حماية البيئة والموارد الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة الدولية

تكتسب حماية البيئة الطبيعية والمحافظة على مواردها أهمية خاصة زمن النزاعات المسلحة خاصة مع تطور الأسلحة وزيادة قدرتها التدميرية، كأسلحة الدمار الشامل من نووية وبيولوجية وكيماوية، وما ينجم عن استخدامها من تدمير للممتلكات العامة والخاصة وتلويث للمياه والهواء والتربة وأضرار بيئية أخرى تمتد لسنوات طويلة وتقضي على البشرية على المدى البعيد، الأمر الذي يؤثر على النظام البيئي وحياة الإنسان والكائنات الحية بصفة عامة، ولما كانت مشكلة حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاع المسلح لا تقتصر على أطراف النزاع المسلح فقط، بل تمتد لتصيب الدول المجاورة وربما البعيدة، جراء الضرر البيئي الذي يسهل تنقله بسبب العوامل الطبيعية كالرياح والتربة والأمطار ومياه البحر.

إذ تمثل البيئة الإطار الذي يحيا فيه الإنسان مع غيره من الكائنات الحية بما يضمه مـن مكونات فيزيائية وكيماوية وبيولوجية واجتماعية وثقافية واقتصادية ويحصل منها على مقومات حياته. ولا تعود فكرة ضرورة حماية البيئة في أوقات النزاعات المسلحة إلى القرن الحادي والعشرين ولا حتى إلى القرن العشرين. بل، يرجع أصل القواعد القانونية المتعلقة بحماية البيئة الطبيعية ومواردها إلى آمد بعيد.

فقد ارتبطت تلك القواعد ارتباطاً وثيقاً بحاجة الأفراد إلى الوصول إلى الموارد الطبيعية الضرورية لبقائهم على قيد الحياة، ونظراً للظروف التي كانت تجري فيها الحروب آنذاك، إلى جانب الوسائل والأساليب المستخدمة، كان خطر التدمير الشامل للبيئة محدوداً، بيد أن الأمر تغير أثناء القرن العشرين حيث جعل التطور التكنولوجي البيئة أكثر عرضة لخطر التدمير الدائم الناتج عن الأسلحة النووية أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن التدمير الناجم عن وسائل وأساليب الحرب التقليدية، وقد تلازم التطور التكنولوجي مع زيادة الوعي بضرورة حماية البيئة لصالح أجيال الحاضر والمستقبل.

إذ وجب توفير حماية خاصة للبيئة الطبيعية زمن النزاعات المسلحة، من هنا بات من الضروري التأكيد على أهمية الاهتمام بحماية البيئة الطبيعية، من هنا حظرت قواعد القانون الدولي الإنساني انتهاك أحكام حمايتها والاعتداء عليها أثناء النزاعات المسلحة من خلال التأكيد على ذلك ضمن المعاهدات والاتفاقيات التي كرست حماية مباشرة وغير مباشرة للبيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما كرسه بروتوكول جنيف الإضافي الأول لعام 1977، الذي تضمن قاعدة أساسية لحماية البيئة الطبيعية؛ تحظر استخدام وسائل وأساليب قتالية يقصد بها إلحاق أضرار بالغة، واسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية، وكما سبقته في التأكيد على تلك الحماية اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى لعام 1976، والتي تضمنت قواعد قانونية تحظر استخدام البيئة الطبيعية كوسيلة للاعتداء، والذي يرتب آثار جسيمة على البيئة الطبيعية واسعة الانتشار أو طويلة الأجل تؤثر سلباً على حياة الكائنات الحية ككل.

فإنه بالرغم من أهمية قاعدة منع الضرر البيئي ومبادئ القانون الدولي الإنساني، إلا انه لا يمكن الاعتماد كلياً على هذه القواعد لضمان عدم حصول الأضرار بالبيئة في أوقات النزاعات المسلحة، إذ إن إقرار المسؤولية الدولية يؤدي إلى تحقيق حماية فعالة للبيئة ولمواردها الطبيعية.

فكان الاهتمام في بادئ الأمر ينصب على المقاتلين وحدهم، لوجودهم في ساحات القتال وتحملهم النتائج السلبية للنزاعات المسلحة بشكل مباشر، ثم تطور الأمر ليصل إلى حماية المدنيين، الذين ليس لهم علاقة بهذه النزاعات، لكن وجودهم في مناطق قريبة من مناطق النزاعات المسلحة جعلهم عرضة لآثارها السلبية، ثم تطور الأمر بعد ذلك ليصل إلى حماية البيئة، لما تمثله من رصيد وتراث مشترك للبشرية، حيث إنه وبسبب التقدم العلمي الذي شهده العالم والتنافس بين الدول في تطوير صناعتها الحربية، فقد حدثت الكثير من المشاكل البيئية خاصة بعد كثرة الصراعات والحروب. ومما أدى إلى تفاقم هذه المشكلة وزيادة مخاطرها، استخدام الأسلحة المدمرة والمحرمة دولياً في الحروب، مما سبب أضراراً بيئية واسعة.

وأمام هذه الحقائق والجرائم التي ارتكبت بحق الإنسان والبيئة خلال الحروب، وما رتبتها من مآسي وخراب وإهدار الكرامة الإنسانية، اتجه المجتمع الدولي إلى وضع قواعد ومبادئ نظمتها العديد من الاتفاقات الدولية التي تعني بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، ولعل الاهتمام المتزايد بموضوع البيئة والرغبة الملحة لدى شعوب العالم في وجوب حمايتها هو الذي دفع المجتمع الدولي إلى إبرام هذه الاتفاقيات.

والى جانب جهود المجتمع الدولي في إبرام الاتفاقيات، فقد كان لمصادر القانون الدولي الأخرى الدور الكبير في ترسيخ مبادئ الحماية، فضلاً عن الدور الذي كانت ولازالت تلعبه المنظمات الدولية في هذا الموضوع، لاسيما منظمة الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وذلك من خلال ما تضطلع به هذه المنظمات من مهام مرسومة لها بموجب مواثيقها.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الجهود الدولية التي توفر السند القانوني لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، قد لا تجد مكاناً لها في التطبيق، ما لم توجد مسؤولية دولية بشقيها المدني، والجنائي تفرض علـى كـل مـن أضر بالبيئة أثناء النزاعات المسلحة. ويعتبـر الإقـرار بالمسؤولية والقبول بدفع التعويضات لإعادة الحالة الى مـا كـانـت عـلـيـه قـبل حصول الضرر مـن أهـم هـذه القواعد. لذا سيتم تناول تطـور النظام القانوني للمسؤولية الدولية عن حماية البيئة في أوقات النزاعات المسلحة مـن خـلال دراسة التطورات المتعلقة بالمسؤولية الدولية وفقا للقانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني والقانـون البيئي الدولي، بالإضافة إلى التكييف القانوني للنزاعات المسلحة في العراق منذ احتلاله 2003 لتحديد القانون الواجب التطبيق وفقاً لقواعد القانون الدولي العام، وآليات فرض المسؤولية الدولية عـن الـضرر البيئـي بمـوجب الممارسة الدولية والقواعد السارية وفقـاً لـنظام المحكمة الجنائية الدولية 1998 ولجنة الأمم المتحدة للتعويضات

القواعد العرفية الدولية المعنية بحماية البيئة في أوقات النزاعات المسلحة

لم تعد آثار النزاعات المسلحة تقتصر على إلحاق الأذى بالبشر وممتلكاتهم، بل تجاوزت الحدود لتقضي على كل ما هو ضروري لاستمرار الحياة الطبيعية، عن طريق تدمير البيئة الطبيعية وتعريضها للخطر، وربما يكمن خطر النزاعات المسلحة اليوم في حقيقة أن آثارها الكارثية على البيئة هي تداعيات مستمرة لا تنتهي بنهاية الصراع، بل تستمر هذه الآثار شاهداً وحاضراً على المأساة الإنسانية لعقود من الزمن، لا سيما في ظل التطور التقني الهائل في فنون التسلح واستخدام أساليب وأدوات قتالية ضارة للغاية.

وبسبب تلك الآثار الكارثية التي تخلفها النزاعات المسلحة وتصيب في جزء كبير منها البيئة ومشتملاتها، وفي ظل تعذر إبعاد الخطر عنها، لم يعد موضوع حماية البيئة أمراً ثانوياً، بل أصبحت وبحكم طبيعتها وارتباطها الوثيق بالإنسان مباشرة موضوعاً يستدعي وجود سياسة عامة دولية والسياسات الوطنية والمحلية لم تعد كافية.

ولا يوجد تعريف للبيئة يلقى قبولاً عالمياً حتى وقتنا الحاضر، لذلك يمكن تعريف البيئة تعريفاً ضيقاً يقتصر على الموارد الطبيعية وحدها مثل الهواء والتربة والماء والحيوان والنبات، والتفاعل بينهما، أو تعريفها بشكل أوسع لتشمل القيم البيئية أيضا مثل الجوانب الجمالية للمناظر الطبيعية. وقد أخذت لجنة القانون الدولي بالتعريف الأوسع للبيئة، كما ان محكمة العدل الدولية قد بينت ذلك في قضية مشروع غابسيكوفو- تاغيماروس 1992: “إن المطلوب في مجال حماية البيئة التزام الحذر والوقاية بسبب طابع الضرر الذي يلحق بالبيئة لا رجعة فيه وبسبب القيود الملازمة لأي آلية من آليات هذا النوع من الضرر كما أشارت المحكمة في هذا الصدد أيضا إلى ضرورة ان تبقي في الاعتبار مصالح الجيل الواحد ومصالح الأجيال وكذلك الحاجة المعاصرة إلى تعزيز مفهوم التنمية المستدامة” ([1]).

وتحتل حماية البيئة و المحافظة على مواردها أهمية كبيرة و هي بذلك تعد من أولويات القانون الدولي، ولما كانت البيئة أكثر تعرضاً للضرر زمن النزاعات المسلحة على ما تخلفه هذه الأخيرة من أذى للمدنيين جراء حرمانهم من الماء و تلويث مصادر المياه و التغذية و غيرها من مصادر البيئة، التي تضمن بقائهم نتيجة للاستخدام المفرط و الغير عقلاني لمختلف الأسلحة التدميرية. إن الحفاظ على البيئة عنصر أساسي لحياة الإنسان و الكائنات الحية باعتبار أن البيئة تراث مشترك للبيئة الإنسانية.  ورغم أن البيئة علم قائم بذاته إلا أن مشكلة التلوث البيئي زمن النزاعات المسلحة يحتل جزء أساسي يستدعي من المجتمع الدولي بذل المزيد من جهود لحل ترقية ووضع قواعد جديدة على الساحة الدولية تجرم الاعتداء عليها خاصة أثناء النزاعات المسلحة، و اتخاذ ما يلزم من الإجراءات و توفير الأليات اللازمة لضمان بيئة نظيفة و سليمة تكفل للجميع العيش في ظروف صحية آمنة.

المعاهدات هي أكثر الوسائل شيوعاً لوضع قواعد دولية ملزمة بشأن البيئة، حيث تعتبر المصدر الرئيسي للقانون البيئي الدولي، والذي يبلغ عدده أكثر من ألف اتفاقية، بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد من المعاهدات التي تندرج تحت هذا التصنيف، على الرغم من أنها تحتوي على بعض البنود المتعلقة بالبيئة، وأبرزها الاتفاقيات المتعلقة بالمياه الحدودية الدولية، والتي تحتوي على بند أو أكثر بشأن تلوث المياه ([1])، هذا ما ينطبق أيضاً على اتفاقية الفضاء الخارجي 1967 حيث تنص المادة 9 على حماية الأرض من التلوث المنبعث من الفضاء الخارجي، وفي المقابل حماية الفضاء الخارجي من التلوث ([2]).

تختلف الاتفاقات البيئية الدولية وفقاً لنطاقها، حيث إنها قد تكون عالمية في نطاقها وقد تكون إقليمية، حيث تحتوي الاتفاقيات الدولية ذات النطاق العالمي على قواعد تنظيم المجتمع الدولي بأسره، على سبيل المثال المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لعام1977، لاتفاقيات جنيف 1949 المتعلقة بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، على اعتبار أنها تُحظر استخدام وسائل الحرب التي تلحق أو يُتوقع أن تسبب دماراً واسع النطاق وبعيد المدى للبيئة والطبيعة.

إن هذا الأمر ذاته ينطبق على الاتفاقيات الأخرى مثل اتفاقية لندن عام 1972 و1973 الخاصة بتلوث عرض البحر، والاتفاقيات التي وقعت في ضوء مؤتمر البيئة والتنمية لعام 1992، وعلى الرغم من التطور الحالي للقواعد التي تحكم حالة البيئة العالمية، لا تزال هناك حاجة لمزيد من العمل الدولي المنظم في هذا الاتجاه، ويمكنننا القول إن الشبكة الحالية للالتزامات الناشئة عن الاتفاقات تترك بعض الفجوات، وبعض المجالات، لا سيما تلك المتعلقة بالشواغل العالمية، لا تزال غير مغطاة بالكامل.

أما المبادئ والقوانين التي يتم تبنيها على المستوى الإقليمي، فستكون أكثر فاعلية، والتطبيق الإقليمي في حماية البيئة البحرية هو الهدف الأساسي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. لقد أعددت اتفاقيات لثماني مناطق بحرية مختلفة، البحر الأبيض المتوسط، والخليج الفارسي، وغرب إفريقيا، وجنوب شرق المحيط الهادئ، والبحر الأحمر، وخليج عدن، ومنطقة البحر الكاريبي، وشرق إفريقيا، بحيث تكون هذه الاتفاقيات تقوم على نفس المبادئ وتطبق نفس الحلول، ومن أجل السيطرة على بعض المشاكل البيئية، خاصة تلك المحددة جغرافياً، حيث تم التحكم فيها من قبل عدد قليل من البلدان([3]).

2- العرف الدولي:

العرف يعتبر مجموعة القواعد القانونية التي نشأت لتحقيق غرض معين يتحدد بحماية البيئي والحفاظ عليها من التلوث. إن العرف القواعد الدولية في مجال حماية هو في أول مراحل تطوره ومع ذلك فمن الممكن أن نخلص من بين الأعراف الحالية المرعية لحماية البيئة من التلوث، مما يمكن اعتبارها بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال، رغم مرور زمن قصير على ولادتها.

ففي مجال القانون الدولي للبيئة نصادف العديد من القواعد العرفية، التي تحكم نشاط الدول وتصرفاتها في مجال حماية البيئة الدولية من التلوث، وينبغي الإشارة إلى المبدأ 21 من إعلان استكهولم لسنة 1972([4])، والذي يعد كقاعدة دولية عرفية في القانون الدولي للبيئة، والذي يتوافق مع المبدأ رقـم2 من إعلان ريودي جانيرو، سنة 1992، ومحصلة الفكرة القانونية لكلا المبدأين، هي أحقية الدول وسيادتها في استغلال  ثرواتها وفقاً لسيادتها القانونية مع حظر أن تمتد أثار التلوث إلى أقاليم أخرى، أو مناطق لا تخضع لسيادة الدول وهي مناطق التراث المشتركة للإنسانية.

هناك بعض القواعد العرفية المتعلقة بحماية البيئة، والتي تفرض التزامات قانونية على الدول مثل حماية البيئة والالتزام بقواعد حسن الجوار وعدم إساءة استخدام الحق خاصة في مجال الأنشطة الخطرة التي تؤدي إلى التلوث عبر الحدود الدولية([5]).

يمثل العرف الدولي البداية الحقيقية لقواعد القانون الدولي في الاعتبار، لأن طريقة تشكيلها تستغرق وقتاً طويلاً، مما يمنح أعضاء المجتمع الدولي فرصة كبيرة لتكوين عقيدتهم وقناعاتهم بضرورة الالتزام بأحكامها([6]).

تكمن أهمية القواعد الدولية في مجموعة كبيرة من القواعد التفصيلية التي تشكل الجزء الأكبر من القانون الدولي العام المعترف به، ويشكل هذا الجزء من القانون الدولي العام معظم القواعد التي تنظم مجالات الخلاف على السيادة بين الدول، فضلاً عن حرية الملاحة في البحار المفتوحة والامتيازات والحصانات ([7]).

ظهر إجماع حول بعض القواعد، وعلى أساس هذا الإجماع، تم تشكيل ممارسة دولية حتى قبل اعتماد اتفاقية نورديس عام 1974، وينطبق النظام على المنطقة الاقتصادية الخالصة المنصوص عليها في الجزء الخاص بها من الاتفاقية، حيث تم الاعتراف بها منذ البداية، بأن الدول الساحلية تتمتع بحقوق سيادية للحفاظ على الموارد الطبيعية الحية وغير الحية وإدارتها.

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في المادة 21 على أن تقوم الدولة الساحلية بتشريع القوانين المتعلقة بالمرور عبر البحر الإقليمي لتشمل إجراءات الحفاظ على بيئة الدولة الساحلية ومنعها وتقليلها والسيطرة عليها من التلوث ([8]).

في 28 نيسان عام 1986، وقع انفجار في المفاعل المركزي لتوليد الطاقة النووية في تشرنوبل بسبب الإهمال والخطأ البشري، وأخفقت الحكومة السوفيتية في إبلاغ الدول الأخرى إلا بعد حين، ولم تقدم التفسير الكامل للحادث لغاية انعقاد الاجتماع الخاص للوكالة الدولية للطاقة الذرية للفترة ما بين 25 مارس و29 آب 1986 ([9]). في تنفيذ هذا المبدأ، الابلاغ الفوري، جعل من الضروري صياغة قاعدة تستند على نصوص اتفاقية، وعليه وقعت 58 دولة، اتفاقية فيينا بشأن الابلاغ المبكر عن أي حادث نووي 1986، وكما تشير الاتفاقية بانها تشترط ضرورة قيام الدول بالإبلاغ ودون أي تأخير عن أي حادث نووي والذي سوف يؤدي أو ربما يؤدي إلى عواقب اشعاعية على دولة أخرى ([10]).

الحماية غير المباشرة للبيئة للاتفاقيات الدولية

تم الحديث عن البيئة لأول مرة في إعلان سان بطرسبورغ لعام 1808 بطريقة ضمنية، لتأتي بعد ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1907 واتفاقيات جنيـف الأربعة لعام 1949.

أولاً: إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868:

 لقد نص إعلان سان بطرسبرغ على أن حق أطراف النزاع المسلح في اختيار وسائل وأساليب القتال ليس حقاً مطلقاً، وإنما تقيده قيود معينـة، وقـد حظر استخدام الأسلحة والقذائف والمواد ووسائل القتال التي من شأنها إحداث إصابات وآلام لا مبرر لها ([1])، كما أوجب التحقق قبل أي هجوم من الأهداف على أنها ليست مدنية أو أعياناً مدنية أو أنها غير مشمولة بحماية خاصـة، ويجب أن تتخذ جميع الاحتياطات في مواجهة وسائل وأساليب الهجوم مـن أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين.

ثانياً: اتفاقية لاهاي لعام 1907:

 تبنى مؤتمر السلام الأول في لاهاي ثلاث اتفاقيـات، عالجـت الأولـى مواضيع وقوانين وأعراف الحرب البرية وتمخض عنه مؤتمر السلام الثاني في لاهاي لعام 1907 وانبثقت عنه ثلاثة عشر اتفاقية، وقد جاء في ديباجته بأن الأطراف المتعاقدة راغبة في حصر شرور الحرب بقدر ما تـسمح بـه المتطلبات العسكرية([2])، وعلى الرغم من عدم التناول الـصريح للإضـرار بالبيئة الطبيعية من خلال نصوص الاتفاقية لاهاي الرابعة واللائحة المرفقة بها الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام ([3])1907، إلا أنـه يستفاد من نص المادة (22) من اتفاقية لاهاي على أنها قررت حمايـة غيـر مباشرة للبيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة من خلال تأكيدها علـى أنـه المتحاربين ليس لهم حق مطلق وغير محدد باختيار الوسـائل التـي تـضر بالأعداء ويعتبر هذا المبدأ أساسياً للقانون الدولي الإنساني([4]).  كما أن الفقرتان (أ) و(ه) من المـادة (23) حظـرت اسـتخدام الـسم أو الأسلحة السامة، وكذلك استخدام الأسلحة والقذائف والمواد التي مـن شـأنها إحداث إصابات وآلام لا مبرر لها، وهو نفس المبدأ الذي اعتمـده المعهـد الدولي للقانون الإنساني المتعلقة بتسيير الأعمال العدائية في المنازعات الغير الدولية الصادر في 1990 بسان ريمو في الجزء (ب) الفقرة (3) مـن هـذا الإعلان على حظر استعمال السم كوسيلة أو طريقة للقتال.

الحماية الدولية للبيئة بشأن تغير المناخ

لقد نجح المجتمع الدولي في صياغة نصوص الاتفاقية الإطارية لتنظيم حماية المناخ، والتي استند فيها إلى عدة مبادئ عامة، لها أهمية في مجال الاتفاقيات البيئية الدولية، وكذلك نجح في وضع قواعد عامة لتلك الاتفاقية ([1]).

 سنتعرض للمبادئ العامة لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ من ثم القواعد العامة للحماية الدولية لتغير المناخ.

أولاً: المبادئ العامة لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ عام 1992:

 وضعت الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ مجموعة من المبادئ العامة التي تهدف إلى خفض خطورة تغير المناخ فقد نصت المادة (3) من هذه الاتفاقية مبادئ يسترشد الأطراف الذين وقعوا عليها بالإجراءات التي نصت عليها، وتشكل المبادئ التالية أهم ما جاء في هذه المادة:

1_ مبدأ التنمية المستدامة الذي يعتبر أساساً لهذه الاتفاقية، ذلك أن التنمية المستدامة تقتضي تلبية الحاجات لمحاربة الفقر في العالم، وتفرض قيوداً على حركة التكنولوجيا وعلى عملية التكنولوجيا التنظيم الاجتماعي بما يتلاءم مع الاستجابة لحاجات الحاضر من دون المساس بالمستقبل، حيث نصت المادة (3) الفقرة (1) على إنه: “تحمي الأطراف الموقعة على الاتفاقية النظام المناخي لمنفعة أجيال الحاضر، وأجيال المستقبل، على أساس الإنصاف، ووفق مسؤولياتها المشتركة، وإن كانت متباينة حسب قدرات كل منها وبناءً على ذلك، ينبغي أن تأخذ البلدان المتقدمة مكان الصدارة في مكافحة تغير المناخ والتقليل من الآثار الضارة المترتبة عليها”([2]).

المسؤولية الدولية الناجمة عن الأضرار البيئية أثناء النزاعات المسلحة

(العراق نموذجاً)

لقد اهتمت التشريعات الدولية والداخلية اهتماماً كبيراً لهذا العنصر ومكوناته من أجل المحافظة عليه وحمايته من التلوث، والحد من الممارسات والأفعال الخاطئة التي يقوم بها الإنسان وتؤثر سلباً على الماء من حيث إهداره وإفساده، حيث تبذل منظمة المياه العالمية قصارى جهدها في رصد نوعية المياه على المستوى الدولي([3]).

تعد البيئة في أغلب النزاعات أحد ضحايا النزاعات البارزين، سـواء تـم استهدافها بشكل مباشر أو غير مباشر وقد تستهدف البيئة عمداً، أو قد تصاب بأضرار عرضية نتيجة النزاع المسلح، وقـد تـم قـديماً اتباع سياسة الأرض المحروقة، في العديد من النزاعات، فقد استخدمت القوات الإيطالية عند غزوها لأثيوبـيـا غـاز الخردل في ليلة 2-3 / تشرين الأول 1935، وقد أدان المجتمع الدولي آنذاك ذلك العدوان، عبر عصبة الأمم، وغاز الخردل هو سائل زيني يتساقط مثل حبات المطر الرقيقة ويغطي منطقة شاسعة بآلاف القطرات تسبب كل منها، عند لمسها للأنسجة، حرقاً بسيطاً ما يلبث أن يتحول بعـد بـضـع سـاعات إلـى بـثـرة… تصيب الجـنود بأضـرار جسيمة.

وكما حدث في هيروشيما، في 7 آب 1945، إذ استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الذرية، وكانت سلاحا مروعاً على نحو غير مسبوق ترك الكثير ممـن بقـوا أحياء بعد الانفجار يواجهون موتاً بطيئاً معذباً، كما قامت بتدمير 15% من الغابات والغطاء النباتي في فيتنام.

وكانت الاضرار التي أصابت البيئة اكثر تنوعا عند احتلال العراق 2003، وفي العمليات التي اطلقت عليها الولايات المتحدة في الايام الاولى من الحرب (الصدمة والرعب) والتي استخدمت فيها مختلف الأسلحة المحرمة كالأسلحة الكيميائية واليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض وقنابل النابالم، كما استخدمت القوات الأمريكية الناقلات العملاقة، والدبابات، والعربات، وكاشفات الألغام التي جابت الأراضي العراقية من شمالها إلى جنوبها، كما قامت بتجريف التربة وقلع وحرق عدد كبير من اشجار النخيل في كل ارجاء العراق، لتمنع المقاتلين من استخدامها أثناء النزاع المسلح.

ولم يتم حتى وقتنا الحاضر تناول موضوع المسؤولية الدولية عن الاضرار البيئية سوى في قضية احتلال العراق للكويت، واستعرض برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الكثير من الاتفاقيات ذات الصلة بالتلوث النفطي في البحر التي وقعها الكثير من بلدان شرق البحر المتوسط، فضلا عن الاتفاقات أو خطط التعويضات المحتملة الأخرى وللأسف فإن جميع الاتفاقيات لا تنطبق في حالات العمليات العدائية المسلحة.

المسؤولية الدولية وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني

تنطبق قواعد المسؤولية الدولية التقليدية بشكل عام على الانتهاكات التي تحدث للقواعد الواجب احترامها في أوقات النزعات المسلحة، وتعد الدولة مسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي تنسب إليها، ولما كانت البيئة حاضرة في وقت النزاع المسلح وفي كل وقت منذ بدئه وحتى انتهائه، وبعد انتهائه أيضاً، وهو يسبب تدميراً بيئياً تتفاوت درجاته وهو لا ينحصر في منطقة النزاع فقط، فانه من الواجب التوفيق بين تطبيق القانون الدولي الإنساني والقانون البيئي الدولي بشكل يتجنب التعارض في أحكامهما([1]). لكن عند تطبيق قواعد القانون الدولي العام وفرعية القانون الدولي الإنساني والقانون البيئي الدولي، في وقت واحد، نجد ان الاضرار البيئية تتسبب بآثار لا رجوع فيها، وغالباً لا يمكن إعادة الحال بعد حدوث الضرر البيئي ومن ناحية نظرية ومثالية فان الاضرار البيئية تؤدي الى الأضرار بالبشرية جمعاء، لهذا كانت القاعدة الذهبية للقانون البيئي الدولي متمثلة بالمنع… ولتعذر منع جميع انواع الاضرار البيئية في أوقات النزاعات المسلحة(كما في أوقات السلم (اذ ان النشاطات البشرية تشكل السبب الرئيس للضرر البيئي)، وضعت لجنة القانون الدولي والممارسة الدولية عدة معايير للضرر القابل للتعويض ومنها الضرر الخطير او الضرر ذي الشأن.

 

سندرس في هذا الفرع الاستخدامات البيئية التي يتم اللجوء اليها بسبب اهداف عسكرية ونتحدث أيضاً عن مبدأ الضرورة العسكرية، وذلك على الشكل الآتي([1]):

أولاً: استخدامات البيئة لأغراض عسكرية:

من المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني أن الأعيان التي لا تشارك في عمل عسكري يجب أن تكون بعيدة عن النزاعات المسلحة، ويجب على أطراف النزاع حمايتها واحترامها، فالحكمة من شمول تلك الأعيان بالحماية، هي عدم مشاركتها المباشرة في العمل العسكري، ومن ثم فإن التخلي عن وضعها المدني ومساهمتها المباشرة في سير الأعمال العدائية إلى فقدانهم للحماية القانونية المخصصة لهم أثناء اندلاع الأعمال العدائية، بحيث يصبحون أهدافاً عسكرية مشروعة يمكن مهاجمتها أو تدميرها أو تعطيلها.

من هنا نجد أن العديد من بنود الاتفاقية الإنسانية التي ألزمت أطراف النزاع المسلح بحماية الأعيان المدنية غير المشاركة في العمل العسكري، قد عادت ورفعت هذه الحماية عنهم بمجرد استخدامها لأغراض عسكرية، حتى انخرطوا بشكل مباشر في العمليات القتالية([2]).

وهذا ما نصت عليه اتفاقية جنيف الأولى لعام 1949، حيث نصت على أنه “لا يجوز تعليق الحماية المستحقة للمنشآت الثابتة والوحدات الطبية المتنقلة للخدمات الطبية إلا إذا استخدمت خروجاً عن واجباتها الإنسانية في الأعمال التي تلحق الضرر بالعدو”([3]).

أما بالنسبة للبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 ، الملحق باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، فقد سمحت المادة (3/54) منه بمهاجمة الأشياء والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، إذا تم استخدامها لدعم العري، والمادة كما نصت المادة (556) من نفس البروتوكول على استمرار الحماية للأعمال الهندسية والمنشآت المحتوية على قوى خطرة، وعدم استخدامها في الأعمال العدائية، كما نصت المواد (65،60،59) من نفس البروتوكول على رفع الحماية عن المواقع الخالية من وسائل الدفاع والمناطق منزوعة السلاح وأجهزة الدفاع المدني إذا استخدمت لأغراض عسكرية. ومنها كذلك المادة (4/2) من البروتوكول الثالث الخاص بحظر أو تقييد استخدام الأسلحة المحرقة الملحق باتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر العام 1980، التي تنص على “يحظر أن تجعل الغابات وغيرها من أنواع الكساء النباتي هدفاً للهجوم بأسلحة محرقة، إلا حين تستخدم هذه العناصر الطبيعية لستر أو إخفاء أو تمويه محاربين أو أهداف عسكرية أخرى، أو حين تكون هي ذاتها أهداف عسكرية.

اتفاقية حظر التغيير في البيئة لأغراض عسكرية

عقدت هذه الاتفاقية برعاية الأمم المتحدة استجابة للمخاوف الناتجة عن استخدام وسائل القتال التي تسببت بأضرار بالغة بالبيئة أثناء حرب فيتنام، وتستهدف هذه الاتفاقية حظر الاستخدام الحربي، أو لأي أغراض عدائية أخرى، لتقنيات تعديل البيئة، التي تكون لها آثار واسعة أو دائمة أو خطيرة، بوصفها وسيلة تسبب تدميراً أو أضراراً لأية دولة طرف أخرى([1]).

ونصت الاتفاقية على إن سريانها يبدأ عندما تـودع عشرون حكومة وثائق التصديق عليها، وهي اتفاقية موجزة تتكون من ديباجة وعشرة مواد وهدفها هو تحريم استخدام البيئة كسلاح

وتجدر ملاحظة إن الاتفاقية لم تستخدم عبارة أو مصطلح (نزاع مسلح) كما لم تستخدم كلمة(حرب) إنما فضلت استخدام معنى واسع النطاق، إذ نصت: ” تتعهد كل دولة طرف في هذه الاتفاقية بعدم استخدام تقنيات التغيير في البيئة ذات الآثار الواسعة الانتشار أو الطويلة البقاء أو الشديدة لأغراض عسكرية ولاية أغراض عدائية أخرى كوسيلة لإلحاق الدمار أو الخسائر أو الإضرار بأية دولة طرف أخرى”. ويلاحظ من النص إن الاتفاقية لم تحرم التدمير البيئي بشكل مطلق أثناء النزاعات المسلحة، وإنما وضعت شروط محددة لمنع الدول من استخدام البيئة والتلاعب بها، مستهدفة الأعمال ذات الآثار الواسعة الانتشار أو الطويلة البقاء أو الشديدة والتي تكون لأغراض عسكرية، أو لأية أغراض عدائية أخرى كوسيلة لإلحاق الدمار أو الخسائر أو الأضرار بأية دولة طرف أخرى. ويقصد بعبارة (تقنيات التغيير في البيئة) وفقاً للاتفاقية، أية تقنية لإحداث تغيير، عن طريق التأثير المتعمد في العمليات الطبيعية، في دينامية الكرة الأرضية أو تركيبها أو تشكيلها، بما في ذلك مجموعات أحيائها المحلية وغلافها الصخري وغلافها المائي وغلافها الجوي، أو في دينامية الفضاء الخارجي أو تركيبه أو تشكيله([2]).