اليه فأنه يتعين أن يكون هذا التعبير صريحاً لا لبس ولا غموض فيه، لكي تستطيع المحكمة الركون اليه في حكمها، فلا يصح التعويل على اعتراف غامض أو يحتمل أكثر من تأويل، رغم أن الاعتراف لا يفسر إلا بالمقدار المفهوم منه إذا لم يرد في التحقيق ما يعزز التفسير بصورة أوسع لغير مصلحة المعترف. وينبغي أن ينصب هذا الاعتراف على الواقعة الجرمية المسندة الى المتهم وليس على محل واقعة أخرى عرضية، لذلك لا يعد اعتراف المتهم بأحراز السلاح قوله إنشخص قد ألقىالسلاح في منزله ليقيد له، أو بتسليمه بانه كان موجودا في مكان الجريمة وقت وقوعها أو بوجود ضغينة بينه وبين القتيل، كل هذا لا يعد اعترافاً بارتكاب القتل وإن كان فيه ما يصح أن يعد مجرد دلائل موضوعية لا تكفي للإدانة إلا إذا عززتها أدلة كافية ([83]).

وقد قضت محكمة التمييز الاتحادية العراقية ” إذا ما تطابق اعتراف المتهم المدعم بالضمانات القانونية وتعزز هذا الاعتراف بأقوال المتهم الثاني وتطابق مع بقية إجراءات الدعوى يكون دليلاً كافياً للإدانة والحكم”, فقد يدلي المتهم بأقوال يُستفاد منها ضمناً بارتكاب الجريمة المسندة اليه، كاستعداده للاعتذار، أو التوبة، مثلاً، وهذا النوع من الأقوال لا يمكن الاستناد اليها وحدها في الإدانة، إلا انه يمكن للمحكمة أن تستند اليها إذا وجدت أدلة أخرى تعزز ما انتهت اليه المحكمة في تكوين قناعتها. ولكن لا يلزم لكي يكون الاعتراف صريحاً أن يكون بألفاظ معينة، أو مصاغاً في صيغة الاعتراف، فيكفي أن تحمل أقوال المتهم معنى الاعتراف بشكل لا يحتمل التأويل.

أما الاعتراف فأنه ليس بحجة قاطعة في ذاته، وإنما هو خاضع دائماً لتقدير المحكمة، وبهذا فأنه غير ملزم للمعترف والقاضي، وإنما يخضع لمحض تقدير القاضي، إن شاء أخذ به وإن شاء طرحه متى ما تطرق الشك إلى وجدانه كما أنه لا يعفي الادعاء العام من البحث عن الأدلة الأخرى ولا القاضي الجزائي من الاستمرار في نظر الدعوى، وللمتهم حق العدول عنه في أي وقت دون أن يكون ملزماً بأن يثبت عدم صحة الاعتراف الذي عدل عنه، ولمحكمة الموضوع أن تسلم لهذا العدول إذا اقتنعت بوجود سبب من الأسباب العتيدة ([84]).

وبعد ما كان الاعتراف يحتل المركز الأول والأهم لدى القاضي الجزائي، فَقَدَ هذه المكانة اليوم، ذلك أن قانوني أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، والعراقي، لم يجعلا منه وسيلة إثبات أساسية ومطلقة، أي لم يعتبراه الغاية الأساسية التي يهدفان إلى تحقيقها ([85])، فلكل دليل في الدعوى الجزائية قواعداً وأصولا تضمن ثقة المحكمة فيه، وتستند عليه في إصدار حكمها فبعض من هذه القواعد منصوص عليها في القانون والبعض الأخر من اجتهاد الفقه والقضاء، بما يقيد حرية القاضي وللرغبة في الحفاظ على كرامة وحقوق وحريات الأفراد التي تضمنتها كافة الدساتير ومنها الدستور العراقي والدستور اللبناني.

لكن مع ذلك، حرص القانون على حماية حقوق المتهم وإحاطتها بضمانات عديدة، وبتعبير آخر، لا يمكن للمحكمة أن تأخذ بالاعتراف إلا إذا كان صادراً عن إرادة حرة واعية بعيداً عن أي ضغوط مادية أو معنوية، وأن يكون صريحاً واضحاً مستنداً إلى إجراءات صحيحة أي يجب أن يستوفي الاعتراف عدة شروط لصحته تجمعها فكرة أساسية وهي أن الاعتراف تعبير عن إرادة الإفضاء بمعلومات، وهذه الشروط ضمان لصحة الحكم وضمان للمتهم ([86]).

فإذا دفع المتهم بأن الاعتراف قد اخذ منه بطريق الإكراه أو الوعد والوعيد أو غيره من الأسباب غير المشروعة، وجب على القاضي أن يبحث ويتحقق من صحة ما يدعيه المتهم، ومتى ما تأكد للقاضي أن الاعتراف سليم اطمأنت إليه نفسه، ومن ذلك إذا أدى الاعتراف إلى اكتشاف بعض الحقائق فيجب الأخذ بالجزء المتعلق بهذه الحقائق وترك الجزء الآخر، ونظرا لما يتميز به من أهمية قام التشريع العراقي بإعطاء محكمة التمييز الرقابة على سلطة القاضي في تقدير الأدلة بشكل صريح وواضح في قانون أثول المحاكمات الجزائية ([87]).

فالمحكمة المختصة تمتلك الحرية المطلقة في تقدير الاعتراف وقيمته في الإثبات طبقا لمبدأ سلطة القاضي الجنائي التقديرية للأدلة ومبدأ القناعة القضائية، فله أن يأخذ به متى ما اطمئن إلى صدقه والتمس فيه الحقيقة ومطابقته للواقع فالاعتراف ليس دليلا ملزما للقاضي وجب عليه الأخذ به بمجرد توفر أركانه واستكمال شروط صحته إذا لم يتوفر فيه الصدق والحقيقة وإلا كان له أن يطرحه([88])، كما أنه إذا تمت مراعاة ضمانات الاعتراف يجوز للقاضي الاستناد إليه كدليل لإدانة المتهم وفقا لمبدأ القناعة الوجدانية، وبعدها يبدأ الاعتراف بترتيب آثاره الإجرائية كأن تستغني المحكمة عن سماع الشهود وتكتفي بالاعتراف وحده ([89]).

الفرع الثاني
رقابة القضاء والمراجعة على تقدير الاعتراف

إن الاعتراف كباقي أدلة الإثبات الأخرى يخضع لمبدأ القناعة الوجدانية الذي يدل على حرية المحكمة في تكوين قناعتها بما هو مطروح أمامها من أدلة في الدعوى، وطبقا لهذه القناعة فمحكمة الموضوع هي صاحبة القرار في تقدير قيمة الاعتراف وتحديد مدى صلاحياته كدليل إثبات بعد أن تتكون لديها القناعة بتوافر جميع أركانه وشروط صحته ، عندها للمحكمة أن تعول على اعتراف المتهم في أية مرحلة من مراحل التحقيق متى اطمأنت انه يمثل الواقع، وتقوم المحكمة بمهمة تقدير الاعتراف بعد التأكد من توافر شروط صحته، ولا بد من الإشارة إلى عدم الخلط بين قيمة الاعتراف كدليل في الدعوى وصحته كعمل إجرائي فلا يجوز الاعتداد بالاعتراف متى ثبت انه غير صحيح كما إذا كان قد وقع تحت تأثير الإكراه.

أما فيما يتعلق بالاعتراف الذي استكمل شروط صحته وأصبح صالحا في الدعوى فعلى المحكمة إذا ثبت لها صحته أن تقدره للتحقق من صدقه وفقا لمطلق حريتها في التقدير استنادا لمبدأ حرية القاضي الجزائي في تكوين عقيدته، فمسالة تقدير صحة الاعتراف وقيمته هي من المسائل الموضوعية التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحته وقيمته في الإثبات مادام مطابقاً للحقيقة والواقع، ولمحكمة الموضوع الحق في إهمال الاعتراف الصادر من المتهم إذا لم تقتنع به.

فالمشرع العراقي قد نص بصراحة على حق المحكمة بالأخذ بالإقرار حال اطمئنانها إليه([90])، والقضاء العراقي أكد في أغلب قراراته مسايرته للاتجاه الحديث بعدم الأخذ بالإقرار وحده على الرغم من جواز الحكم بناءً على الاعتراف وحده بموجب مواد قانون أثول المحاكمات الجزائية([91])، كما تتسع حرية القاضي في تقدير الدليل بأن تأخذ بالاعتراف في أي مرحلة من مراحل التحقيق الأولى أو المحاكمة.

إذ يتم الأخذ باعتراف المتهم في التحقيق الابتدائي على الرغم من إنكاره لاعترافه في جلسة المحاكمة، كما له أن يفسر الاعتراف ويحدد مدلوله دون الإلزام بألفاظ الاعتراف نفسها، وأن يستنبط منه الحقيقة كما يظهرها ويشف منها على أنه لا يجوز له تأويل الاعتراف على غير ما قصده المتهم إذا كان هو الدليل الوحدي في الدعوى([92])، إن إثر الاعتراف يختلف تبعا للمرحلة التي صدر فيها هذا الاعتراف والجهة التي صدر منها، فقد يصدر في مرحلة التحقيق الابتدائي أو أمام المحكمة أو بعد صدور الحكم وهو ما سنتناوله كما يلي:

  1. أثر الاعتراف في مرحلة جمع الأدلة والتحقيق الابتدائي:

تتفق أغلب التشريعات الجنائية على أن الاعتراف دليل كباقي الأدلة الأخرى ([93])، والاعتراف يسهل اغلب الإجراءات ويريح ضمير المحقق والقاضي، إذا ما صدر صحيحا بدون وعد أو وعيد أو عنف أو تهديد، ففي هذه المرحلة يسهل الاعتراف جمع باقي الأدلة الأخرى وعناء البحث، إلاّ أن مجرد إدلاء المتهم بالاعتراف أمام سلطة جمع الأدلة أو التحقيق الابتدائي ليس معناه قرب إنهاء التحقيق، بل يجب التحقق من صحة هذا الاعتراف وصدقه.

كما أن القضايا التي تحتاج إلى خبير فني لا يجوز للمحقق أن يكتفي باعتراف المتهم بان هذه المواد مخدرة من دون تحليل المادة المخدرة، ذلك لأن الدليل الفني بجسم مشكلة صدق الاعتراف كما ويسد باب العدول عن الاعتراف فيما بعد، كما أن إثر الاعتراف يسري فيها لو اعترف أحد المتهمين في الدعوى مما يعد مانعا من العقاب، وان تتخذ الإجراءات التي يقضيها هذا الاعتراف كالإفراج المؤقت عن المتهم.

  • أثر الاعتراف أمام المحكمة:

إن من أهم الآثار الإجرائية لهذا الاعتراف هو جواز الحكم بإدانة المتهم بناء على هذا الاعتراف إذا كان مستوفيا لأركانه وشروط صحته بدون حاجة لسماع الشهود ([94])، كما أن طلب محامي المتهم سماع الشهود يوجب على المحكمة المعنية التحقيق في الدعوى وسماع شهودها، ولكن إذا ما تعذر سماع الشاهد، لعدم الاهتداء إليه فللمحكمة أن تكتفي باعتراف المتهم وتحكم عليه بغير سماع الشاهد ([95]).

إلا أنه يرد على تخويل المحكمة سلطة إغفال مبدأ شفوية المرافعة بناء على اعتراف المتهم، اعتراضات حول اطمئنان المحكمة إلى صدق الاعتراف دون النظر في أدلة الدعوى الأخرى، كما أن القاعدة أن المحكمة لا تملك أن تحكم على الدليل قبل فحصه، وهكذا يكون الأمر لو قررت المحكمة بناء على اعتراف المتهم الاستغناء عن سماع الشهود، ويظهر لها عند المداولة أمور تشكك في صحة هذا الاعتراف مما يستلزم عليها سماع الشهود لاستجلاء نقطة لم يتناولها الاعتراف، وفي هذه الحالة ليس أمام المحكمة من سبيل سوى فتح باب المحاكمة من جديد والاستماع إلى الشهود وهنا من الأفضل للمحكمة سماع الشهود في جميع الأحوال، وإذا كان المتهم منسوبا إليه عدة تهم واعترف بإحداها فلا يجوز الحكم عليه في التهم الأخرى دون سماع الشهود.

  • أثر الاعتراف الصادر بعد الحكم:

إذا أنكر المتهم في أثناء المحاكمة التهمة المسندة إليه، ثم بعد أن صدر الحكم قام بالاعتراف بالتهمة، سواء صدر هذا الاعتراف أمام المحكمة أم أمام المحقق أو بصدد قضية أخرى، فإذا كان الحكم السابق على الاعتراف قد صدر بإدانته، فهنا الاعتراف لا يكون له أي إثر سوى تقوية أدلة الإدانة، أما إذا كان الحكم قد قضى ببراءة المتهم، وحدث الاعتراف أمام محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية، فيجوز لمحكمة الاستئناف في هذه الحالة الاستناد إلى اعتراف المتهم كدليل لإدانته،

حيث أن التمييز ينقل الدعوى برمتها إلى محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية حيث إن الأخيرة تعد محكمة موضوع فهي لا تتقيد بالأدلة المطروحة أمام محكمة التحقيق، بل لها أن تستند إلى أدلة أخرى، أما الاعتراف أمام محكمة التمييز، وذلك عندما تكون الدعوى مطروحة أمام محكمة التمييز وكان الطعن مستندا إلى فساد الاستدلال أو الخطأ في الإسناد مما يعيب تسبيب الحكم الجنائي، ويشكك في صحة استخلاص المحكمة للواقعة أو في إسناد التهمة للمتهم، فإنه يعتبر دليلاً جديداً لا يجوز عرضه على محكمة التمييز لتصحيح بطلان الحكم المطعون فيه، والأساس في ذلك أن وظيفة محكمة النقض هي تطبيق القانون وليس لها إجراء تحقيق([96]).

أما إذا وجدت الدعوى أمام محكمة التمييز بهدف نظرها في الموضوع المتعلقة به وللمرة الثانية، وحصل اعتراف المتهم حينها بعد ذلك الطعن، فإن هذا الاعتراف يجوز أن تستند إليه محكمة التمييز، وتتخذه عنصر التكوين قناعتها لأنها تتحول في هذه الحالة إلى محكمة موضوع، وإذا صدر الاعتراف بعد الحكم البات، والذي لا يقبل طعنا عادي أو غير عادي عدا طريق إعادة المحاكمة لاستنفاذ طرق الطعن أو لانقضاء مواعيد الطعن([97])، وكان الحكم البات قد صدر بالإدانة، فالاعتراف الصادر من المتهم المحكوم عليه لا يكون له اثر حتى ولو كان المتهم منكرا في جميع مراحل المحاكمة.

أما إذا كان الحكم البات قد صدر ببراءة المتهم، ففي هذه الحالة يكون الحكم في مأمن من الإلغاء لأن المتهم يكتسب بالحكم النهائي القاضي ببراءته حقا في عدم العودة إلى الدعوى، حتى لو اعترف بالتهمة بعد الحكم والالتماس بإعادة المحاكمة قاصرة على الأحكام الصادرة بالإدانة ([98])، وإذا كان الحكم البات صادرا ببراءة المتهم واعترف بعد ذلك شخص غير المتهم بارتكاب الجريمة التي صدر بشأنها الحكم يكون معززا لبراءة المتهم الأول طالما اعترف شخص آخر بارتكاب الجريمة.

أما إذا كان الحكم البات قد صدر بإدانة المتهم وبعد ذلك اعترف شخصا آخر غير المحكوم عليه بارتكابه الجريمة التي صدر بشأنها الحكم، فمن المقرر أن الحكم البات يصبح عنوانا للحقيقة القضائية لا يجوز مناقشتها وانه في سبيل تحقيق الاستقرار القانوني الذي هو من دواعي الثقة في العدالة يجب أن يقفل باب النزاع بعد أن يصبح الحكم بانا غير قابل للطعن فيه، إلا أنه استجابة لدواعي واعتبارات العدالة للوصول إلى الحقيقة يتطلب الأمر التضحية بمبدأ قوة الشيء المحكوم به المقضي به.

حيث تتغلب العدالة الحقيقية على العدالة الشكلية ويفتح القانون باب الالتماس بإعادة المحاكمة لإنصاف العدالة، وتكون إعادة المحاكمة في عدة حالات، أولها إذا كان قد حكم على شخص لارتكابه جريمة ثم صدر حكم بات على شخص آخر لارتكابه الجريمة نفسها، وكان بين الحكمين تناقض من مقتضاه براءة أحد المحكوم عليهما، والحالة الثانية إذا حكم على شخص استنادا إلى شهادة شاهد أو رأي خبير أو سند ثم صدر حكم بات على الشاهد أو الخبير بتهمة شهادة الزور عن هذه الشهادة أو الرأي أو صدر حكم بات بتزوير السند، والحالة الثالثة إذا ظهرت بعد الحكم وقائع أو قدمت مستندات كانت مجهولة وقت المحاكمة وكان من شانها ثبوت براءة المحكوم عليه([99]).

الآثار الموضوعية للاعتراف تتمثل بأحد الأسباب المخففة التي توجب تخفيف العقوبة كظرف قضائي مخفف، وقد يؤدي اعتراف المتهم بالتهمة المسندة إليه إلى إعفائه من العقوبة كمانع من موانع العقاب، فإذا كان اعتراف المتهم قد سهل مهمة المحكمة ووفر عليها إجراءات المحاكمة المطولة من أجل الوصول إلى الحقيقة، كأن تتوصل المحكمة من خلاله إلى معرفة المبلغ المختلس مثلا وطريقة اختلاسه واكتفت المحكمة بهذا الاعتراف، فإن هذا الاعتراف يصلح أن يكون أحد الظروف القضائية المخففة([100]).

حيث أنه في بعض الجرائم الخاصة والتي يصعب إثبات التهمة فيها بالنظر لما يحيطها من دقة في تنفيذها في الخفاء، فقد ارتأى المشرع أن يشجع بعض الجناة على كشف الجريمة وإرشاد السلطات إلى المساهمين فيها فنص على إعفاء المتهم من العقاب إذا اخبر أو اعترف بشروط معينة وفي جرائم محددة([101])، ويتوقف هذا الأثر على ما يقوم به المعترف من إخبار أو إبلاغ للاعتراف وكل هذه المسميات لا فرق بينهما من الناحية العملية، إلا أنه يشترط أن تتضمن أقوالا على النفس والغير في آن واحد ولا يترتب عليها الإعفاء إذا اقتصر الإقرار على النفس فقط.

كما أن الحكمة من الإعفاء هي نظير الخدمة التي يقدمها المتهم للعدالة والمجتمع بتسهيل اكتشاف الجرائم الخطيرة، وتمهيدا للجاني في سبيل التوبة؛ لأنه إذا ساق القدر فردا إلى ارتكاب إحدى الجرائم كان من مصلحته ومصلحة المجتمع أن يجد له طريق للخروج من التهمة والعقاب معا، ويجب على المحكمة أن تفصل في طلب المتهم بإعفائه من العقاب لأنه دفع جوهري، وإلا كان حكمها في الإدانة معينا في التسبيب، وهو ما أشار إليه قانون العقوبات([102])، وقد نظم القانون عرض العفو على المتهم من قبل قاضي التحقيق([103]) بعد الحصول على إذن محكمة الجنايات.

إن محكمة الموضوع تملك الحرية المطلقة في استنباط معتقداتها في الدعوى من مختلف الأدلة التي تقدم لها والأقوال التي تبدى أمامها، فلها أن تقدر الاعتراف المسند إلى المتهم في غير مجلس القضاء التقدير الذي يستحقه، ولقاضي الموضوع متى تحقق أن الاعتراف سليم مما يشوبه واطمأنت إليه نفسه أن يأخذ به في إدانة المتهم، سواء كان هذا الاعتراف قد صدر لديه لأول مرة أم كان قد صدر أثناء التحقيق مع المتهم ([104])، وعليه سنقوم بتناول هذا الفرع كما يلي:

أولاً- مراحل إصدار الحكم القضائي:

إن الحكم القضائي يمر قبل إصداره من قاضي الموضوع بمراحل متعددة، وهو ما سنتناوله:

  1. إثبات الوقائع:

يقوم القاضي في المرحلة الأولى بإثبات وجود الوقائع المشكلة للركنين المادي والمعنوي للجريمة وتحديد نسبتها إلى المتهم، وتقدير القاضي الذي يقوم له في إثبات الوقائع والذي ينبني على الاستنتاج المنطقي والاستخلاص العقلي والإحساس السليم الذي ينتهي به إلى إثبات أركان الجريمة ونسبة التهمة إلى المتهم أو عدم نسبته إليه، كما قد يحصل الخطأ في سوء التقدير المنطقي عندما يخل القاضي بقواعد الاستنتاج المنطقي والاستخلاص العقلي، وذلك عندما ينتهي إلى استنتاجات لا تتناسب مع هذا التقدير وخطأ القاضي.

2-التكييف القانوني للوقائع:

يتم التكييف القانوني للوقائع بمنح الوقائع وصفا قانونيا يتفق مع النموذج الإجرامي النصوص عليه في قانون العقوبات بناءً على مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ومهمة القاضي في ذلك اختيار النموذج الذي يتطابق مفهومه مع ا الخصائص القانونية من الوقائع التي تثبت لديه في المرحلة الأولى، والخطأ الذي يشوب حكمه يحصل عندما لا تتطابق الخصائص القانونية الخاصة بالواقعة مع النموذج القانوني في قانون العقوبات، فالخطأ في التكييف القانوني للوقائع خطأ في اختيار النموذج القانوني المتطابق الخصائص القانونية للواقعة خطأ في تطبيق القانون([105]).

3-تطبيق القانون على الوقائع:

ينصب نشاط القاضي في هذه المرحلة على تطبيق النتائج القانونية التي ينص عليها القانون على التكييف القانوني الذي اختاره القاضي والذي يتمثل بتطبيق العقوبة التي حددها القانون لهذا التكييف والخطأ في اختيار النموذج القانوني المتطابق مع الواقعة يؤدي حتما إلى خطأ في تطبيق القانون، والقاضي عند إثبات الركن المادي والركن المعنوي للجريمة يمارس سلطته في تقدير وجود هذه الوقائع من عدمها.

كما أن تقدير القاضي للوقائع يكون من خلال اقتناع القاضي بهذه الأدلة أو نفيها، وهو في تقديره للوقائع وإثباتها يقوم بذلك وفق المنهج والطريق الذي رسمه له القانون والإجراءات المحددة وهي بمثابة القيود والشروط اللازمة للإثبات، فمخالفة القاضي لهذه القيود تعد مخالفة للقانون، أما إذا خلا الحكم من خطا في هذه الإجراءات وارتبط هذا الخطأ في تقدير الدليل فإن الخطأ يكون في دائرة الاقتناع الذاتي للقاضي ([106]).

فالخطأ قد يكون في إجراءات الإثبات كما قد يكون خطا في التكييف لما أثبته من وقائع الادعاء أو في تطبيق النص العقابي كل هذا يعد خطأ في القانون، أما إذا كان الخطأ في التقدير على الرغم من صحة وموافقة الإجراءات التي اتخذها القاضي للقانون فإن الخطأ يكون في قناعة المحكمة الذاتية.

نخلص مما سبق أن الاعتراف في الدعوى الجزائية هو دليل للإثبات تخضع قيمته لتقدير محكمة الأساس، وذلك وفقاً لمبدأ الاقتناع القضائي وخضوع الاعتراف لمطلق تقدير المحكمة، إذ تتمتع المحكمة بسلطة تقديرية مطلقة لقبول أو عدم قبول اعتراف المتهم، كما أن تطور العلم الجنائي وعلم النفس أظهر إن الإقرار لا يكشف دوماً الحقيقة، إذا فالاعتراف كدليل في الإثبات الجزائي هو من عناصر الاستدلال التي تملك المحكمة كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات.

المطلب الثاني
بطلان إجراءات التحقيق

إن الإجراء الجزائي يتمثل في كونه نواة الخصومة، يتمثل بكل إجراء يتخذ في سبيل بلوغ الدعوى الجزائية غايتها، وذلك بالكشف عن الحقيقة الواقعية فيما يتعلق بالجرم الواقع ومدى نسبته إلى المتهم، ويتمثل ذلك بالحكم الجزائي الصادر وتتعدد هذه الإجراءات وتتنوع في كافة مراحل الخصومة الجزائية ([107])، والبطلان يتمثل في كونه جزاء يتقرر في حالة مخالفة القاعدة الإجرائية للمقومات والعناصر أو لشروط صحتها، والمترتب عليه تجريده من القيمة القانونية وتعطيل دورة في تحريك الدعوى الجزائية.

بناءً عليه سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين، سنتناول في الفرع الأول: نظرية البطلان في التشريع العراقي والمقارن، ثم ننتقل لنتناول في الفرع الثاني: أثر بطلان الإجراءات التحقيقية وتصويبه.

الفرع الأول
نظرية البطلان في التشريع العراقي والمقارن

تركز غالبية التعريفات الواردة في تعريف البطلان على فكرة تعتبر البطلان جزاء يترتب على إجراء يخالف القانون ([108])، حيث إن البطلان هو الجزاء الإجرائي الذي يهدف سلب العمل الإجرائي الجوهري فاعليته في إحداث آثاره القانونية لمخالفته أحكامه القانونية الموضوعية والشكلية ([109])، أما البطلان قانوناً هو جزاء إجرائي لحق الإجراءات المتخذة خلاف أوامر القوانين ونواهيها يعدم أثارها المترتب عليها ([110])، فهو جزاء يرد على العمل الإجرائي المخالف لبعض القواعد الإجرائية فيصادر آثاره القانونية، وتظهر عملية البطلان أنه يعد سلاحاً للرقابة القضائية، وهو السبيل على تأكيد احترام حقوق وضمانات الإنسان، فهو الرادع للقائم بالعمل الإجرائي لأنه يعلم أنه إذا قام بالإجراء على نحو يخالف به أوضاعه وشروطه كان مصيره البطلان ([111]).

أولاً- مذاهب البطلان:

اختلف الفقهاء في تحديد نماذج القواعد الإجرائية التي تترتب عنـد البطلان، وقد ظهر تياران يمثلان السياسات الجزائية الاتي:

  • مذهب البطلان المطلق:

سمي هذا المذهب بالمطلق لأنه يتعلق بمصلحة المجتمع المحمية التي يبتغي المشرع طبقا لمقاصده التشريعية من النص أو اعتبارها في نصوصه، ومقتضاه أن البطلان يقع نتيجة لمخالفة القواعد الإجرائية الجزائية جميعها، التي تنظم إجراءات الخصومة، وبمقتضى هذا المذهب أن القانون يفرض الشروط والأشكال ومراعاة لأهميتها في تحقيق الغاية من القاعدة الإجرائية، فمخالفتها يكون مصيره البطلان بغير استثناء ([112]).

ويسمى أيضاً بمذهب البطلان الإلزامي المطلق، فالقانون لا يفرض مراعاة الأشكال إلا مراعاة لأهميتها في تحقيق دور الخصومة فيتعين تقرير البطلان جزاء تخلفها جميعاً ([113])، ومحل البطلان هو العمل الإجرائي الجنائي، باعتبار أن البطلان جزاء إجرائي يترتب على الإخلال بالقواعد المنظمة لشروط صحة العمل الإجرائي الجنائي، وهذا العمل الإجرائي هو موضوع الخصومة الجنائية ولهذا فان محل البطلان هو الخصومة الجنائية التي تقع خلالها عمل إجرائي جنائي مخالف لشروطه الأساسية.

كما أن ميزة هذا المذهب أن حالات البطلان محددة بوضوح، فيحول دون تحكم القضاة في تقدير الأشكال الجوهرية وغير الجوهرية، ومع ذلك فانه يعيبه الإسراف في التقيد بالأشكال بما يؤدي إلى الإفراط في توقيع البطلان، وإلى تغلب الشكل على الموضوع في أغلب الحالات، وهذا المذهب بطبيعة الحال لا يلائم الإجراءات الجنائية التي يجب أن تتصف بالسهولة والبعد عن التعقيد وبحيث تؤدي إلى سرعة تحقق أغراض الخصومة ([114]).

  • البطلان القانوني:

سمي هذا المذهب بالبلطان القانوني لأنه لا بطلان بدون نص قانوني، ومقتضاه أن المشرع هو الذي يتولى بنفسه تحديد حالات البطلان، إذ لا يجوز للقاضي أن يقرر البطلان في غير هذه الحالات، وميزة هذا المذهب أنه يحول دون تحكم القاضي وتعسفه في تحديد أحوال البطلان، وأما عيب هذا المذهب فهو قيامه على تنبو المشرع سلفاً بأحوال البطلان، مع أنه من المتعذر أن يوفق المشرع في تحديد أحواله بشكل مطلق ([115])، والذي يقرر البطلان طبقا للأحوال التي ينص عليها القانون فحسب، ويترتب على ذلك نتيجتين:

1- من غير الجائز للقاضي أن يقوم بتقرير البطلان كجزاء لمخالفة إحدى القواعد حالة لم ينص المشرع على ذلك.

2- لا يملك القاضي سلطة التقدير فيما يتعلق بالبطلان، فلا يجوز للقاضي ألا يقرر بطلان الإجراءات التي نص عليها المشرع، والمشرع وحده هو من يمتلك الصلاحية في تحديد الأحوال التي يتم توقيع جزاء البلطان فيها، ولا يمتلك القاضي أن يضيف أو ينقص حالات منها، فلا مجال للاجتهادات أو الخلاف بالرأي في هذه الأحوال، إذ يمكن أن ينتج عنه تناقض الأحكام القضائية، واستبعد المشرع السلطة التقديرية للقاضي تماماً، وأوضح الطريق أمام المخاطبين بقواعد الإجراءات الجنائية ([116]).

 إلا أنه يعيب هذا المذهب صعوبة حصر حالات البطلان، لكثرة المخالفات الجسيمة وعدم وجود نص بذلك، واستحالة تنبؤ المشرع سلفاً بجميع الحالات التي تقتضي العدالة الحكم بالبطلان، فقد تكون هناك حالات تستوجب البطلان لم ينص عليها الشارع، فلا يستطيع القاضي الحكم بالبطلان فيها، وهذا يؤدي إلى التعارض مع المصلحة العامة، كما قد تكون هناك حالات يقرر القانون البطلان فيها، ولكن يتبين للقاضي بالنظر إلى ظروف الواقعة أنه لا مقتضى لهذا البطلان ([117]).

  • البطلان الذاتي:

يطلق عليه مذهب البطلان الجوهري، ومقتضاه أنه لا يشترط لتقرير البطلان النص عليه، صراحة كما في البطلان القانوني، بل يكفي لذلك مجرد عدم مراعاة الأعمال والأشكال الجوهرية، ووفقاً لهذا المذهب فإن بطلان أي إجراء من إجراءات الدعوى لا يتوقف على وجود نص قانوني، فالمشرع وفقاً لهذه النظرية لا يحدد حالات البطلان، وإنما يترك للقاضي تقریره ([118]).

يتمثل البطلان الذاتي في كونه الذي يترتب على مخالفة قاعدة جوهرية من قواعد قانون الإجراءات ولو لم يقرر المشرع البطلان جزاء له، فالمشرع وفقاً لهذا المذهب لا يحدد حالات البطلان، وإنما ترك السلطة التقديرية للقاضي ليحدد مدى جسامة المخالفة التي يترتب عليها الحكم بالبطلان، ويستند القاضي في تقديره إلى معيار محدد يقوم على التفرقة بين القواعد الإجرائية الجوهرية والقواعد الإجرائية غير الجوهرية، ثم يحكم بالبطلان على مخالفة الإجراء الجوهري دون مخالفة الإجراء غير الجوهري ([119]).

  • نظرية لا بطلان بدون ضرر:

يرى هذا المذهب عدم القضاء بالبطلان إلا إذا رأى القاضي أن العيب الإجرائي قد أصاب بالضرر الطرف الذي يطلب بالبطلان، ويستوي في ذلك أن يكون القانون قد نص على أحوال القانون، أو ترك للقاضي أمر تحديد هذه الأحوال، وقد أخذ بهذا المذهب قانون الإجراءات الفرنسي بموجب تعديل عام 1993، والقانون الصادر في 30/ كانون الأول / 1996، الذي جعل من الضرر مناط البطلان بنوعية البطلان القانوني والبطلان الذاتي، دون اشتراط الضرر فيما لو كان البطلان متعلقا بالنظام العام ([120]).

ثانياً-ذاتية البطلان:

يتمثل البطلان في كونه من أهم الإجراءات المترتبة في الإخلال بإجراءات التحقيق، وهو ليس الإجراء الوحيد في نطاق العملية الإجرائية وهناك عدة أنظمة تماثل البطلان متمثلة بالانعدام والسقوط وعدم القبول، فالانعدام يتمثل في كونه الجزاء الإجرائي الذي يتوجب في حالة تخلف وجود العمل الإجرائي وجوداً صحيحاً منتجاً لأثاره لتخلف عناصر وجوده ([121])، فلا حاجة الطعن في الحكم المعدوم للتوصل إلى إلغائه وإنما يكفي مجرد إنكار وجوده فور التمسك به.

فالبطلان والانعدام يتشابهان في أن كليهما يترتب عليه إهدار الآثار القانونية للإجراء المعيب، ويفترقان في أن الانعدام يتقرر في حالة فقدان أحد مقومات الإجراء أي ركن أساسي من أركان انعقاده، أما البطلان فيتقرر عند عدم توافر الشروط اللازمة لصحة الإجراء، وهو ما أقرته محكمة التمييز الاتحادية العراقية ([122]).

أما السقوط فهو أن يتم منع القيام بأحد الأعمال أو مجموعة من الأعمال الإجرائية وذلك في حالة عدم مراعاة المدد القانونية المقررة لها ([123])، ويعني كذلك أحد الجزاءات الإجرائية التي تمس حقوق الخصم في القيام بإجراء ما وذلك لمخالفته المهلة القانونية، حيث أن السقوط هو عقوبة إجرائية تحرم الفرد من القيام بإجراء محدد، ويختلف عن البطلان من حيث أن البطلان يمس العمل الإجرائي نفسه، أما السقوط فيرد على الحق في مباشرة العمل الإجرائي.

كما أن الإجراء غير المعيب في أصله قد يفتقر إلى أحد الافتراضات الإجرائية التي يتطلبها القانون لجواز اتخاذه، فالإجراء غير المقبول هو إجراء صحيح ما لم تتوفر واقعة مستقلة وسابقة عليه، فيعلق القانون عليها جواز اتخاذه فالدافع بعدم قبول الدعوى هو الدافع الذي يرمي إلى الطعن بعدم توافر الشروط اللازمة لسماع الدعوى ([124])، فعدم القبول هو جزاء إجرائي يرد على الدعوى الجنائية أو الطلبات التي يتقدم بها الخصوم لتخلف الشروط اللازمة لإمكان نظر المحكمة في الموضوع المعروض أمامها ([125]).

يتضح من المقارنة في التشريعات لمقارنة أن المشرع اللبناني لم يضع بطبيعة الحال نظرية عامة للبطلان، وإنما اقتصر على النص على حالات معينة على البطلان، وذلك بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني ([126])، وعليه يتبين أنه فضل الاقتراب من البطلان القانوني، أما المشرع المصري فقد عالج موضوع البطلان في مواد قانون الإجراءات المصري وأخذ بكل من نظريتي البطلان القانوني ([127]) والذاتي ([128])، أما بالنسبة للمشرع العراقي فقد اتجه بجانب كبير إلى الأخذ بالبطلان الذاتي، وذلك في مضمون نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي ([129]).

إذ يتضح من عبارة “خطأ جوهري في الإجراءات” الوارد في القانون العراقي أن المشرع العراقي أخذ بمذهب البطلان الذاتي، فلا يمكن أن يتصور عدم وجود جزاء إجرائي على مخالفة القواعد ما لم يكن هناك جزاء على مخالفتها، وهذا الجزاء تقرره المحكمة التي يرفع إليها الطعن في قرار سلطة التحقيق أو في الحكم، وفي هذا نصت محكمة التمييز الاتحادية في العراق بأنه”، وحيث إن المحكمة حسمت الدعوى قبل استكمال تحقيقاتها فيها لذا قرر نقض كافة القرارات الصادرة في الدعوى أعلاه والتدخل تمييزاً بقرار الإحالة ونقضه وإعادة الدعوى إلى محكمتها لإتباع ما تقدم بيانه([130]).

الفرع الثاني
أثر بطلان الإجراءات التحقيقية وتصويبه

 القاعدة إن الإجراء المشوب بالبطلان لا تترتب عليه أثر البطلان إلا متى تقرر بطلانه وعلى ذلك فلا يوجد بطلان بقوة القانون، وهذه القاعدة مطلقة لا استثناء فيها ولو تعلق البطلان بالنظام العام، ومصدرها النظام القانوني الذي تعيش فيه الجماعة في العصر الحديث حيث لا ينال الفرد حقه بغير سلطة القضاء ولا يقتص لنفسه بنفسه([131])، وعندما يقرر القاضي بطلان إجراء معين فإنه يقد قيمته القانونية فلا يترتب عليه أثر قانوني، ويترتب على تقرير البطلان آثار مهمة فيها ما يتعلق بالإجراءات السابقة على الإجراء الباطل، ومنها ما يتعلق بالإجراءات اللاحقة عليه.

أولاً- أثر البطلان على الإجراء ذاته:

يترتب على بطلان الإجراء بطلان آثاره بل بطلان أهم آثاره، وهو الدليل الذي تم الحصول عليه من قبل مأمور الضبط القضائي نتيجة التفتيش، فيستبعد الدليل الذي نتج عن الإجراء الباطل، ولا يصح الاستناد عليه الإدانة المتهم، فكان ما تم العثور عليه لم يتم العثور عليه، ولا يستمد كذلك الدليل من اعتراف المتهم الذي حصل عليه بعد إجراء التفتيش الباطل([132])، ويتقرر البطلان بحكم من المحكمة، يقضي ببطلانه، ليكون للبطلان أثر، سواء أكان البطلان مطلقاً أم نسبياً، إلا أن البطلان المطلق يمكن التقرير به من تلقاء المحكمة، أما البطلان النسبي فيكون بناء على دفع من الخصوم، وعندما يتقرر بطلان الإجراء الجنائي، فلا يترتب أي أثر لذلك الإجراء الباطل، فإذا كان ذلك الإجراء يترتب عليه أثر معين، وتم إبطاله، فلا أثر لذلك الإجراء الباطل في ترتيب الأثر، ويستوي في انعدام الأثر القانوني للإجراء كون البطلان مطلقاً أو نسبياً، وينصرف هذا الأثر إلى الإجراء أياً كانت طبيعته ونوعه وبعبارة أخرى يعتبر الإجراء المعيب كان لم يكن.

ثانياً-أثر البطلان على الإجراءات السابقة:

لا يؤثر البطلان كعقوبة إجرائية على العمل الإجرائي إلا نتيجة عيب أثر في صحته، وبالتالي فإن البطلان لا يمتد إلا إلى الإجراءات التي تتبعه وما يترتب عليها من أعمال. آثار البطلان لا تمتد إليه ([133])، وتطبيقاً لذلك، لا يترتب على إلغاء الحكم أي أثر إلا فيما يتعلق بالحكم المبطل وآثاره والإجراءات اللاحقة. أما الأحكام السابقة التي حكمت بها محكمة الموضوع بشكل مستقل فلا يجوز لمحكمة الإحالة أن ترفعها مرة أخرى.

إن قاعدة عدم تأثير البطلان على ما سبق الإجراء الباطل من إجراءات قاعدة مطلقة لا استثناء فيها، وهي تتفق مع تكيف البطلان بأنه جزاء إجرائي ينال من العمل المعيب وما ترتب عليه من أعمال، وإذاً فلا يمتد البطلان إلى الإجراءات السابقة إلا في حالة العمل الإجرائي المركب الذي يتكون من عملين قانونيين وأكثر لا يصلح أحدهما لإنتاج الأثر القانوني دون غيره، فيؤدي بطلان العمل الثاني إلى بطلان العمل الأول الذي سبق دون أن يصل الأمر إلى حد الاستثناء من القاعدة السالفة بيانها.

ثالثاً- أثر البطلان على الإجراءات اللاحقة:

إذا كانت الإجراءات اللاحقة تمثل آثاراً ترتبت على البطلان مباشرة تعين كذلك بطلانها، ويعد ذلك تطبيقاً لأصل عام مؤداه أن روما بني على الباطل فهو باطل([134])، وزوال الآثار التي تترتب على الإجراء الباطل مباشرة يعني اعتبار هذا الإجراء كأن لم يكن، هذا يعني أنه يجب أن يكون هناك ارتباط بين الإجراءين يستلزم بطلان الإجراء اللاحق ، وإلا فلا يمكن القول أن الإجراء اللاحق باطل على الإطلاق، أو بعبارة أخرى إذا كانت الإجراءات اللاحقة للإجراء غير الصحيح لها استقلالية الكيانات وليست مرتبطة بالإجراء السابق، فلا تتأثر ببطلان الإجراء السابق وتظل سارية دون التأثير على مكان عدم الصلاحية هذا.

كما أن علاقة الارتباط هذه هي مسالة موضوعية تفصل فيها محكمة الموضوع، بالنظر إلى الظروف التي تم فيها تنفيذ العملين، ومدى تأثير العمل السابق على العمل اللاحق. والعكس صحيح، أي أن الإجراء اللاحق يجب أن يكون نتيجة للإجراء الأول، ويجب أن يكون الإجراء السابق سببًا للإجراء اللاحق ([135]).

رابعاً- أثر البطلان الناتج عن مخالفة قواعد الاختصاص:

إذا تم التحقيق من قبل قاضٍ أو جهة قضائية غير مختصة، جاز لجميع الخصوم أن يتذرعوا بعدم الاختصاص، ويطلب القانون من الخصم المرفوع أمامه أن يفصل في موضوعه وفق الأصول المقررة له، وبالمثل، يجوز لجميع المتقاضين الطعن بالنقض أو الاستئناف في جميع القرارات المتعلقة بمسائل الاختصاص، سواء كان ذلك الاستئناف بشكل مستقل أو بأوراق القضية، وحسب الاقتضاء ([136])، ويجوز للقرارات المتعلقة بمسائل الاختصاص. ينظر فيها القاضي أو المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على دفاع أحد الخصوم عن عدم الاختصاص، فمثلا لو باشر قاضي تحقيق الرصافة تحقيقا ما، ودفع أحد الخصوم بان التحقيق من اختصاص قاضي تحقيق آخر ورفض قاضي التحقيق في الرصافة هذا الدفع، فلهذا الخصم ولغيره من ذوي العلاقة أن يطعن بقرار الرفض هذا تمييزا أمام محكمة الجنايات المختصة ([137]).

إن قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي لم يوضح طبيعة قواعد في الاختصاص ولكن محكمة التمييز استقرت على اعتبار قواعد الاختصاص النوعي والشخصي من النظام العام، ولكن نرى المشرع انطلاقا من إن قواعد الاختصاص أحيان كثيرة يتم تمييزها، حيث لا يتضح للقاضي أو المحكمة أنها غير مختصة، إلا بعد أن تسير في التحقيق فترة طويلة وتباشر إجراءات عديدة، وخاصة إجراءات جمع الأدلة التي لا يمكن أعادتها كالتفتيش وضبط الرسائل وسماع أقوال شهود.

 كما أن الأخذ بقاعدة الأثر الكاشف للقرار المتعلق بمسائل الاختصاص يسبب ضرارا كبيرا بمصلحة العدالة، لذا نص المشرع العراقي على أنه “يحدد اختصاص التحقيق بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة كلها أو جزاء منها أو أي فعل متمم لها أو أية نتيجة ترتب عليها أو فعل يكون جزء من جريمة مركبة أو مستمرة أو متتابعة أو من جرائم العادة كما يحدد بالمكان الذي وجد المجني عليه فيه أو وجد فيه المال الذي ارتكبت الجريمة بشأنه بعد نقله اليه بواسطة مرتكبها أو شخص عالم بها “، وأتبعها بأنه ” لا تكون إجراءات قاضي التحقيق ولا قراراته باطلة بسبب صدورها خلافا لأحكام الفقرة (أ)”([138]).

إلا أن المقصود بوضوح بالاختصاص في النصوص السابقة هو الاختصاص المكاني فقط، باستثناء التخصصات الأخرى كالوظيفية والنوعية، حيث يؤدي أي انتهاك لقواعدها إلى بطلان، ويلاحظ أيضًا أن نطاق هذه القاعدة يقتصر على الحالات عدم الاختصاص في التحقيق بأكمله، لأن عواقبه خطيرة، حيث أنه يشمل جميع الإجراءات التي يقوم بها المحقق.

أما في حالة كون المحقق مختصًا بالتحقيق في القضية ، ولكنه تجاوز حدود اختصاصه في إجراء معين ، فإن هذا الإجراء وحده باطل ، وغير مشمول بالقاعدة السابقة ، حيث يعتبر باطلاً من وقت حدوثها وكذلك لمخالفته قواعد الاختصاص، وعلى سبيل المثال إذا قام قاضي التحقيق المختص بتفويض قاضٍ آخر غير مختص بتنفيذ التوقيف، ثم تجاوز هذا القاضي حدود هذه نيابة القاضي الأول بقيامه بالاستماع لأقوال  المراد القبض عليهم، والقيام بالتفتيش وباقي إجراءات التحقيق، فإن كل تلك الإجراءات تعد باطلة لأنها تمت بما يخالف قواعد الاختصاص وتجاوزت حدود النيابة المحددة بمباشرة إجراء معين([139]).

خامساً- تصحيح البطلان:

يحتل تصحيح البطلان أهمية بالغة بالنسبة للخصومة ولانتظام سيرها، خصوصا وأن أهم ما يتميز به التحقيق الابتدائي هو سرعة إنجازه، بغية حسم موضوع الدعوى الجزائية بأسرع وقت ممكن، ومن دون وجود العثرات والصعوبات في طريقها والتي يثيرها موضوع البطلان، وبغية الوصول إلى غايتها النهائية من دون وجود تعقيدات والتباسات كالتي يثيرها البطلان من مجرد هفوات بسيطة يمكن التغاضي عنها، ويمكن الاعتماد على ما أظهره الإجراء الباطل من نتائج على سبيل المعلومات للبحث عن أدلة أخرى ([140]).

ومن المسلم به قانوناً وفقهاً واجتهاداً أن تصحيح الإجراء الباطل جائز، ولا بد من تصحيح الإجراء الباطل بواسطة القاضي الذي له الحق في أن يصحح، الإجراء الباطل([141])، وتبدو أهمية تصحيح الإجراء الباطل حين يترتب عليه إبطال الإجراءات اللاحقة عليه، وبالتالي يكون للتصحيح فائدة كبيرة في عدم إهدار وقت الدعوى الجنائية ومواصلة سيرها من جديد، ومن أمثلة تصحيح الإجراء الباطل في التشريع اللبناني ما هو مقرر من أن للقاضي المنفرد الجزائي أن يصحح كل خطأ في إجراءات التحقيق ما دام هذا ميسوراً من الناحية القانونية، وكان الإجراء من شأنه أن يؤثر على الحكم([142]).

نخلص مما تقدم أن البطلان هو الجزاء الإجرائي الذي يهدف سلب العمل الإجرائي الجوهري فاعليته في إحداث آثاره القانونية لمخالفته أحكامه القانونية الموضوعية والشكلية، فهو جزاء يرد على العمل الإجرائي المخالف لبعض القواعد الإجرائية فيصادر آثاره القانونية، وتظهر عملية البطلان أنه يعد سلاحاً للرقابة القضائية، وهو السبيل على تأكيد احترام حقوق وضمانات الإنسان، ويترتب على بطلان الإجراء بطلان آثاره بل بطلان أهم آثاره وهو الدليل، ولا يؤثر البطلان كعقوبة إجرائية على العمل الإجرائي إلا نتيجة عيب أثر في صحته، فإذا كانت الإجراءات اللاحقة تمثل آثاراً ترتبت على البطلان مباشرة تعين كذلك بطلانها، وإلا فلا يمكن القول أن الإجراء اللاحق باطل على الإطلاق

الخاتمة

نخلص في ختام هذه الدراسة أنه إذا ما كانت العدالة غاية الغايات والقانون وسيلة المجتمع في إقراراها، فإن ضالة العدالة وهدفها ولا سبيل لإدراكها إلا بالبحث الحثيث عنها، من خلال الجهات والسلطات المختصة بمهمة البحث والتحقيق وتحقيق العدالة في المجتمع، فإثبات الحق له أهمية بالغة في ميزان العدالة، والحق دون دليل يسنده هو كالعدم، فالدليل هو الذي يدعم الحق ويجعله سندا، وتزداد هذه الأهمية فاعلية في مجال التحقيق الجنائي، ذلك أن الجريمة الواقعة تنتمي إلى الماضي وليس في وسع المحكمة أن تعاينها بنفسها وتتعرف إلى حقيقتها، ومن ثَمَّ يتعين عليها أن تستعين بوسائل تعيد أمامها رواية وتفصيل ما حدث.

إن القاضي الجنائي يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في الإثبات الجنائي فيما يتعلق بقبول وتقدير الأدلة، إلا أن هذه السلطة في الوقت نفسه ليست مطلقة من غير ضوابط، وإنما محاطة بمجموعة من الضوابط والضمانات التي تكفل ممارستها، ولا يحكم قاضي الموضوع في القضية المطروحة أمامه إلا بعد قناعته التي يبنيها على أدلة الإثبات واستخلاص اليقين منها، وأدلة الإثبات في القضايا الجنائية يجب أن تتسم بالمشروعية التي تنشأ عن أساليب التحقيق المشروعة.

كما أن حرية المتهم في التعبير أمراً معترفاً به في معظم التشريعات وتداخلت القوانين بالنص على ذلك صراحة دون أن تترك مجالا للشك، كما حددت الوسائل الغير مشروع استخدامها في مجال التحقيق الجنائي وأسست لمعايير وضوابط تهدف لتحديد مقدار الضغط والعنف الذي يعد مثراً على إرادة المتهم وبالتالي يشوب الأدلة التي يتم استحصالها منه بموجب هذا التحقيق عدم المشروعية ولا يجوز الأخذ بها.

كذلك لم يكتف المشرع بوضع قوانين وأصول للتحقيق فقط، بل ذهب إلى ابعد من ذلك حيث قرر فرض عقوبات جنائية على الذين يخالفون هذه القوانين، إلى جانب ذلك عدت الإجراءات المتبعة خلافا للقانون غير صحيحة ولا تترتب عليها أية نتيجة يمكن أن يعتد بها في الإثبات، إن هذا الحق لم يتقرر للمتهم لمجرد احترام شخصيته أو لحماية معالمه، بل لتحقيق عدالة كاملة أيضا، فما دام المتهم لا يكره على الاعتراف فإن أقواله ستكون تلقائية وتصبح أقرب للحقيقة ولها قيمة أكبر في الدعوى.

أما الاعتراف الذي يحصل عليه بطريقة غير مشروعة، فتكون في العادة أقوالا غير موثوق بصحتها حيث أن المتهم إذا أجبر على الاعتراف فليس هناك ما يضمن صدق أقواله، كما أن هناك من القيم والمبادئ التي تمليها الإنسانية والكفاءة وتمليها أحكام القانون الطبيعي، ومن أهمها القواعد التي تفرضها على نفسها هي عدم قبول الأدلة في الدعوى إذا كان قد تم الحصول عليها بشكل غير مشروع.

فإن كل قرينة أو دليل يستدل عليه بوسائل غير قانونية يجب أن يستبعد ولا يجوز الركون إليه في الدعوى، وبالتالي فإن النتائج التي تترتب عليها تكون باطلة استنادا إلى مبدأ شرعية الأدلة حيث لا يصح أن تفهم على أساس تقديرها بحد ذاتها كذلك من ناحية الأسلوب الذي تم التوصل إليه، وعلى هذا الأساس فإن الاستجواب لكي يكون صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية لا يكفي توافر واستيفاء ضماناته فحسب بل يجب أن يكون خالياً من كل عيب يؤثر في صحته.

لقد توصلنا في نهاية هذه الدراسة إلى جملة من النتائج والتوصيات والتي جاءت كما يلي:

أولاً-النتائج:

  1. تعتبر عملية الإثبات من أكثر المواضيع أهمية في الإجراءات الجنائية، حيث أنه لا سبيل لدى المحكمة لمعاينة الجريمة التي وقعت في الماضي وتتعرف على حقيقتها، بل تستعين في ذلك بالوسائل التي تعيد حقيقة الأحداق أمامها وهي وسائل الإثبات والأدلة الناتجة عن التحقيق الجنائي ومن هنا تنطلق أهمية ومركزية مرحلة التحقيق.
  2. إن المتهم لم يلاقي تعريفاً واضحاً في التشريعات العربية وإنما اعتمد المشرع على الفقه والقضاء لتعريف المتهم، وهو ما سار المشرع العراقي على نهج غالبية التشريعات العربية، أما قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني فقد أورد إشارة إلى تعريف المتهم وخصصه بمن تقام بحقه دعوى الحق العام إذا اتهم بجناية، ويتعين لاكتساب هذه الصفة تحقق عدد من الشروط المحددة.
  3. يشكل التحقق الجنائي مجموعة من الإجراءات القضائية تمارسها سلطات التحقيق بالشكل المحدد قانونا، بغية التنقيب عن الأدلة بشأن جريمة ارتكبت، وتجميعها ثم تقديرها لتحديد مدى كفايتها في إحالة المتهم إلى المحكمة، ويهدف إلى أثبات حقيقة وقوع الجريمة، وبيان كيفية وقوعه، وكشف أسباب الجريمة، ومعرفة مرتكبها.
  4. حصل جدل فقهي حول تحديد الطبيعة القانونية للاستجواب، فقد اعتبره اتجاه بأنه وسيلة إثبات، فيما اعتبره فريقٌ آخر بأنه وسيلة دفاع، إلا أنَّ الراجح في الفقه الجزائي هو أنَّ للاستجواب طبيعة ممزوجة فهو ليس فقط وسيلة من وسائل الحصول على دليل فقط أو وسيلة دفاع عن المتهم فقط إنما هي وسيلة سعي إلى الكشف عن الحقيقة وتتحدد مشروعيته بعدد من الشروط الواجبة التحقق فيه.
  5. يقصد باعتراف المتهم إقراره على نفسه بالتهمة المنسوبة إليه، وينصب اعتراف المتهم على الوقائع المكونة للجريمة كلها أو بعضها، وقد استخدم المشرع العراقي مصطلحين في القانون وهما (الاعتراف) و (الإقرار)، وقد وضعت للاعتراف قواعد وشروط تتفق ومكان الصدارة الذي يحتله هذا الدليل بين أدلة الإثبات، وشروطه هي صدور الاعتراف عن إرادة حرة، ووضوح الاعتراف ومطابقته للحقيقة، وتوفر الأهلية الإجرائية لدى المعترف.
  6. إن الاستجواب سلاح ذو حدين وأنه إجراء خطير، فقد يؤدي إلى اعتراف المشتبه به بالتهمة الموجهة إليه، كما قد يؤدي إلى نفيها، ويعد الضمان القضائي خير ضمان لحماية الحقوق والحريات، كما يعد حق الدفاع من أهم الإجراءات التي يجب مراعاتها أثناء الاستجواب، وضمانات المتهم في الإجراءات الاحتياطية من الأمور واعتبارات تتعلق بضمان سلامة التحقيق تستطيع سلطة التحقيق اتخاذ بعض الأوامر الاحتياطية الماسة بحرية المتهم.
  7. تأخذ كل التشريعات الجزائية بحرية المتهم في الإجابة وحقه في التزام الصمت، ولكنها تختلف من حيث صراحة النص، ومن هذه التشريعات التي تنص صراحة على حق المتهم في الصمت، قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، وقانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، وصمت المتهم لا يعني بتاتاً أنه مذنب بل يعد مظهراً من حرية الدفاع عن النفس.
  8. نظراً إلى أن أغلب القوانين جاءت بضمانات للتحقيق مع المتهم حتى تخرج بأدلة خالية من كل تأثير مادي أو معنوي، ومن أهم صور هذا التأثير العنف، وإرهاق المتهم بالاستجواب المطول، والاستعانة بكلاب بوليسية، الاعتراف تحت تأثير التنويم المغناطيسي، والاعتراف الناتج عن تناول عقاقير مخدرة، الاعتراف نتيجة استخدام جهاز كشف الكذب، كما يتخذ التأثير المعنوي على المتهم لحمله على الاعتراف عدة صور أهمها الوعد أو الإغراء، والتهديد تحليف المتهم اليمين الحيلة والخداع.
  9. يترتب على مخالفة ضمانات التحقيق وحقوق المتهم بطلان الإجراءات المخالفة، وقد منح المشرع للقاضي الجزائي سلطة واسعة في تقدير الأدلة والأخذ فيها، وأعطى لمحكمة التمييز الرقابة على اقتناع القاضي بالأدلة، إضافة لمنحها سلطة محكمة الموضوع بإدانة المتهم.

ثانياً-التوصيات:

  1. ترسيخ النصوص التي توجب على كافة المحاكم في قانون أصول المحاكمات الجزائية وعند التعرض للمسائل غير الجزائية التمسك بأصول وطرق الإثبات المقررة في قانون الإثبات، والعمل على المزيد من الإيضاح والتحديد فيما يتعلق بنطاق ومدى قناعة القاضي الجزائي في الأخذ بالأدلة الجزائية.
  2. تضمين قوانين أصول المحاكمات الجزائية تعريفاً معتمداً للاعتراف (الإقرار) وتوحيد اللفظ الدال عليه، وتضمين هذا التعريف كافة عناصر وشروط الصحة المعتمدة والتي تشكل ضمانات للاستجواب والتحقيق، وتعريف المتهم وتحديد من يطبق عليه هذه الصفة حمايةً لحرية الأفراد وحقوقهم، وتأكيداً على شرعية الإجراءات.
  3. حرضاً على الحصول على نتائج واقعية وحقيقية من التحقيق يفضل النص في القانون العراقي والمقارن على وجوب تدعيم الاعتراف بأدلة أخرى، وعدم صحة الاستناد إليه منفرداً، لمواجهة حالات الضغط والتعذيب غير المكشوفة التي قد يتعرض لها المتهم، والتركيز على سلطة محكمة التمييز في تقدير قرارات محكمة الموضوع ومراجعتها.
  4. التأكيد على حق المتهم في الصمت وترسيخه في مناهج التدريب العملي والقانوني الخاص بالمحققين وقضاة التحقيق، والحرص على ترسيخ عدم مشروعية وسائل التعذيب والضغط غير المبرر وغير العادل على المتهمين، وضمان صحة محاضر وأوراق التحقيق، وصحة وشرعية التواقيع الموجودة عليها، وضرورة إعلام المتهم بحقه في الامتناع عن الإجابة وحقه بالاستعانة بمحامي، وأهمية تواجد المحامي مع موكله في التحقيق.
  5. العمل على تضييق الفجوة ما بين النظرية والتطبيق فيما يتعلق بالمنهج التحقيقي المعول به في الميدان العملي، وذلك من خلال إيجاد هيئة رقابية متخصصة تقوم على متابعة سير إجراءات التحقيق، وضبط الوسائل المستخدمة المنهج التحقيقي المختار، وقياس مدى تطابقها مع قواعد التشريع القضائي التي تسعى للكشف عن الحقائق المتعلقة بالجريمة وإصدار الحكم القضائي الذي يضمن تحقيق العدالة.
  6. متابعة تطور ومستجدات الوسائل التي يستخدمها المحققون للكشف عن الحقائق المتعلقة بالجريمة، ومراعاة حساسية الإجراءات المتعلقة بأساليب التحقيق المرتبطة بحقوق الإنسان خاصة في ظل وجود الكم الهائل من أساليب الابتكار وخصوصية كل حالة من حالات الاتهام، والتقدم العلمي والتطور التقني الذي أحرزته وسائل الكشف فيما يتعلق بعلوم الإثبات الجنائي.

([1]عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريمة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2015، ص399.

([2]عبد الستار سالم الكبيسي، ضمانات المتهم قبل وأثناء المحاكمة، منشورات الحبي الحقوقية، بيروت، 2013، ص373.

([3]احمد المهدي وأشرف الشافعي، الحبس الاحتياطي والإجراءات المترتبة عليه، دار العدالة، القاهرة، 2006، ص 23.

([4])علاء عبد الحسن جبر السيلاوي، تعذيب المتهم في المنظورين القانوني والشرعي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2014، ص91. 

([5]جلال حماد عرميط الدليمي، ضمانات المتهم في إجراءات التحقيق الابتدائي المقيدة لحريته والماسة بشخصه، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2015، ص60.

([6]شهلاء بنيامين باتو، سلطة المحكمة الجزائية في تقدير الاعتراف (دراسة مقارنة)، مكتبة السنهوري، بغداد، 2019، ص149.

([7]ناديه مصطفى حسين الحمداني، التعسف في إجراءات التحقيق الجزائية، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، 2020، ص65.

([8]المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966.

([9]سردار علي عزيز، ضمانات المتهم أثناء الاستجواب، المركز القومي للإصدارات القانونية، 2014، ص73.

([10]مراد أحمد فلاح العبادي، اعتراف المتهم وأثره في الإثبات (دراسة مقارنة)، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2005، ص83.

([11]المادة (3) من قانون 8/ كانون الأول / 1897 في فرنسا، يراجع: سيف محمد نعمة العوادي، سلطة قاضي التحقيق في مباشرة التحقيق الابتدائي، أطروحة دكتوراه، جامعة المنصورة، 2020، ص16.

([12]المادة (332) والمادة (333) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لعام 1969 المعدل، والمادة (367) من قانون العقوبات اللبناني رقم (340) لعام 1943 المعدل.

([13])  حكم محكمة التمييز الجزائي في لبنان رقم 277/2012، الصادر بتاريخ 2/10/2012، منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، متاح على الرابط الإلكتروني: http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID= ، تاريخ الزيارة: 5/4/2023.

([14]) حكم محكمة التمييز الجزائي في لبنان رقم 282/2003، الصادر بتاريخ 18/11/2003، منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، متاح على الرابط الإلكتروني: http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID= ، تاريخ الزيارة: 5/4/2023.

([15])  حكم محكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم 1187/الهيئة الموسعة الجزائية/2022، والصادر بتاريخ 26/12/2022، منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.2755/ ، تاريخ الزيارة: 5/4/2023.

([16]المادة (70) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([17])  المادة (34) والمادة (35) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([18]المادة (123) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([19])  المادة (123) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل، والمادة (41) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([20])  المادة (77) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([21])  المادة (78) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([22]عبد الأمير العكيلي وسليم حربه، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، المكتبة القانونية، بغداد، 2008، ص158.

([23]أحمد فتحي سرور، أصول السياسة الجنائية، المجموعة العلمية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2021، ص155.

([24]المادة (۱۲۷) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([25]ضياء عبد الله عبود جابر الجابر الأسدي ومروة شاكر حسين، المتهم ومبدأ البراءة في قانون أصول المحاكمات الجزائية (دراسة مقارنة)، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2018، ص152.

([26]مازن خلف ناصر، أصول التحقيق الجنائي، مكتبة السنهوري، بغداد، 2018، ص283.

([27]المادتين الأولى والخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك المادة (۷) من الاتفاقية بشأن الحقوق المدنية والسياسية

([28]علاء عبد الحسن جبر السيلاوي، تعذيب المتهم في المنظورين القانوني والشرعي، مرجع سابق، ص109.

([29]المادة 1/37/ج من الدستور العراقي لعام 2005، والمادتين (7 و8) من الدستور اللبناني لعام 1926 المعدل.

([30]المادة (127) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل، والمادة (61) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([31])  الفقرة (ب) من الأسباب الموجبة لقانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([32]مازن خلف ناصر، أصول التحقيق الجنائي، مرجع سابق، ص288.

([33]أحمد خالد حسن الساعدي، حق المتهم في الصمت في قانون الإجراءات الجنائية، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2022، ص115.

([34]أبطل الاعتراف الناتج عن الوعد في حكم المادة (127) من القانون أصول المحاكمات الجزائية حيث منع استعمال الوعد والإغراء للتأثير على المتهم للحصول على إقراره.

([35]المادة (129) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([36]سيروان شكر سمين، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي (دراسة مقارنة)، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2020، ص241.

([37]المادة (126) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([38]المادة (168) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل، والمادة (31) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([39]رمزي رياض عوض، سلطة القاضي الجنائي في تقدير الأدلة (دراسة مقارنة)، دار النهضة العربية، القاهرة، 2004، ص126.

([40]المادة (38) من الدستور العراقي الجديد لسنة 2005، والمادة (7) والمادة (13) من الدستور اللبناني لعام 1926 المعدل.

([41]عبد الأمير العكيلي، أصول الإجراءات الجنائية في قانون أثول المحاكمات الجزائية، ص350.

([42]زين العابدين ومحمد إبراهيم زيد، الأساليب العلمية الحديثة في مكافحة الجريمة، المكتب العربي لمكافحة الجريمة، بغداد، 2000، ص65.

([43]أحمد فتحي سرور، الوسيط في شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020، ص483.

([44]) صباح سامي داوود، المسؤولية الجنائية عن تعذيب الأشخاص، دراسة مقارنة، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2016، ص 56.

([45]) صباح سامي داوود، المسؤولية الجنائية عن تعذيب الأشخاص، مرجع سابق، ص147.

([46]) علاء زكي، جرائم الاعتداء على الأشخاص جرائم القسم الخاص في قانون العقوبات، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، 2014، ص184.

([47]) أحمد حسوني جاسم العيثاوي، بطلان إجراءات التحقيق الجنائي في مرحلة التحقيق الابتدائي، الطبعة الأولى، المكتبة القانونية، بغداد، 2012، ص 182.

([48]) المادة (333) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لعام 1969 المعدل.

([49]) المادة (401) من قانون العقوبات اللبناني رقم 340 لعام 1943 المعدل.

([50]) جمال محمد مصطفى، التحقيق والإثبات في القانون الجنائي، مطبعة الزمان، بغداد، 2004ـ ص 123.

([51]) فخري عبد الرزاق صلبي الحديثي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، ط1، دار السنهوري، 2016، ص174.

([52]) المادة (29) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لعام 1969 المعدل.

([53])  حكم محكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم 269/2012، الصادر بتاريخ: 19/11/2012، منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.2033/ ، تاريخ الزيارة: 10/4/2023.

([54]) المادة (249/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971 المعدل، والمادة (296) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([55]) جمال محمد مصطفى، التحقيق والإثبات في القانون الجنائي، مرجع سابق، ص 143.

([56]) صباح سامي داوود، المسؤولية الجنائية عن تعذيب الأشخاص، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص180.

([57]) نجيب خلف احمد الجبوري، القانون الإداري، دار المسلة، بغداد، 2022، ص 186.

([58]) جبار كاظم الصجيري، جريمة التعذيب في قانون العقوبات، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2015، ص102.

([59]) فقد نصت المادة (40) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لعام 1969 المعدل على ((لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أو شخص مكلف بخدمة عامة في الحالات الآتية: أولاً: إذا قام بسلامة نية تنفيذاً لما أمرت به القوانين أو أعتقد أن أجراؤه من اختصاصه. ثانياً: إذا وقع الفعل منه تنفيذاً لأمر صادر إليهم من رئيس تجب عليه طاعته أو اعتقد أن طاعته واجبة. ويجب في الحالتين أن يثبت أن اعتقاد الفاعل بمشروعية الفعل كان مبنياً على أسباب معقولة وأنه لم يرتكبه إلا بعد اتخاذ الحيطة المناسبة، ومع ذلك فلا عقاب في الحالة الثانية إذا كان القانون لا يسمح بمناقشة الأمر الصادر اليه)).

([60]) عاصم شكيب صعب، القواعد العامة في القواعد الجزائية في ضوء الاجتهاد القضائي، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009، ص 154.

([61]) المادة (46) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لعام 1969 المعدل، وفي سياق الدفاع المشروع المادة (417) من قانون العقوبات اللبناني رقم (430) لعام 1943 المعدل.

([62]) علاء زكي، جرائم الاعتداء على الأشخاص جرائم القسم الخاص في قانون العقوبات، مرجع سابق، ص 193.

([63]) المادة (45) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لعام 1969 المعدل.

([64]) المادة 228 من قانون العقوبات اللبناني رقم 340 لعام 1943 المعدل.

([65]) محمد مدلول حسين، أداء الواجب كسبب للإباحة في التشريع العراقي، دار الجواهري للنشر والتوزيع، بغداد، 2015، ص159.

([66]) عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2022، ص 162.

([67]) عبد الستار سالم الكبيسي، ضمانات المتهم قبل وأثناء المحاكمة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2013، ص 166.

([68]) وهذا ما نصت عليه المادة 227 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971.والمادة 107 من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لعام 1970.

([69]) عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، مرجع سابق، ص 172.

([70]) المادة (215/ف2) من القانون المدني العراقي رقم 40 لعام 1951 المعدل.

([71]) وهذا ما نصت عليه المادة 1/215 من القانون المدني العراقي رقم 40 لعام 1951 المعدل: (1 – يضاف الفعل إلى الفاعل لا الأمر ما لم يكن مجبراً على أن الإجبار المعتبر في التصرفات الفعلية هو الإكراه الملجأ وحده).

([72]ضياء عبد الله عبود جابر الجابر الأسدي ومروة شاكر حسين، المتهم ومبدأ البراءة في قانون أصول المحاكمات الجزائية (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، ص146.

([73]جمعة فرج خلف، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق (دراسة مقارنة)، المكتبة القانونية، بغداد، 2019، ص147.

([74]) عبد الأمير العكيلي وسليم حربه، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، مرجع سابق، ص 120.

([75])  حكم محكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم 24/الهيئة الموسعة الجزائية/2019، الصادر بتاريخ: 27/2/2019، منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.2452/ ، تاريخ الزيارة: 15/4/2023.

([76]) سلطان الشاوي، أصول التحقيق الإجرامي، دار السنهوري، بغداد، 2018، ص162.

([77]) حامد الشريف، اعتراف المتهم، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2012، ص243.

([78]) نشأت أحمد نصيف الحديثي، وسائل الإثبات في الدعوى الجزائية، صباح صادق جعفر الأنباري، بغداد، 2014، ص 243.

([79]) عادل مشموشي، ضمانات حقوق الخصوم خلال مراحل ما قبل المحاكمة الجزائية، الطبعة الأولى، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2006، ص 382.

([80]) نشأت أحمد نصيف الحديثي، وسائل الإثبات في الدعوى الجزائية، مرجع سابق، ص276.

([81]) سلطان الشاوي، أصول التحقيق الإجرامي، مرجع سابق، ص 199.

([82]) عفيف شمس الدين، أصول المحاكمات الجزائية، منشورات زين الحقوقية، لبنان، 2001، ص 286.

([83]) جمال محمد مصطفى، شرح قانون أصول المحاكمات العراقي، مرجع سابق، ص 259.

([84]) عبد الأمير العكيلي وسليم حربه، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، مرجع سابق، ص232.

([85]) عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريم، مرجع سابق، ص 325.

([86]) طه زاكي صافي، الاتجاهات الحديثة للمحاكمات الجزائية، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2003، ص 349.

([87]المادة (249) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([88])  حكم محكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم 662/الهيئة الموسعة الجزائية/2021، الصادر بتاريخ: 26/10/2021، منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.2632/ ، تاريخ الزيارة: 20/4/2023.

([89]المادة (181/د) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل بقولها: «إذا اعترف المتهم بالتهمة الموجهة إليه واقتنعت المحكمة بصحة اعترافه وانه يقدر نتائجه فتستمع إلى دفاعه وتصدر حكمها في الدعوى بلا حاجة إلى دلائل أخرى …”.

([90]المادة (213) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([91]المادة (181) والمادة (212) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([92]المادة (212) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([93]المادة (213) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([94]الفقرة (د) منالمادة (181) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([95]مراد أحمد فلاح العبادي، اعتراف المتهم وآثره في الإثبات-دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص75.

([96]مراد أحمد فلاح العبادي، اعتراف المتهم وآثره في الإثبات-دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص80.

([97]محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص65.

([98]عدلي خليل، اعتراف المتهم فقها وقضاءً، المكتبة القانونية، بغداد، 2000، ص88.

([99]المادة (270) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل

([100]عدلي خليل، اعتراف المتهم فقهاً وقضاءً، مرجع سابق، ص67.

([101]مراد أحمد العبادي، اعتراف المتهم وآثره في الإثبات-دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص75.

([102]المواد (59،187، 218،311) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لعام 1969 المعدل.

([103]المادة (129) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([104]أسامة شاهي، اعتراف المتهم وآثره في تكوين عقيدة المحكمة، المكتب الجامعي الحديث، القاهرة، 2013، ص41.

([105]أسامة شاهي، اعتراف المتهم وآثره في تكوين عقيدة المحكمة، مرجع سابق، ص55.

([106]سيروان شكر سمين، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي، مرجع سابق، ص300.

([107]سليمان عبد المنعم، أصول الإجراءات الجنائية، الكتاب الأول، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2003، ص81.

([108]سميح عبد القادر المجالي أثر الإجراء الجزائي الباطل في المركز القانوني للمتهم دراسة مقارنة، دار وائل للنشر والتوزيع عمان 2006، ص 65.

([109]أحمد فتحي سرور، نظرية البطلان ” في قانون الإجراءات الجنائية ” من أمهات كتب التراث القانوني، مركز الأهرام لإصدارات القانونية، المنصورة، 2021، ص12.

([110]احمد حسوني جاسم العيثاوي، بطلان إجراءات التحقيق الجنائي في مرحلة التحقيق الابتدائي، مرجع سابق، ص 145

([111]كمال الدين مصطفى توفيق شعيب، ضمانات حقوق الإنسان في مرحلة التحقيق الابتدائي، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2011، ص527.

([112]فوزية عبد الستار، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقا لأحدث التعديلات، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2010، ص234.

([113]جواد الرهيمي، أحكام البطلان في قانون أصول المحاكمات الجزائية، المكتبة القانونية، بغداد، 2006، ص47.

([114]احمد فتحي سرور، نظرية البطلان في قانون الإجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص 164.

([115]الياس أبو عيد، أصول المحاكمات الجزائية، ج2، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2007، ص 485 وما بعدها.

([116]محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقا لأحدث التعديلات التشريعية، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2021، ص338.

([117]أمير فرج يوسف، حق المتهم في الصمت دراسة قانونية مقارنة في التشريعات العربية والأجنبية، مكتبة الوفاء القانونية، مصر، 2016، ص196.

([118]سميح عبد القادر المجالي، أثر الإجراء الجزائي الباطل في المركز القانوني للمتهم (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، ص134.

([119]فوزية عبد الستار، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقا لأحدث التعديلات، مرجع سابق، 32.

([120]أمير فرج يوسف، حق المتهم في الصمت دراسة قانونية مقارنة في التشريعات العربية والأجنبية، مرجع سابق ص198.

([121]عبد الستار الكبيسي، ضمانات المتهم قبل وأثناء المحاكمة، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2013، ص 924.

([122]قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد أحداث/2013 2 2013/1/10، والذي نص “ وبذلك يكون المتهم في تاريخ ارتكابه الجريمة في… حدثاً لم يتم الثامنة عشر من عمره وان محاكمته تدخل ضمن اختصاص محكمة الأحداث وان محكمة الجنايات… غير مختصة في محاكمته لذا قرر اعتبار القرار التمييزي الصادر من المحكمة.. معدوماً”.

([123]المادة (29) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل التي تنص على أنه ” لا تسمع الدعوى المدنية إذا رفعت أمام المحاكم الجزائية بعد مضي المدة المقررة في القانون”.

([124]عبد الستار الكبيسي، ضمانات المتهم قبل وأثناء المحاكمة، مرجع سابق، ص930.

([125]مثال المادة (3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([126]المادة (263) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([127]المادة (312) من قانون الإجراءات الجنائية المصري.

([128]رجح المشرع المصري نظرية البطلان الذاتي في قانون الإجراءات الجنائية المصري في المادة (331) من قانون الإجراءات الجنائية المصري.

([129]المادة (1/249) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([130]قرار محكمة التمييز الاتحادية العراقية المرقم 286 / هـ. ع / 2007 في 2008/4/28،

([131]احمد فتحي سرور، نظرية البطلان في قانون الإجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص366.

([132]منى جاسم الكواري، التفتيش شروطه وحالات بطلانه (دراسة مقارنة)، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2008، ص198.

([133]جواد الرهيمي، أحكام البطلان في قانون أصول المحاكمات الجزائية، مرجع سابق، ص73.

([134]محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقا لأحدث التعديلات التشريعية، مرجع سابق، ص372.

([135]أحمد حسوني جاسم العيثاوي، بطلان إجراءات التحقيق الجنائي في مرحلة التحقيق الابتدائي، مرجع سابق، ص350.

([136]) المادة (249) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقيرقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([137]المادة (265) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([138]المادة (53) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([139]أحمد حسوني العيثاوي، بطلان إجراءات التحقيق الجنائي في مرحلة التحقيق الابتدائي، مرجع سابق، ص362.

([140])  المادة (105) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([141])  المادة (266) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971 المعدل.

([142]) سليمان عبد المنعم، أصول الإجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص240.


([1])  قال تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، سورة المائدة، الآية (8).

([2])  سليم إبراهيم حربه وعبد الأمير العكيلي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، ج1، دار القانون المقارن، بغداد، 2010، ص105.

([3])  محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2021، ص722.

([4])  مجيد خضر السبعاوي، ومولان قادر أحمد، الضرورة الإجرائية في مرحلة التحقيق الابتدائي (دراسة تحليلية-مقارنة)، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2017، ص134.

([5])  نادية مصطفى حسين الحمداني، التعسف في إجراءات التحقيق الجزائية، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، 2020، ص65.

([6])  مازن خلف ناصر، أصول التحقيق الجنائي، مكتبة السنهوري، بغداد، 2018، ص12.

([7])  أحمد حسوني جاسم العيثاوي، بطلان إجراءات التحقيق الجنائي في مرحلة التحقيق الابتدائي، المكتبة القانونية، بغداد، 2012، ص1.

([8])  35.  سيروان شكر سمين، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي (دراسة مقارنة)، منشورات زين الحقوقية، بيروت،2020، ص9.

([9])  مصطفى يوسف، الحماية القانونية للمتهم في مرحلة التحقيق، دار الكتب القانونية، مصر، 2009، ص48.

([10])  عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريمة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2015، ص9.

([11])  علي فضل البوعينين، ضمانات المتهم في مرحلة المحاكمة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص14.

([12])  محمد سامي مظلوم، أثر غياب المتهم في مراحل الدعوى الجزائية (دراسة مقارنة)، منشورات زين الحقوقية، بيروت،2019، ص19.

([13])  شهلاء بنيامين باتو، سلطة المحكمة الجزائية في تقدير الاعتراف (دراسة مقارنة)، مكتبة السنهوري، بغداد، 2019، ص104.

([14])  المادة (43) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971 المعدل.

([15])  المادة (5) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لسنة 2001 المعدل.

([16])  شهلاء بنيامين باتو، المرجع السابق، ص104.

([17])  محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجنائية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2010، ص273.

([18])   محمد سامي مظلوم، أثر غياب المتهم في مراحل الدعوى الجزائية (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، ص21.

([19])  عمر فخري الحديثي، حق المتهم في محاكمة عادلة دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2005، ص62.

([20])  أشرف توفيق شمس الدين، شرح قانون الإجراءات الجنائية، الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2012، ص43.

([21])  محمد سامي مظلوم، أثر غياب المتهم في مراحل الدعوى الجزائية (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، ص22.

([22])  سليمان عبد المنعم، أصول الإجراءات الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، القاهرة، 2021، ص19.

([23])  المادة (130) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 المعدل. والمادة (63) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لسنة 2001 المعدل.

([24])  المادة (80) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل. والمادة (210) من قانون العقوبات اللبناني رقم (340) لسنة 1943 المعدل.

([25])  محمد رشاد قطب إبراهيم، الحماية الجنائية لحقوق المتهم وحرياته، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر، 2012، ص31.

([26])  المادة (60) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، والمادة (231) من قانون العقوبات اللبناني رقم (340) لسنة 1943 المعدل.

([27])  حدد قانون رعاية الأحداث العراقي رقم (76) لسنة 1983م من المسؤولية الجنائية للأحداث بتمام التاسعة من العمر.

([28])  محمد رشاد قطب إبراهيم، المرجع السابق، ص32.

([29])  حيث تنص المادة (24) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لسنة 2001 المعدل على أن ” النيابة العامة مكلفة بإصدار بلاغ تحر وبحث في حال عدم العثور على الشخص المشكو منه أو المشتبه فيه أو جهل محل إقامته، يتضمن كامل هويته والجرم المسند إليه.

([30])  أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020، ص213.

([31])  عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريمة، مرجع سابق، ص15.

([32])  تميم طاهر أحمد وآخرون، أصول التحقيق الجنائي، المكتبة القانونية، بغداد، 2017، ص50.

([33])  أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص297.

([34])  ممدوح خليل البحر، التحقيق الجنائي في قانون الإجراءات الإماراتي وقانون الإجراءات المصري، دار النهضة العربية، القاهرة، 2012، ص21.

([35])  سلطان الشاوي، أصول التحقيق الإجرامي، المكتبة القانونية، بغداد، 2009، ص7.

([36])  محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقاً لأحدث التعديلات التشريعية، الطبعة الخامسة، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2017، ص550.

([37]) عبد الحميد الشواربي، البطلان الجنائي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2010، ص 249.

([38])  راستي الحاج، مسيرة الأصول الجزائية من لحظة وقوع الجريمة حتى الحكم النهائي، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2014، ص233.

([39])  علي عبد القادر القهوجي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية (دراسة مقارنة)، الكتاب الثاني، سير الدعوى العامة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2004، ص393.

([40]) سيروان شكر سمين، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص46.

([41]) عبده جميل غضوب، الوجيز في قانون الإجراءات الجزائية- دراسة مقارنة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2011، ص232.

([42]) عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريمة، مرجع سابق، ص45.

([43]) سيروان شكر سمين، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي، مرجع سابق، ص 143.

([44]) سليمان عبد الحميد، النيابة العامة بين سلطتي الاتهام والتحقيق، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010، ص 265.

([45])  عمار مزاحم مهدي، فن التحقيق الجنائي، مطبعة الكتاب، بغداد، 2021، ص84

([46]) براء منذر كمال عبد اللطيف، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، المؤسسة اللبنانية للكتاب الأكاديمي، بيروت، 2014، ص95.

([47]) رفاه خضير جياد العارضي، الدليل الإلكتروني وأثره في مجال نظرية الإثبات الجنائي، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2019، ص9.

([48]) عبد القادر محمد القيسي، السرية والعلانية في الإجراءات التحقيقية الجزائية والمحاكمة ودور المحامي فيها، المكتبة القانونية، بغداد، 2012، ص22.

([49]) محمد محمود الشركسي، ضمانات المتهم خلال مرحلة التحقيق الابتدائي والمحاكمة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2011، ص99.

([50]) محمد سامي النبراوي، استجواب المتهم، دار النهضة العربية، القاهرة،2002، ص 393.

([51]) سلطان الشاوي، أصول التحقيق الإجرامي، مرجع سابق، ص14.

([52]) عبد الستار الجميلي، التحقيق الجنائي قانون وفن، مطبعة دار السلام، بغداد، 2005، ص12. 

([53]) عبد الأمير العكيلي وآخرون، أصول الإجراءات الجنائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية، الجزء الأول، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف، بغداد، 2015، ص 284. 

([54]) حمودي الجاسم، دراسة مقارنة في أصول المحاكمات الجزائية، الجزء الأول، مطبعة العاني، بغداد، 2003، ص176. 

([55]) محمد سامي النبراوي، استجواب المتهم، مرجع سابق، ص276.

([56])  شهلاء بنيامين باتو، سلطة المحكمة الجزائية في تقدير الاعتراف (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، ص72.

([57])  المادة (271) من قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لسنة 1950.

([58])  المادة (253) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (328) لعام 2001 المعدل.

([59])  المواد (217، 218، 219) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971 المعدل.

([60])  قرار محكمة التمييز الاتحادية المرقم 1488/1487/ هيئة جزائية / 2006 الصادر في 2006/6/12، يراجع: شهلاء بنيامين باتو، سلطة المحكمة الجزائية في تقدير الاعتراف (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، ص121.

([61])  المادة (1/37) منه على ما يلي “حرية الإنسان وكرامته مصونة ب. لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرار قضائي، ج يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب. وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقا للقانون”.

([62])  قرار محكمة التمييز الاتحادية المرقم 89 / 2006 الصادر في 20/9/2006، منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.103/ ، تاريخ الزيارة: 25/3/2023.

([63]) قرار محكمة التمييز الاتحادية المرقم 118 / 2006 الصادر في 2006/11/29،منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.134/ ، تاريخ الزيارة: 25/3/2023.

([64])  قرار محكمة التمييز المرقم 542 / 2010 الصادر في 2010/5/25، منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.1357/ ، تاريخ الزيارة: 25/3/2023.

([65]) سليمان عبد المنعم، أصول الإجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص651.

([66])  المادة (127) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971 المعدل على أنه ” لا يجوز استعمال أية وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم للحصول على إقراره”.

([67]) رياض محمود شمس، قواعد الاعتراف في التحقيق، رسالة معدة لنيل درجة الماجستير، جامعة بيروت العربية، 2008، ص9.

([68]) عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريم، مرجع سابق، ص211.

([69]) جمال محمد مصطفى، شرح قانون أصول المحاكمات العراقي، بغداد، 2005، ص 259.

([70])  حكم محكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم 583/2012، الصادر بتاريخ 23/10/2012، منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى العراقي، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.sjc.iq/qview.2009/ ، تاريخ الزيارة: 25/3/23023.

([71]) رياض محمود شمس، قواعد الاعتراف في التحقيق، مرجع سابق، ص276.

([72])  شهلاء بنيامين باتو، سلطة المحكمة الجزائية في تقدير الاعتراف (دراسة مقارنة)، مرجع سابق، 130.

([73]) عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريم، مرجع سابق، ص 325.

([74]) طه زاكي صافي، الاتجاهات الحديثة للمحاكمات الجزائية، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2003، ص 349.

([75]) المادة (182) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، والقاعدة (64) من قواعد الإجراءات وجمع الأدلة الخاصة بالمحكمة الجنائية العراقية.

([76]) علي حمزة علي عسل الخفاجي، التحقيق الابتدائي، المجلد33, العدد1, مجلة العلوم الإنسانية، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكربلاء، العراق, 2015, ص423.

([77]) عمّار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريمة، مرجع سابق، ص158-159.

([78]) علي حمزة علي عسل الخفاجي، التحقيق الابتدائي، مرجع سابق، ص 122.

([79]) سيروان شكر سمين، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص169-171.

([80]) يراجع: القرار رقم (252) تمييز جزائي عراقي بتاريخ 28/4/2009، مجلة حمورابي، العدد الثاني، 2009.

([81]) ألغي المشرع العراقي مصطلح “حاكم التحقيق” ووضع عنه مصطلح “قاضي التحقيق” يراجع التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المنشور بالوقائع العراقية، العدد 2746، المؤرخ في 17/12/1979.

([82]) حددت نص المادة (39) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971 المعدل أعضاء الضبط القضائي على سبيل الحصر بما يأتي: 1- ضباط الشرطة ومأمورو المراكز والمفوضون. 2- مختار القرية والمحلة في لتبليغ عن الجرائم وضبط المتهم وحفظ الأشخاص الذين يجب المحافظة عليهم. 3- مدير محطة السكك الجديدة ومعاونه ومأمور سير القطار والمسؤول عن إدارة الميناء البحري أو الجوي وربان السفينة أو الطائرة ومعاونه في الجرائم التي تقع فيها.

([83]) المادة (50/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لعام 1971 المعدل.

([84]) سيروان شكر سمين، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي، مرجع سابق، ص 243.

([85]) خميس خصباك البديري، حق التقاضي في الدعوى الجزائية، مكتبة السنهوري، بغداد، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2013، ص 178.

([86]) عمّار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريمة، مرجع سابق، ص 232.

([87]) سليم علي عبده، التفتيش في ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد (دراسة مقارنة)، الطبعة الأولى، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2006، ص 36.

([88]) فهد إبراهيم السبهان، استجواب المتهم، أطروحة دكتوراة في القانون العام، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، 2009، ص 133.

([89]) يراجع: القرار رقم 68/2007 تمييز جزائي لبناني بتاريخ 29/3/2007، منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، متاح على الرابط الإلكتروني: http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID=K ، تاريخ الزيارة: 27/2/2023.

([90]) يراجع: القرار رقم 51 تمييز جزائي لبناني بتاريخ 9/6/2005، منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، متاح على الرابط الإلكتروني: http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID= ، تاريخ الزيارة: 27/3/2023.

([91]) عادل مشموشي، ضمانات حقوق الخصوم خلال مراحل ما قبل المحاكمة الجزائية، الطبعة الأولى، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2006، ص 369.

([92]) المادة (78) من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم (23) لسنة 1971 المعدل.

([93]) جلال حماد عرميط الدليمي، ضمانات المتهم في إجراءات التحقيق الابتدائي المقيدة لحريته والماسة بشخصه، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2015، ص83.

([94]) على عبد القادر القهوجي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية (دراسة مقارنة)، الكتاب الثاني، سير الدعوى العامة، مرجع سابق، ص58-59.

([95]) فخري عبد الرزاق صلبي الحديثي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة الأولى، دار السنهوري، 2016، ص 249.

([96]) نشأت أحمد نصيف، وسائل الإثبات في الدعوى الجزائية، الطبعة الأولى، مطبعة صباح، بغداد, 2005، ص146.

([97]) فخري عبد الرزاق صلبي الحديثي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، مرجع سابق، ص231.

([98]) عبد الأمير العكيلي وآخرون، أصول الإجراءات الجنائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية، مرجع سابق، ص 117.

([99]) جمال محمد مصطفى، التحقيق والإثبات في القانون الجنائي، مرجع سابق، ص 154.

([100]) عبد الأمير العكيلي وآخرون، أصول الإجراءات الجنائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية، مرجع سابق، ص243.

([101]) جمال محمد مصطفى، التحقيق والإثبات في القانون الجنائي، مرجع سابق، ص212.

([102]) سلطان الشاوي، أصول التحقيق الجنائي، مرجع سابق، ص122.

([103])  إياد عبد شكر، الحق في الصمت أثناء الإجراءات الجنائية (دراسة مقارنة)، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2019، ص21.

([104]) عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي والوسائل الحديثة في كشف الجريم، مرجع سابق، ص234.

([105]) رياض محمود شمس، قواعد الاعتراف في التحقيق، مرجع سابق، ص122.

([106]) جمال محمد مصطفى، شرح قانون أصول المحاكمات العراقي، مرجع سابق، ص276.

([107]) محمد شريف احمد حقوق الإنسان في الإسلام بحث منشور في مجلة الرسالة الإسلامية، عدد 249، س 25، 2002، ص34.

([108]) اباس الكعبي النظام القانوني في الإسلام مقارناً بالنظم الوضعية، بحث منشور في مجلة فقه آل البيت (ع)، عدد 29، س 8، 2003، ص111.

([109]) عبد الباقي البكري وآخرون، المدخل لدراسة القانون، دار الكتب الموصل، 2001، ص 219.

([110]) تنص المادة (123) المعدلة من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقية رقم (23) لعام 1971 المعدل قبل إجراء التحقيق مع المتهم يجب على قاضي التحقيق إعلام المتهم ما يلي: أولاً: أن له الحق في السكوت ولا يستنتج من ممارسة هذا الحق أية قرينة ضده». وتنص المادة (126) /ب لا يجبر المتهم على الإجابة عن الأسئلة التي توجه اليه وتنص المادة 173 على انه للمحكمة أن توجه للمتهم ما تراه من الأسئلة لكشف الحقيقة قبل توجيه التهمة اليه أو بعدها ولا يعد امتناعه عن الإجابة دليلاً ضده».

([111]) تنص المادة 2/55 من النظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية على ضرورة إبلاغ المشتبه به لحقه في التزام الصمت دون أن يكون لهذا الصمت أي اعتبار في تحديد الإدانة أو البراءة.

([112]) نصت المادة (2/55) من النظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية وكذلك نصت على ضرورة تنبيه المتهم على أن له الحق في التزام الصمت القواعد الإجرائية الخاصة بيوغسلافيا ورواندا.

([113]) فوزية عبد الستار، شرح قانون الإجراءات الجزائية، دار النهضة العربية، القاهرة 2001، ص 568

([114]) توفيق محمد الشاوي، بطلان التحقيق الابتدائي بسبب التعذيب والإكراه الواقع على المتهم، بحث منشور في مجلة القانون والاقتصاد، ص 1، ع 3، 2003، ص 48

([115]) سلطان الشاوي، أصول التحقيق الإجرامي، مرجع سابق، ص 146.

([116]) عوض محمد، قانون الإجراءات الجزائية، دار المطبوعات الجامعية، القاهرة، 2003، ص 515.

([117]) فوزية عبد الستار، شرح قانون الإجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص 568.

([118]) رمسيس بهنام، الإجراءات الجزائية تأصيلاً وتحليلاً، منشأة المعارف الإسكندرية 2004، ص 401، عبد الحميد الشورابي ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجزائي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2005، ص344

([119]) مأمون محمد سلامة الإجراءات الجزائية في التشريع المصري، ج 1، دار الفكر العربي القاهرة، 2007، ص 641.

([120]) محمد السعيد عبد الفتاح، أثر الإكراه على الإرادة في المواد الجزائية، دار النهضة العربية القاهرة، 2002، ص274

([121]) محمد زكي أبو عامر، الإثبات في المواد الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية، 2012، ص 122.

([122]) أسامة عبد الله، قايد الضمانات المقررة للمشتبه به في مرحلة جمع الاستدلالات، طا، دار النهضة العربية القاهرة، 2001، ص 160.

([123]) احمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجزائية، المرجع السابق، ص 253، ص 366.

([124]) محمد سامي النبراوي، استجواب المتهم، المرجع السابق، ص 159

([125]) المادة (7) من الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان والتي تتكون الاتفاقية من ديباجة و (53) مادة وقد جاءت المادة (7) منها تقرر عدم إخضاع أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو إخضاعه للعبودية أو أكراهه. وأشارت المادة (16) منها (عدم إجبار المتهم على القول).

([126]) نص على مبدأ افتراض البراءة في المتهم في المادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 والمادة (2/14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، والمادة (26) من الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان لعام 1948 والمادة (2/6) من الاتفاقية الأوربية والبند الخامس 1 من الإعلان الإسلامي العالمي الحقوق الإنسان لعام 1981 ، وقد نص على عدم إكراه المتهم على الاعتراف بالذنب بون أو الشهادة ضد النفس في المادة (j / 3 / 14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة (2/8) من الاتفاقية الأمريكية والبند السابع من الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان والذي نص على انه لا يجوز تعذيب المجرم عن المتهم ولا يجوز حمل الشخص على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها.

([127]) إياد عبد شكر، الحق في الصمت أثناء الإجراءات الجزائية، مرجع سابق، ص97.

([128])  ذلك المادة (401) من قانون العقوبات اللبناني رقم (340) لسنة 1943 المعدل “يقصد بالتعذيب في هذا القانون أي عمل يقوم به أو يحرض عليه أو يوافق عليه صراحة أو ضمناً موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية أثناء الاستقصاء والتحقيق الأولي والتحقيق القضائي والمحاكمات وتنفيذ العقوبات، ينتج عنه ألم شديد أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق قصداً بشخص ما، لا سيما: – للحصول منه أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف “.

([129]) حكم تمييز جزائي لبناني، قرار رقم 133 تاريخ 25/04/2006، منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، متاح على الرابط الإلكتروني: http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID= ، تاريخ الزيارة: 28/3/2023.

([130]) حكم تمييز جزائي لبناني، رقم 149 تاريخ 11/05/2006، منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، متاح على الرابط الإلكتروني: http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID= ، تاريخ الزيارة: 28/3/2023.

([131]) قانون اصو المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد المواد (41، 77، 61)

([132]) المادة (218) من اصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971

([133]) إياد عبد شكر، الحق في الصمت أثناء الإجراءات الجزائية، مرجع سابق، 97.